الحلقات السابقة تطرح إشكاليات التغيير التقدمي للمجتمعات العربية. كان الظن القديم أن تستجيب الجماهير لنداء الحرية الوطنية وتطيح بالسيطرة الامبريالية المباشرة، لتتحقق تلقائيا الحرية والوحدة العربية، وتمضي الأمة العربية الموحدة باتجاه التنمية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي. لكن الوقائع المترتبة بعد زوال السيطرة المباشرة للامبريالية أسفرت عن نظام أبوي جعل الناس تحن الى الماضي؛ فقد ابتليت بأنظمة أبوية لم تعرف حدودا للقهر واستباحة الحريات العامة وهدرت الكرامة الإنسانية. “ومن استبيحت إنسانيته سوف يستبيح كل شيء حين تحين الفرص. وأحداث الاضطرابات خير شاهد، حيث التلذذ بالقدرة على الهدم والهدر. نزوة الموت الوجودي التي فتكت بكيان الميليشيات تعود فترتد على أيديهم تدميرا للعمران”[2/247].رد نتنياهو على طلب الرئيس الفرنسي بتحسين معاملة الفلسطينيين، وقال ان الفلسطيني تحت حكمه يعيش بأفضل من العرب تحت الأنظمة العربية . ولكن يتوجب على نتنياهو تمييز “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” عن الأنظمة المتخلفة التي يتباهى بصداقتها لنظامه العنصري.في حالة الإبقاء على آثار الهدر يستمر الضياع ، وتتكيف النفوس لتقبل القهر من جديد . وهذا ما حدث في البلدان الخارجة من السيطرة الامبريالية المباشرة؛ بقيت تابعة للامبريالية من خلال الأنظمة الأبوية. وبعد المتاهة الطويلة في دنيا الأبوبة المستحدثة فإن الإنسان العربي يقف امام احتمالين: استمرار الضياع في المتاهة ليتحول الى فضلات بشرية والانضمام الى الفئات المستغنى عنها ؛ او التخلص من هوية الفشل وارتهاناتها وبناء هوية النجاح تتمثل في وجود مليء ذي معنى يتصف بالتمكن وحسن الحال “[2/319].التوجه العقلاني للتغيير الديمقراطي يبدأ بمحاولة التعريف بالمسألة ثم يحدد الهدف المطلوب الوصول اليه، وتأتي بعد ذلك بحث المشكلات المتضمنة ، ثم يجري جمع المعلومات والمعطيات المتوفرة عن المسألة في مختلف جوانبها ومستوياتها وفرزها من حيث الأهمية ومدى واقعيتها . عند هذا الحد يغدو ممكنا طرح تصورات متعددة بالحلول الأنسب، أخيرا يتم رسم خطوات الحل ومراحل التنفيذ وأدواته وأساليبه، ليس في الغرف المغلقة ، وإنما في ميادين الحراك الجماهيري. وتكون الجماهير المنطلقة من الجمود والحيرة متطلعة للتحرر والانعتاق من العبودية، وقد اكتسبت الوعي بواقعها وسيطرت على محيطها، هي المرجِّح لأي خيار يمضي عبره ركبها المظفر.إشكاليات التحرر الاجتماعي بتحديث الحياة الاجتماعية وقائع معيقة للانطلاق الديمقراطي، يمكن إجمالها على النحو التالي :.أبوية “مستحدثة أو محدثة” دلالة على توفر عامل خارجي حفز التطور داخلي، دفعه الى التحول. فما ان تنطلق عملية التحديث حتى يختل التطور الذاتي الداخلي ويعتل المجتمع؛ البنية الأبوية تعطل نمو برجوازية ناضجة وطبقة عاملة حادة؛ فتستقر هجانة اجتماعية تستعصي على التقدم والتحديث وتلفظ العلم. سلطوية الأبوية منعت تجذر العقلية العلمية في الشخصية العربية، فملأت فراغ المعرفة العلمية بالخرافات وبالسحر والشعوذات بها تفسر الظواهر؛ لا عقلانية تنظم النشاطات الفردية الاجتماعية والسياسية، وترتد العواقب عجزا وقصورا. الدولة ذات النظام الأبوي المحدث كيان مفتت لا يستطيع النماء لأنه لا يتمتع بالمناعة والحيوية والدينامية ، وبغض النظر عن بناها التشريعية والسياسية وأشكالها، ليست سوى سلطنات قديمة محدثة، حدثت وفق أرقى مستويات العلوم والتكنولوجيا أجهزة القمع ومراقبة الجمهور. الابوية تهدر المؤسسات والثروات لإشباع نزواتها؛ و حين يتم هدر المؤسسات والثروات يتم الاستفراد بالإنسان وكيانه من خلال تجريده من كل مرجعيات القوة والمنعة والحقوق. السيد الأبوي يجحد إنسانية القاعدة الاجتماعية المقهورة؛ يفقد التعاطف مع المعذبين في الأرض والإحساس بمعاناتهم وآلامهم، ومخاوفهم وحاجاتهم. حيال هذه الحالة يصبح الكيان الوطني مجرد كيان شكلي هزيل مهدد بالانفجار في أي لحظة يتغير فيها نظام القوى . وإذا هدر الوطن فإن مؤسساته ستهدر بدورها، وكذلك طاقات أبنائه وفرصهم، ما عدا القلة المحظية منهم. مؤسسات الأبوية الاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية تفرز البعوض الثقافي والذباب الإليكتروني، تنشر الأوبئة الاجتماعية، لسعاتها شواحن خدر في طاقات التغيير. اما الفكر المستورد فيُمسَخ حلية ومصدر نفوذ ، إذ تحيله الثقافة الأبوية فكرا لا يخصب.الأنظمة الأبوية تحيل مشاكلها على أفراد المجتمع فتجير عجزها على السلوكيات “المرَضية” لأفراد تضحي بهم بين فينة وأخرى؛ فالقانون جهاز طبقي والعقوبات غايتها تحصين النظام السياسي. وتهب الحركات العصبية الطائفية لتجرم المجتمع بالابتعاد عن الدين، وترهن الخلاص بإقامة الخلافة! مستغلين هشيم خراب الأنظمة الأبوية، يسدرون في أبوية جديدة مقنعة بالدين، و يعوضون معاناة البحث العلمي المفقودة بمزاعم “الإعجاز العلمي في القرآن”. عمليا يعني هذا “أن ننتظر من الآخر الأوروبي -الضال ، المنحرف على مستوى العقيدة والسلوك- لكي ينتج المعرفة، فيساعد بذلك على اكتشاف إعجاز علمي ما بالنصوص الإسلامية” . الخلافة كانت قائمة حين احتلت جحافل المغول عاصمتها بغداد ودمرت معالمها الحضارية الفكرية والمادية. وكانت الخلافة قائمة بقوام “الرجل المريض” حين انهزمت جيوشها وتركت مقاطعاتها العربية نهبا لسايكس بيكو؛ وبزغت خلافة داعش وخليفتها المكنى أبي بكر،ارتد مدحورا مذموما، وعوقب بالإعدام على خيبته. قضي على الرجل عل زواله يطوى بموته ملابسات حركته وأسرار جرائمه السوداء. . مؤسسو حماس بيتوا خطف القضية الفلسطينية من أيدي المنظمة؛ لكن ملابسات الحركة التاريخية في ظل السيطرة الامبريالية – الصهيونية وجهت الأمور نحو شق المقاومة الفلسطينية ، ليغدو الانشقاق عاهة ملازمة تشوه وجه المقاومة الفلسطينية.قارب علم النفس الاجتماعي قضية التحرر الإنساني، من منطلق تصفية ترسبات الهدر وتعافي النفسية الاجتماعية لاكتساب الصحة النفسية. تجارب الماضي الأليمة تبين أن الإطاحة بنظام استبدادي يحل النصف الهين للمشكلة؛ وأصعب منه خوض صراع ضد تراكمات الهدر الدهري، والمتمثلة في” التواطؤ الذاتي مع الهدر الخارجي الذي لا يستتب إلا من خلال اجتياف احكامه (بمعنى ابتلاع احكام الهدر وتمثلها برسم التوازن النفسي) الامتثال لها، وبالتالي إعادة إنتاجها ذاتيا ، وهو الأخطر”[2/319]. “فقط المناعة التي توفرها المستويات العليا من الصحة النفسية هي القادرة على المرونة العالية واللياقة التكيفية، والفاعلية في مواجهة التحديات والشدائد. الكفاءة النفسية تتمثل في صحة الوظائف الحيوية وعملها بكامل طاقتها على مختلف الصعد؛ كما تتمثل الصحة النفسية النمائية في مشروع وجود متنام ومتجاوز لذاته على الدوام على مستوى الوظائف والأداء والانتماء”[2/315].لا بد من تغيير يطيح بالأنظمة الأبوية وبكل ما خلفته من اعطاب روحية وعقلية هي منبع الشذوذ والتخلف عن ركب الحضارة، يستبدل باستشراف الديمقراطية الثورية هدفا استراتيجيا. ذلك هو الهدف الاستراتيجي لا يختلف عليه عاقلان. ولا يختلف أنصار العقلانية في السياسة بصدد دور الحراك الجماهيري في إحداث التغيير، يحطم قيودها ويبدد حيرتها ويطهرها من عقد القهر. جُرِب نظام الوصاية على الجماهير ولا حاجة لإعادة المجرب، وبات مطروحا على جدول الأعمال توليد حراك شعبي يتنامى باضطراد، تشحنه بالطاقة الثورية حركةٌ ثوريةٌ تسترشد بنظرية ثورية . الضرورة تستدعي حزب التغيير مولد لطاقة شحن شعبية – دينامو- يستبدل الثقافة القولية بعناصر ثقافة عملية تنزل من القيادة السياسية الى الجماهير المتحركة بآمالها وطموحاتها، تتوالد بالتدريج مع تصاعد الحراك الشعبي واتساع مداه.في تلك الأثناء يفقد نسغ حياته ذلك التنظير المتخبط والاعتباطي المنتشرين بين فئات المتعلمين، ، حتى أولئك الحاصلون على الدرجات الجامعية ، يضبط القول او يقيّمه في الممارسة العملية ، وتنشأ علاقة تفاعلية
مرة ثانية تحت المجهر -هدر الثقافة …هدر الإنسان كورونا ذكر البشرية بقيمة الوعي العلمي -8
..ونصل المعْلم الثالث للثقافة الأبوية المستحدثة في تبعيتها للامبريالية، لكن في البداية نلقي الضوء على ما تنفر منه الثقافة الأبوية، ثم نقارب ما تهفو اليه من فكر مستورد . ترجمت الدكتورة سحر الهندي من خارج الثقافة الامبريالية كتابا نقض الرواية الصهيونية الامبريالية من أساسها وفضح مفهومي “وطن الآباء” و”أرض الميعاد” زيوفا استشراقية مهدت لتواطؤ الامبريالي الصهيوني مع الأبوية العربية على فلسطين وشعب فلسطين. صدرت ترجمة الكتاب الى العربية ضمن سلسلة ” عالم المعرفة” (عدد249 عام1999)، ولكن ضرب حوله سور النسيان ، أسوة بمؤلف شرابي “البنية الأبوية…”. أنه كتاب”اختلاق إسرائيل القديمة شطب التاريخ الفلسطيني”، يشع عنوانه بأضواء الحقيقة، وضعه عام 1996 الأكاديمي كيث وايتلام، عرض الكتاب منجزات الأبحاث الأثرية في فلسطين، نفت مزاعم قيام دولة يهودية بفلسطين في العصور القديمة. فعلى إثر اكتشافات الباحثة الأثرية كاثلين مينون في أريحا-حيث بينت بطلان الرواية التوراتية حول احتلال أريحا وإبادة سكانها وحرقها، والتي بني عليها بن غوريون حق تهجير الفلسطينيين ” بالإكراه الوحشي”، أي بالمجازر ، شرع آثاريون ملتزمون بالعلم ويعتكفون في محرابه، التنقيب عن الآثار بطريقة علمية. قدم كيث وايتلام عام 1996 عرضا لمنجزات الآثاريين في كتابه ، قيم عاليا إنجاز البروفيسور الفرنسي توماس تومسون أول من قدم رؤية متكاملة استحوذت على انتباه علماء الآثار؛ تميز بقدر من الشجاعة، فقد نتيجتها وظيفته الأكاديمية. نشر كتابه “التاريخ المبكر لشعب إسرائيل من المصادر الآركيولوجية المدونة) عام 1992 وفيه كشف تواطؤ علماء الآثار التوراتيين على التزييف. ظهر توماس تومسون في ميدان الآثار ليفسد الزفة المقامة بمناسبة توحيد القدس. عارض التوراتيين التقليديين، وأورد في كتابه ” إن مجموع التاريخ الغربي لإسرائيل والإسرائيليين يستند إلى قصص من العهد القديم تقوم على الخيال” . فُصِل هذا العالم المتميز من منصبه كأستاذ علم الآثار في جامعة ماركويث في ميلووكي. ولم يستطع نائب رئيس الجامعة إلا أن يشيد بالمكانة العلمية للبروفيسور، إذ برر قرار طرده، بأن “الجامعة تحصل على المساعدات المالية من الكنيسة الكاثوليكية”، و قال إنه ” من أبرز علماء الآثار وفي طليعة المختصين بالتاريخ القديم لمنطقة الشرق الأوسط” .كما أقر جوناثان تاب ، وهو يعد بين أعظم علماء تاريخ المنطقة العربية القديم في المتحف البريطاني ان “ثومسون دقيق جدا في بحثه العلمي الكبير وشجاع في التعبير عما كان كثير منا يفكر فيه حدسا منذ زمن طويل ، وكانوا قد فضلوا كتمانه”. البروفيسور كيث وايتلام، أستاذ الدراسات الدينية في جامعة “ستيرلينغ” في سكوتلاندا، كشف تلفيق تاريخ قديم مزعوم لإسرائيل، وسجل على الثقافة الأبوية المستحدثة التقصير في الاستفادة من بحوث ريادية ، مثل استشراق إدوارد سعيد والاهتمام بالتاريخ الفلسطيني القديم. فضح كيث وايتلام بجرأة كل زيوف الآثاريين التلموديين، مساعرضا تلك البحوث التي تمردت على حكايات التوراة منذ سبعينات القرن الماضي، وكشفت اختلالات التاريخ الفلسطيني وارتباكاتها، ليخلص الى أن ” من الواضح أن رؤيتنا للماضي هي شيء سياسي بالدرجة الأولى [ وايتلام : 36]. ادان وايتلام مرارا الزيوف المتعمدة المغرضة ، خدمة لأهداف كولنيالية . وبناء على تزييف التاريخ القديم جاء إعلان قيام دولة إسرائيل بصيغة “إعادة بناء الدولة اليهودية”. ترجع أصول علم الآثار الحديثة إلى فترة تدخل نابليون في مصر، وتواصلت مؤامرات دولية؛ من خلالها سخرت القوى الامبريالية “التاريخ التوراتي والكشف عن الكنوز الأثرية في المنطقة لمصالحها في صراعاتها للهيمنة وإضفاء الشرعية على طموحاتها الاستعمارية. استملاك الماضي هو جزء من سياسة الحاضر. ويمكن تطبيق هذا المبدأ على جميع دول المعمورة[ وايتلام : 39]. تجسيد الحكايات التوراتية تم على شكل تخمينات من نموذج ما طلع به أحد المؤرخين التوراتيين، ” لا يمكن للمرء إلا أن يعتقد أن قوما آخرين( غير الكنعانيين) هم الذين أقاموها ، قوما كان من المؤكد أنهم إسرائيليون ” [وايتلام : 163]. عمليا تماهى تصور إسرائيل القديمة مع الوقائع العيانية على ارض فلسطين في العقد الثالث من القرن الفائت ، حيث المجتمع الفلسطيني المكون من عشائر، لم يتوحد بعد في كيان متماسك فتصورت التخيلات التوراتية القبائل الكنعانية على هذه الشاكلة. وحيث أن المستوطنين القادمين من مجتمعات متقدمة وجدوا أنفسهم متفوقين على الفلاحين العرب آنذاك ، فلا بد للمتخيَل التوراتي إلا أن يضع الكنعانيين في موقع دوني. مضى اولبرايت، الآثاري التوراتي من المدرسة الآركيولوجية الأميركية شوطا بعيدا في مفارقة العقلانية والتفكير السليم؛ فقرر بناءً على قناعة لاهوتية بدون سند أثري، أن”المجتمع الغربي يعود إلى جذوره. ليس ذلك مصادفة عشوائية؛ لأن التاريخ يقع في مضمار الوحي الإلهي. التاريخ برمته ملك لعلم اللاهوت، وليس التاريخ الإسرائيلي فقط”. [ وايتلام : 126]. لتبرير جرائم إسرائيل المخطط لها زعم اولبرايت ان إسرائيل (القديمة المزعومة) كانت الواسطة الإلهية في تدمير حضارة فاسقة، إذ أنه ضمن النظام الأخلاقي للحضارات السماوية يجب تدمير مثل هذا الفجور الفظيع. ومن ناحية أخرى فإن هناك عناية إلهية من وراء اختيار إسرائيل للقيام بهذه المهمة وبإعطائها تلك الأرض. [ وايتلام : 139]. يمعن في تبرير العنف المعد لطرد الشعب الفلسطيني من دياره : لا يمكننا الارتقاء روحيا إلا من خلال الكوارث والمعاناة ، بعد التخلص من العقد النفسية ، وذلك عن طريق التطهر. وهذا التنفيس والتطهر العميق هما اللذان يرافقان التحولات الرئيسة. كل فترات المعاناة الذهنية والمادية هذه ، والتي يتم فيها إعادة القضاء على القديم قبل ولادة الجديد تثمر نماذج اجتماعية مختلفة عقيدة روحانية أعمق [ وايتلام : 131]. وتأييدا لمزاعمه، تباهى بماثرة إبادة السكان الأصليين في أميركا. ربط وايتلام طروحات أولبرايت بوثاق الفكر الاستشراقي السائد حينئذ: ” لا يمكن اعتبار هذه الأفكار نتيجة لأفكار شخص ما في فترة زمنية معينة . دراسته وكتاباته شكلت ولا تزال تشكل إدراك أجيال من دارسي التوراة والباحثين في هذا المجال ، خاصة الأميركيين والبريطانيين منهم”. ونفس الوثاق رصدها البروفيسور شلومو ساند، أستاذ التاريخ القديم بجامعة تل أبيب، “مركزية الخرافة التاريخية التوراتية كامنة في الهندسة الإيديولوجية الصهيونية، وفي اللاهوت المتمسك بصنمية النصوص، وكذلك في اعتبارات الاستراتيجية الامبريالية، وفي التعبئة الإيديولوجية المكثفة لأجيال من المسيحيين المخدوعين بسياسات الامبريالية والمتحمسين لحروبها العدوانية”. لدى استعراض كم كبير من معطيات قدمها من سبقوه أو جايلوه ، أكد وايتلام ” إذا تمكنا من تغيير المنظور الذي تنبع منه التصورات لنبين أن خطاب الدراسات التوراتية قد اختلق تاريخا كثيرا ما يعكس حاضرها في كثير من جوانبه ، عندئذ فقط يمكن أن نحرر التاريخ الفلسطيني[وايتلام : 321]. لم تدخل معطيات كتاب وايتلام، ومن ثم إنجازات التنقيب الأثري في فلسطين الثقافة الأبوية، ولم تفطن لها قوى التغيير؛ فبقيت مجهولة حتى الزمن الراهن. ظهر الكتاب عام 1996، وهو نفس العام الذي تلقى فيه نتنياهو تقرير المحافظين الجدد المتضمن توصية بعدم الانسحاب من الضفة الغربية. مضى مخطط المحافظين الجدد في التنفيذ العملي حتى بات واقعا على الأرض، مستعمرات يهودية تحاصر التجمعات العربية، بينما
تحت مجهر العلم هدر الإنسان ..هدر الثقافة كورونا ذكر بأهمية الوعي العلمي -7
بؤس الواقع العربي من جميع جوانبه، المتجسد في أعطاب التخلف وفشل محاولات التغيير وانتكاسات الحركات الوطنية وأزمة المقاومة الفلسطينية، كل ذلك وغيره من العلل الاجتماعية حصيلة النظام الأبوي المستحدث.المجتمعات العربية كافة موبوءة باللاعقلانية وكسيحة بالعجز. يدعي البعض ان كل شيء في الوطن العربي معطوب ولم يتبق سوى الثقافة متراس أخير. والحقيقة ” ان مأزق البرجوزايات العربية أنها تبنت ثقافة هجينة قامت على الاحتفاظ بتبعيتها للامبريالية الثقافية من جهة، والكثير من سمات الثقافة التقليدية السلفية السابقة على الرأسمالية من جهة ثانية، واستيراد بعض مظاهر العلوم والتكنولوجيا من الغرب الرأسمالي واستيرادا تبعيا دون محاولة نقدية إبداعية من جهة ثالثة”[1/.74] . ولمكافحةهذه الثقافة من الملح نشر ثقافة التحرر الإنساني، تتغذى بثمار بحث العقل في الواقع الاجتماعي، وتستأصل الأبوية وثقافتها.ثقافة تحرر الوعي الاجتماعي من الشعوذة والخرافة والجهل بالوقع المُعاش. يختصر مفهوم الثقافة بانها “ما نعيش به وما نعيش من أجله”، توصيف مختصر لكن مدلوله واسع سعة المحيط بلا ضفاف.إنكار هيمنة الثقافة المتخلفة او التستر عليها يديمها في الحياة الاجتماعية لصالح السيطرة الامبريالية الصهيونية. فهذا التحالف يزعم ان التخلف العربي سمة عرقية ويسقط من اعتباره الجوهر الاجتماعي التاريخي للظواهر الاجتماعية. الثقافة المتخلفة تحتضن التفكير المتخلف. هناك خاصيتان منهجيتان للتفكير المتخلف : اضطراب منهجية التفكير، باختصار مراحله في محاولات حل المعضلات او تنفيذ المهمات سعيا وراء النجاح السريع والسهل؛ ثم قصور الفكر الجدلي ” يخلق حالة من التصلب الذهني تجعل الإنسان المتخلف يفتقر الى المرونة، والى القدرة على بحث الأمور من جوانب متعددة ومنظورات ومستويات شمولية. كما أنها تعطل القدرة على استخدام وسائل مختلفة في حل تناقضات مختلفة ، فتظل أسيرة الجمود في النظرة والمواقف والحلول المطروحة [2/69) . وحيث تكره الطبيعة الفراغ يظل الطابع السائد في المجتمع المتخلف لمواجهة الأمور هو طابع تدبير الحال، والانفعالية والفهلوة واختصار المراحل. “من السمات البارزة للعقلية المتخلفة أيضا انعدام الدقة والضبط في التصدي للواقع وفي تقدير الأمور والاستهتار”[2/64].الواقع العربي المأزوم يفشي سر ثقافة مأزومة، هي الثقافة الأبوية المستحدثة، او ما يعرف بالثقافة القومية، قوامها الزيف. أبرز مظاهر الزيف في الثقافة القومية امتهانها لقضية الوحدة العربية، أو على الأقل لإقامة تضامن حقيقي بين أطرافه؛ الثقافة القومية تحصر الانتماء للقطر ،” يتوجب النظر الى الأبوية والامبريالية على أنهما موضوعيا حليفان متآزران يعيقان تقدم أي تغيير اجتماعي وسياسي طبيعي . الوحدة والاشتراكية عدوان لدودان للأبوية والامبريالية. أثر التشويه الذي أحدثته الامبريالية كان أكثر وضوحا في المجال الثقافي ، من الوجهة الاجتماعية – السياسية كان لاستعمار الوعي ( وكذلك اللاوعي) نفوذ أوسع من الاحتلال العسكري والهيمنة السياسية في دفع عملية تطور بنية الابوية المستحدثة. الثقافة الأبوية المحدثة فقدت توازنها وانسجامها ، واتصفت بالتملق في العلم والدين والسياسة؛ إضافة الى عجزها السياسي وتلكؤها الثقافي وابتعادها عن الحداثة الأصيلة ، أي فقدانها تحرير الذات”[1/35]. دعوة الوحدة القومية ومراعاة البعد القومي في الطروحات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية هي من مبادئ الثقافة الوطنية المتشكلة في الكفاح ضد الاستعمار المباشر. حققت الأبوية نصرا حاسما على القومية العلمانية . لم يؤدي الاستقلال الى وحدة قومية بل الى كيانات أبوية مستحدثة هزيلة لا تملك واحدتها مؤهلات البقاء والتطور، لم تصمد الأبوية فحسب في خمسينات وستينات القرن الماضي ، بل نجحت في إرساء نفسها عراب النظام القطري ومباركة سادته.المعْلَم الأبرز في ثقافة الامبريالية هو عنصريتها ، تنظر الى التخلف العربي(وجميع الشعوب الملونة) سمة عرقية متغلغلة في الجينات، وهي التي دعمته وامدته بنسغ البقاء، باعتبار عناصره عوامل ذاتية استقرت في الوعي الاجتماعي بتأثير القهر السلطوي، جعلته يستكين للقهر الأجنبي. مثلا، الأبوية مشتقة من سيطرة الأب في الخلية الاجتماعية الصغرى، وهي الأسرة. هو الحاكم بأمره وهو الوحيد المقدر العارف مصلحة الأبناء. والكثير من العقد النفسية لدى الكبار تعتبر ألغازا مجهولة الأسباب ، منشأها تعسف الأب. قارب هشام شرابي في مؤلفه “مقدمات لدراسة المجتمع العربي” ،الصادر عام 1973، من منطلق نفسي فلسفي عددا من خطايا تربية الطفل في البيت وفي المدرسة تنمي فيالأجيال الخصال السلبية. والحقيقة ان معظم الكتاب مكرس للتحذير من اضطهاد الطفولة والباقي يوضح مآخذ اضطهاد المرأة، ويشترط التحرر الاجتماعي بتحرير الطفل وتحرير المرأة . العقاب الجسدي والاستهزاء والتخجيل أساليب دارجة مع الأطفال.. حيث يعتقد الوالدان والمدرسين أنها لمصلحة الطفل. وهي أساليب ووسائل في التعامل مع الطفل تربي لديه الاتكالية والعجز والتهرب.يغلب ان يحبذ الوالدان الطفل المطيع “العاقل”، فينمو الطفل وتنمو معه عادة الإذعان للسلطة أو لمن هم اعلى مقاما ونفوذا؛ وأسوأ ما يواجهه الطفل هو الصفع على الوجه ، فذلك علاوة على الألم تعويد على الإذلال؛ يتربى الطفل على التكتم وازدواجية السلوك، فالعيب هو ما يراه الناس، بمعنى أن لا عيب في ما لا يراه الناس؛ والاستهزاء بالطفل دون دفاع عن نفسه يزرع في نفسه عدم المسئولية عن الأفعال. والتلقين كأسلوب تعليمي يعزز نزعة الامتثال وتضعف طاقة الإبداع والتجديد؛ كما أن حب المعاشرة ومسايرة الناس “تأدبا” قد تولد لدى الطفل التهرب من المجابهة والنقد وتنمي عادة النميمة، وقد تتطور الأمور الى عراك؛ والعبارة الدارجة في لغة المحادثة ‘انا ما بخصني , او “انا ما دخلني’ تختصر في الواقع موقف التهرب من المسئولية. تجد الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة بالنقد والتهجم الكلاميين، بينما الالتزام بالمجتمع هو في حده الأدنى؛ في نظر الباحث “التعليم الأولي ، أي الابتدائي يترك أعظم من التعليم الثانوي واللاحق على مستقبل الطفل؛ بينما معظم الآباء لا يهتمون بتعليم الابن إلا في المرحلة الجامعيةتلك القيم السلبية تنغرس في الطفل نتيجة لمعاملة الأم؛ فالأب لا يعني نفسه بشئون بيته الداخلية، ولا يتصرف إلا لإنوال العقوية بالطفل أو لإكراهه على ما لا يريد. وكثير من الأطفال تبدو في الصغر عليهم امارات الذكاء ينطفئون نتيجة التعرض للإكراه او العنف. والأم تتصرف مع الأبناء انطلاقا من القهر الممارس ضدها ؛ ولذلك يخلص شرابي الى أن تحرير المرأة شرط أساس لتحرير المجتمع.يجمل الباحث الاجتماعي النتيجة العامة للتربية في العالم العربي: ان “المجتمع يقضي أن تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام وروح المكر محل روح الشجاعة وروح التراجع محل روح المبادرة,”وفي تحليل أجراه عالم النفس اللبناني ، علي زيعور، توصل الى ان العائلة الأبوية في المجتمع العربي شديدة الوطأة والوسائل التربوية لا تعد الطفل لأن يناقش ويقارع، بقدر ما تنمي فيه الالتواء والازدواجية والاعتماد على الكبير. الأب أداة قمع أساسية قوته ونفوذه يقومان على العقاب. الحالة الأبوية هي في الحقيقة ناحية بنيوية في المجتمع القائم.أما جان بياجيه ، عالم نفس سويسري فيسمي الانصياع القائم على الاحترام الذي يجمع بين العاطفة والخوف احتراما أحاديا، إذ أنه “علاقة بين قاصر وولي امره؛ اما الاحترام المتبادل فيولد في الطفل أخلاقية حرية ومساواة وعدالة. الاحترام المتبادل يغلّب العدالة على الطاعة (سن ثماني سنوات) باعتبار العدالة قاعدة سلوك اجتماعية.الاستقلال الذاتي
مفارقة المنهجية العلمية مكمن عجز المقاومة الفلسطينية كورونا ذكّر بأهمية الوعي العلمي -6
تشارف إسرائيل إنجاز مشروعها في فلسطين؛ بلغ توسعها الاستيطاني وتهويد القدس وضم المناطق حدا باتت التجمعات المدنية الفلسطينية حياله جزرا متناثرة ومحاصرة بالمستوطنات، لا قبل لها بالتطور وتلبية حاجات سكانها العرب. وأصدق رمز يختزل به الاحتلال الإسرائيلي في مرحلته الراهنة المياه العادمة لمجمع مستوطنات كفرعصيون تفيض على كروم العنب الخاصة ببلدة بيت امر، شمالي الخليل، شلت الأشجار وماتت واقفة.يعلن قادة إسرائيل بلا مواربة إصرارهم على منع قيام دولة غربي نهر الأردن بجانب دولتهم، وعدم الإقرار بحق للفلسطينيين في وطنهم التاريخي؛ وتتردد على نطاق واسع دعوات التهجير حلا استراتيجيا للصراع حول فلسطين. في هذه الأثناء تستجير القيادة الفلسطينية بالمجتمع الدولي، وما من مجير؛ بينما تقوم الأنظمة الأبوية العربية بواجب الاستنكار لتواصل حياتها الرتيبة . تحظى سياسات إسرائيل ونظام الأبارتهايد، بدعم غير متحفظ من قبل الولايات المتحدة التي تضع كامل ثقلها بجانب إسرائيل ، وتمارس الضغوط على الدول العربية كي تطبع مع إسرائيل ، وهي في أوج عدوانيتها ضد الشعب الفلسطيني. نقل السفارة الأميركية الى القدس وصفقة القرن، ثم تأييد ضم الجولان لدولة إسرائيل وكذلك تأييد العدوان الإسرائيلي المتكرر على سوريا دلائل دعم توسيع النفوذ الإسرائيلي بالمنطقة ضمن الهيمنة الأميركية. مشروع إسرائيل الكبرى، التوسعية على حساب دول عربية مجاورة مكون عضوي في مخطط الولايات المتحدة الأميركية محوره برنامج القرن الأميركي، الذي وضعه المحافظون الجددلم تخف الامبرياللية ولا الحركة الصهيونية يوما تشابكهما في ائتلاف؛ لكنها النظم الأبوية العربية دست رؤوسها بالرمال مداراة لعجزها الناجم عن لاعقلانيتها. في إطار دورها الوظيفي إسرائيل إما أن تُدخِل مجتمعات عربية بيت الطاعة لتدور في فلكها، أو تؤجج الفتن الطائفية والعرقية سعيا لإبقاء الدول الأخرى مستنزفة مواردها ومشغولة بهمومها عاجزة عن التنمية وتطبيق قواعد الديمقراطية؛ ومثال لبنان صارخ في الحالتين. في هذه الأُثناء تستفرد إسرائيل بشعب فلسطين. يتوجب الإقرار بأن إسرائيل نجحت بامتياز حتى وقت قريب في أداء دورها الوظيفي. والامبريالية الأميركية لا تخفي إعجابها بخدمات إسرائيل وتغدق عليها المساعدات المالية وتمدها بما لا تزود به حلفاءها في الأطلسي من المعدات الحربية المتطورة؛ ولا تتوانى في الدفاع بشراسة عن جرائمها في مجلس الأمن ومختلف المحافل الدولية.هذا التلاحم العضوي بين إسرائيل والولايات المتحدة تتجاهله القيادة الفلسطينية، التي استمرت حتى وقت قريب تعول على وساطة أميركية تنتزع لها الحقوق الوطنية. فالرئيس ترمب، حين أمر بنقل السفارة الأميركية الى القدس، وعين صهاينة متعصبين لتقرير وتنفيذ سياسته بالمنطقة، إنما أزاح قناع التمويه عن السياسات الأميركية تجاه الصراع على فلسطين. السياسة الأميركية “خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية زعزعت أسس السلام في الشرق الأوسط بدل تسهيله او العمل على إقراره”؛ هذا ما توصل إليه المؤرخ رشيد الخالدي بعد الاطلاع على وثائق كانت مقيدة وأفرج عنها بتقادم الزمن، الى جانب معطيات جمعها طلبة الدراسات العليا التي أشرف عليها وأوردها في مؤلفه ” عرابو الخداع: كيف قوضت الولايات المتحدة فرص السلام في الشرق الأوسط”.الصهيونية وضعت لها استراتيجية وراحت تنفذها بتخطيط وتنظيم علميين على مراحل متدرجة تقربها باضطراد من الهدف الاستراتيجي؛ بينما المقاومة الفلسطينية تخبطت وبدلت الأهداف والخطط ضمن حركات اعتباطية وردود أفعال عفوية انفعالية، وشغلتها التناقضات البينية عن التناقض الرئيس والجوهري؛ فتورطت في مواجهات غير متكافئة وخاسرة بالنتيجة.أنجز بن غوريون التطهير العرقي في الجزء الأكبر من فلسطين، ووضع هدف تحويل فلسطين بكاملها دولة يهودية قضية واجبة التنفيذ. استطاع تمويه مشروعه ، متوجسا من أن تنقض الأنظمة الأبوية على مشروعه؛ وانتقد مرارا جابوتينسكي وهو يُفصح في عشرينات القرن الماضي عن الهدف الصهيوني، و إرغام الفلسطينيين بالأمر الواقع على قبول دولته الإقتلاعية الإحلالية . في أواخر عقد الثلاثينات طفق بن غوريون يخطط ويعد، ثم شرع العمليات الإرهابية بتعاون تام بين منظمته العسكرية-هاغاناه- ومنظمتي شتيرن والإرغون . أتقن الصهاينة تكتيك الوحدة كضرورة رغم الاختلافات وتجاوزت المنظمات الصهيونية التناحرات البينية السابقة. دشنت الميليشيات الصهيونية إرهابها بتفجير سوق في حيفا علم 1938 ذهب ضحيته العشرات من الفلسطينيين، بقصد الاستفزاز وإثارة الصراعات المسلحة. طالت عمليات الاغتيال منذ الدورة الأولى للإرهاب الصهيوني عام 1938، العرب الى جانب جنود الجيش والبوليس البريطاني واليهود غير المؤازرين. دوّن بن غوريون في مذكراته عام 1941 ، ” من الصعب تصور عملية ترحيل تامة بدون إكراه ، وإكراه وحشي من أجل ذلك”.كان التوحش الصهيوني ضرورة محتمة لإنجاز مشروع الدولة الصهيونية. لم يراع بن غوريون قرار التقسيم، وضع بالتعاون مع لجنة مصغرة من أعوانه المقربين، خطة دالت لتنفيذ الترحيل بالإكراه المتوحش. وفي إحدى جلسات اللجنة أعطي فايتس ، وكان يشغل منصب مدير الصندوق القومي اليهودي( الكيرن كاييميت) ، إذنا ” بإنشاء زمرة تابعة له تحت الاسم ‘ لجنة الترانسفير’ ؛ واتي الى الاجتماع التالي وبيده خطة تنفيذ الترانسفير”[1/73]. في 18ديسمبر /كانون اول 1947، ولما يمض شهر على قرار التقسيم، ولم تتخذ إجراءات من جانب العرب، “هاجم إرهابيو البالماخ بقيادة ييغئال آلون، ، قرية “كانت من أجمل قرى فلسطين ، وهي قرية الخصاص التي يقطنها سكان مسيحيون ومسلمون، وتقع على هضبة تشرف على بحيرة الحولة. بدأ الهجوم الساعة التاسعة مساء، عندما قاد أفراد من الهاغاناة شاحنتهم عبر القرية ونسفوا المنازل على رؤوس النيام ‘حيث دفن الضحايا تحت الركام ، ولم تكتشف جثثهم إلا بعد بحث أجرته الشرطة’، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في اليوم التالي”[2/ 279]. جرت مجزرة د ير ياسين والجيش البريطاني موجود بكثافة في فلسطين. في مظاهرة استعراضية تفاخر ميناحيم بيغن ، الذي قاد العملية، إنها “حسمت الصراع”. “كان من بين الشهود الأوائل على المجزرة جاك دي رينيير، رئيس الوفد الدولي للصليب الأحمر، فسجل مشاهداته: ‘كانوا شبابا بل معظمهم في مرحلة المراهقة، ذكورا وإناثا ، مدججين بالسلاح ، وكان بعضهم ما يزال ملطخا بالدماء’… أصر رينيير على دخول بعض البيوت..‘نظرْتُ في كل اتجاه وقلبتُ الأجساد، فوجدت في آخر المطاف قدما صغيرة ما تزال حية .. المنظر نفسه يتكرر في كل مكان…المجزرة نفذت بدم بارد، ذلك ان هذه العصابة، كما لاحظتُ بنفسي، شديدة الانتظام ، ولا تعمل الا وفق ما تتلقاه من أوامر’. بعد أيام ثلاثة على الحادث ضمت الهاغانا عصابة إرغون تحت جناحها، وينسب للحاخام الأكبر، هيرتسوغ، فضل ترتيب التزاوج” [2/294] . نبهت تقارير المخابرات البريطانية والأميركية ان الصهاينة يضمرون عدم الالتزام بقرار التقسيم، وحيثما تصل ميليشياتهم ستكون حدود دولتهم، وهي حدود مؤقتة؛ فهي الوجبة الأولى .اما الأنظمة الأبوية فقد أثمرتدخلها في الصراع عام 1948 بتعطيل إقامة الدولة الفلسطينية. وأول شاغل للقوات العسكرية المتدخلة لإنقاذ فلسطين كان وقف المقاومة الفلسطينية ومطاردة عناصر عصبة التحرر الوطني الفلسطينية.لم يدر بخلد الحركة القومية الفلسطينية، ممثلة في الهيئة العربية العليا، ان تقيّم القوة العسكرية والاقتصادية التي راكمها الاستيطان اليهودي، وأغفلت العلاقة العضوية للصهيونية مع الامبريالية؛ فكان اشتباكها معها في صراع مسلح مغامرة ومقامرة. تسلحت بالتصريحات الطنانة تصب الماء في طاحونة بن
كوارث وانتكاسات حصاد تغييب الوعي العلمي كورونا ذكر البشرية بأهمية الوعي العلمي -5
يرى جمهرة الفقهاء المستنيرين أن كل ما ورد بالقرآن الكريم من أوامر ونواه تعتبر فرائض يتوجب مراعاتها والعمل بمقتضياتها. غير أن بني أمية ارتأوا ان جانب المعاملات بالشريعة يزعزع حكمهم، ولذلك امروا فقهاءهم بتغييبها والتركيز على بند العبادات وفرائضها الخمسة. شطب من فرائض الدين قيم اجتماعية إنسانية أساس هي من مقاصد الشريعة، تحض على التسامح وتنهي عن التعصب المقيت، ومن هذه القيم:العدالة الاجتماعية والعدالة الربانية فالإنسان مؤهل بالعقل ، ومحاسب على أفعالهأشاع معاوية الجبرية( لو أراد الله غير هذا- سطوته على الحكم- لفعل!)؛المجادلة بالتي هي أحسن؛الدعوة الى التعارف بين الشعوب،عدم الإكراه في الدين وإقرار التعددية ( ولو شاء ربك آمن من في الأرض جميعا)الاعتراف بالديانات السماوية المغايرة وتقدير أنبيائها والسماح لمعتنقيها بالاستمرار في عقائدهم وشعائرهم.غيبت قيم التسامح حقبة طويلة من التاريخ العربي –الإسلامي، ليسود التعصب وربيبته الطائفية في الثقافة لعربية –الإسلامية؛ ذلك أن جميع الأنظمة التي تعاقبت على المجتمعات الإسلامية خضعت للنظم الأبوية بشتى تلاوين التعسف والظلم وقمع الرأي الآخرواختضان العصبيات. تفرع عن التعصب السياسي تعصب في الفكر وتعصب ديني وتعصب اجتماعي حيث سادت علاقات ثابتة للإكراه والجبر داخل البنية الأبوية الهرمية ، ثم التعصب الثقافي تعمم الجمود والإقصاء المفضي الى العداوات والفتن. جمح التعصب وأفضى الى الطائفية. نشأت في العصر الحديث شريحة أمراء الطوائف ممن اغتصبوا لأنفسهم امتيازات باسم الطائفة أو بزعم تمثيلها، أو التنظير لكيانيتها تحت أسماء مختلفة، سواءً كانت أقاليم أو فيدراليات أو كانتونات لا فرق في ذلك؛ فأمراء الطوائف باستطاعتهم إيجاد ما شاءوا من الذرائع والمبررات لإدامة هيمنتهم.على نهج التعصب الذميم، المجافي للعقلانية والرشاد مضت الممارسات في مجالات السياسة عبر تتالي القرون .”لم يواز الاستبداد السياسي للحكام الذين تعاقبوا في القرون المتأخرة من الحضارة العربية الإسلامية سوى التعصب الفكري الديني الذي لم يتوقف ، وأدى الى خنق روح الإبداع والتفكير الخلاق في الحضارة التي انتهى ازدهارها الى انحدار كامل في الأزمنة التي أطلق عليها ‘عصور الانحطاط’.[4/195] تواصلت مسيرة سلفية العصر الوسيط سيرورة انحطاط حتى نهاية القرن الثامن عشر؛ “وحتى القرن التاسع عشر كان الوطن العربي مؤلفا من تجمعات مدن متناثرة ومنعزلة وأحيانا مندثرة وقرى متخلفة وفلاحة فقيرة وبدو غزاة. ما زال وعي هذه الطبقة ( مركبة جديدة غير واضحة المعالم) تستقطبها بصورة متزايدة نخبة سلطوية متزايدة ، ما زال وعيها أبويا لا يتحكم في في مقولة الطبقة او الأمة ، بل الإيمان المتوارث والقيم التقليدية بما تنطوي عليه من طاعة وخضوع من جهة، ورفض وكفاح من جهة اخرى”.. وجاء المستشرقون ” وفسروا حالة الركود والتخلف في العالمين العربي والإسلامي بردها الى ‘العقيدة’” [3/43]، ولم يبحثوا الموضوع بكونه ظاهرة اجتماعية تاريخية.مع شيوع الاستهلاكية ورديفها الفساد الإداري في الأبوية المستحدثة تحولت شرائح الحكم الى برجوازية بيروقراطية، ثبت أنها أكثر فئات الحكم عداء للديمقراطية والتسامح. ومن ثم “اتجه المجتمع الجديد أكثر فأكثر نحو الاستهلاك بدل الاشتراكية، وانجذب الى المادية الغربية والرأسمالية الاستهلاكية أكثر من انجذابه الى الاشتراكية السوفييتية او اشتراكية العالم الثالث ، واتبعت القمع السياسي… في سياق الولاء والخضوع لا يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي، خضوع الأفراد يتم لأصحاب الجاه والنفوذ؛ فالقانون ليس في خدمة المجتمع ، بل انه حسب تصرف النظام الاجتماعي / السياسي القائم، والعقاب هدفه استعادة حرمة العلاقات الاجتماعية وحمايتها. بدل المعارضة يغدو التآمر والتمرد وسيلة متبعة.[1/65].في النصف الثاني من القرن العشرين أخذت الجماهير العريضة تكتسب الوعي السياسي وتندمج في الحياة السياسية متأثرة بالنكبة الفلسطينية وخذلان الأنظمة الأبوية للشعب الفلسطيني. ساهم أيضا في ارتفاع الوعي الشعبي العام اتساع التعليم والخدمة العسكرية وثورة المواصلات والاتصالات. غير ان الأنظمة الأبوية لم تتتوقف عنند حجب الديمقراطية أو الحرمان من الحقوق؛ بل فرضت علاقة مختلفة تقوم على “اختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى ‘الرعية’، التي تعني لغويا القطيع من الأكباش والأغنام.[2 /29] ارتدّت الى “أشكال تشبه السلطنات القديمة، تقوم على سلطة فرد بلا كابح. غدت الأنظمة الاستبدادية قلاعا حصينة بفضل ما توفر لها من وسائل الهيمنة ، خاصة نظم الاتصال الجماهيري”[1/ 158]. في هذا السياق أحدثت الليبرالية الجديدة وعولمتها ردة في العالم عن الديمقراطية الليبرالية، شجعت البلدان النامية، ومنها البلدان العربية على التشبث بنظم الاستبداد. المجتمع الأميركي شهد خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين انحسار الديمقراطية، وما زال يضيَق عليها الحصار. اندمج الرأسمال المالي بالسلطة السياسة، وهيمن بواسطة المال السياسي على الهيئات التمثيلية. تراجع التعليم ، خاصة التعليم الجامعي، من حيث المضمون، الى وضعية تماثل العالم الثالث. مهدي عامل، المناضل الشيوعي الراحل، ” ميز بين الهيمنة والسيطرة الطبقيتين: الحزب البرجوازي أداة الهيمنة الطبقية ، في الوقت الذي يعتبر فيه جهاز الدولة أداة السيطرة الطبقية. سلطة الدولة في خدمة الفئة او الطبقة المهيمنة التي تملكها؛ أما جهاز الدولة فأداة سياسية في خدمة الطبقة المسيطرة او التحالف الطبقي المسيطر.الأحزاب البرجوازية الممثلة للفئات الطبقية تمارس الديمقراطية بصفتها أداة هيمنة طبقية مرتبطة في جوهرها بالجهاز الذي يؤمن للطبقة المسيطرة سيطرتها الطبقية، اعني جهاز الدولة. اما إذا تأزم الوضع بإخفاق الفئة المهيمنة( وهذا ما يجري الآن) في فرض هيمنتها على الفئات الأخرى في داخل الطبقة المسيطرة بما يحقق هذه السيطرة، فإن جهاز الدولة المنوط به الحفاظ على هذه السيطرة يتدخل بصورة مباشرة، ويتراجع دور الأحزاب لصالحه، فيعمل على تعليق الديمقراطية الليبرالية لصالح فرض هيمنة الفئة المهيمنة بالقوة والقمع الفاشي المباشر ، بما يضمن تجديد سيطرة الطبقة البرجوازية بوصفها كلا[5/151].حيال الرثاثة الأبوية كان لابد من ان تنتهي جميع المبادرات السياسية التي أقدمت عليها سلطات الحكم او انجرت اليها، بحكم عفويتها وانفعاليتها، الى الفشل والعجز عن إنجاز المقاصد، رغم ادعاء بعضها بالثورية، وما هي بثورية. لم يبلغ وعيها إدراك أن الثورة تتجلى في إحداث تغيير جذري بالوعي الاجتماعي يحيله وعيا علميا منقّى من آثار هدر القرون، وقائما على إدراك قوانين تطور المجتمع وتحرير العقل من الخرافات والأوهام ومن المزاجية؛ هذا، الى جانب تحرير الإرادة. جميع الأنظمة جانبت العقلانية واتبعت الشعوذات في إدارتها للحياة الاجتماعية. الأنظمة الأبوية المستحدثة حكمت مباشرة وبالقهر والإكراه. “كانت هزيمة حزيران الكارثية نتيجة من نتائج غياب الديمقراطية . ولم يكن من قبيل الصدفة انه بعد سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة من كارثة 1967، أقام السادات تحالفا مع الإخوان وحلفائهم الذين أصبح يطلق عليهم اسم ‘تيار الإسلام السياسي’، ويبدأ زمن جديد يجمع ما بين الاستبداد السياسي والاتّباع الديني… وازداد الأمر صعوبة خصوصا بعد ان ازداد التيار الاتباعي التقليدي عنفا وتحول عدد من شباب الإخوان الى العنف، واستبدلوا بصفة الدعاة القديمة صفة القضاة التي كانت تعني تكفير المخالفين”[4/6،7] .التيار الديني “أرجع سر التخلف والانحطاط الى البعد عن الإسلام…وأخفق الخطاب الديني إخفاقا مذهلا في إنتاج وعي علمي بالدين وبالتراث… وجدت السلفية في خطاب النهضة ذاته ‘إسلامها’ القديم ، كما هو لم يمس”[3/25]. شاب التأويل