بيان صادر عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني بمناسبة يوم الاستقلال
شكَّل الانتصارُ على النازية نقطةَ تحوُّلٍ بارزة في تاريخ البشرية، ودشَّن بدايةَ انهيار النظام الكولونيالي للإمبريالية، وانبلاج أفقٍ حقيقيٍّ أمام دول آسيا وإفريقيا لانتزاع استقلالها الوطني. وفي ظل هذه الظروف، لم تعد بريطانيا وفرنسا قادرتين على الاحتفاظ بمعظم مستعمراتهما رغم انتصارهما في الحرب.
وكانت الأردن من بين هذه الدول، حيث وقَّعت حكومتها مع سلطات الانتداب البريطاني في مطلع عام 1946 اتفاقيةً نصَّت على إنهاء الانتداب البريطاني، والاعتراف بالأردن دولةً مستقلة. غير أنَّ هذا الاستقلال بقي مقيَّدًا بأغلال القواعد العسكرية البريطانية، وباحتفاظ الضابط البريطاني كلوب بصلاحياته قائدًا للجيش، إلى أن تم إنهاء هذا الوجود بتعريب الجيش في الأول من آذار عام 1956، نتيجةَ الإصرار الشعبي على رفض الهيمنة الأجنبية، أيًّا كان شكلها.
في ذكرى الاستقلال نستحضر مسيرة كفاح شعبنا الأردني من أجل الظفر بالاستقلال السياسي الناجز، وتصفية الوجود السياسي والعسكري للاستعمار البريطاني على الأراضي الأردنية، وإنهاء اعتماد الخزينة على مساعداته المالية، والانطلاق لبناء دولةٍ تتمتع بالسيادة المطلقة على كامل أراضيها، وباستقلال قرارها الوطني، واختيار طريق تطوّرها الاقتصاديّ والاجتماعيّ دون أيّ وصايةٍ أو تدخُّلٍ من الخارج.
في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي نضجت الظروف الموضوعية والذاتية لتحقيق هذه المطالب العادلة والمُحقَّة، ولإحداث تبدُّلات ذات طبيعة وطنية في حياة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فقد تمكَّنت الأحزاب السياسية الوطنية والتقدمية، بدعم جماهيري واسع وعبر صناديق الاقتراع، من إيصال أغلبية برلمانية فرضت تشكيل حكومة وطنية برئاسة الشخصية الوطنية البارزة سليمان النابلسي، تبنَّت برنامجًا وطنيًّا استمد مضمونه من البرامج الانتخابية لمرشحي الحركة الوطنية الأردنية، واستجاب لمطلب أساس بإلغاء المعاهدة الجائرة مع بريطانيا، والاستعاضة عن مساعداتها للخزينة بمساعدات عربية.
غير أنَّ هذه التجربة الفريدة في تاريخ الأردن تعرَّضت لانتكاسة سريعة بسبب رفض الحكومة الوطنية لسياسة “ملء الفراغ” الاستعمارية التي تبنَّتها الولايات المتحدة الأمريكية، وتمكَّنت القوى الرجعية المحلية والإقليمية والدولية من الانقلاب عليها، وإقالتها، وحلّ البرلمان الذي انتخبها، وفرض أجواء سياسية وقمعية قاتمة للغاية، بقيت معها البلاد ضمن دائرة الأزمات السياسية والاختلالات الاقتصادية والمالية التي تفاقمت واستفحلت من عامٍ لآخر، تحت ضغط النهج الاقتصادي والسياسي الذي طبَّقته السلطة، ورهاناتها الخاسرة على المؤسسات المالية والنقدية الدولية، وتبعيتها للمراكز الرأسمالية العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في ظلّ التمسك بنظام الحكم الفردي المطلق، وبنموذج “الديمقراطية” المقيَّدة والمقنَّنة.
لقد أفضى هذا النهج التبعي اللّاوطني للسلطة الحاكمة، وخصوصًا بعد خضوع الاقتصاد الوطني لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، إلى إغراق البلاد في المديونية، وفشل السياسات الرسمية في وقف حالة التدهور الاقتصادي، وتعمُّق الفجوة الطبقية، واتساع مساحات الفقر والإملاق، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة حجم الفئات الاجتماعية غير القادرة على مجاراة الارتفاعات المتتالية في تكاليف المعيشة، ممّا أدّى إلى تردٍّ مضطردٍ في الأوضاع المعيشية للكادحين ومحدودي الدخل.
وبموازاة ذلك، جرى، ويجري على قدمٍ وساق، تشديد القبضة الأمنية على الحريات الديمقراطية والعامة، وتعديل القوانين الناظمة للحياة السياسية، وخصوصًا قانون الجرائم الإلكترونية، الذي بات قيدًا قاسيًا على حرية التعبير، تم بموجبه توقيف واعتقال العشرات من نشطاء الحراك الشعبي والوطني. كما تم فتح البلاد على مصراعيها للقواعد العسكرية الأجنبية، وإنشاء مكتب إقليمي لحلف الناتو في الأردن، وجرى توقيع اتفاقيات عسكرية مع عددٍ من بلدان حلف الأطلسي، انتقصت من سيادة الأردن ومن قراره الوطني المستقل.
إنّ مثابرة حزبنا الشيوعي في التصدي للنهج السياسي والاقتصادي ـ الاجتماعي السائد، وإدانة أيِّ شكلٍ من أشكال التدخل في شؤون الأردن الداخلية، ومواصلة النضال من أجل إغلاق القواعد العسكرية الأجنبية، وقطع العلاقات وإلغاء جميع الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الكيان الصهيوني؛ بعد كل ما اقترفه من مجازر وحشية مروِّعة بحق الشعب الفلسطيني، وبعد انكشاف مخطَّطاته العدوانية التوسعية تجاه الأردن بتحويل أراضيه إلى مأوى ومستقر للفلسطينيين الذين سيتم تهجيرهم قسرًا من غزة والضفة الغربية، نابعةٌ كلها من الحرص على استقلال البلاد وعدم التفريط به تحت أي ذريعة أو تهديد.
ونحن إذ نستحضر كلّ ذلك في هذا اليوم، فإننا لا نتجاهل أو نتنكَّر، في الوقت نفسه، للإنجازات التي تحقَّقت في عددٍ من المجالات، بسواعد شغيلة الأردن، وأدمغة العاملين والمشتغلين في حقول العلم والمعرفة والثقافة والأدب، الذين أعملوا جهدهم البدني والذهني ومهاراتهم الإبداعية لإحداث التغيير الذي تتوق إليه الجماهير الشعبية الواسعة.
في ذكرى الاستقلال، نتطلع بالأمل المقترن بالنضال المثابر، بشتى الوسائل المتاحة، لبناء جبهة وطنية تعمل على حشد طاقات جماهير شعبنا خلف برنامج وطني يستهدف مواجهة الأخطار الداهمة المحدقة بالبلاد، يتصدى للسياسات والقرارات التي تضعف من منعتها، وتقوِّض دعائم استقلالها وسيادتها، ويُحدث انعطافة في علاقات الأردن الخارجية بالتوجه شرقا والانخراط في النضال مع دول الجنوب العالمي، ويضطلع بمهمة إقامة حكم وطني متحرر وديمقراطي يصون استقلال البلاد ويعزِّز دعائمه.
عمَّان في 24/5/2025
المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني