أبدت قوى سياسية وكيانات مهمة تحمل السلاح في البلاد تحفظات جوهرية على اتفاق السلام الذي وقعته الحكومة السودانية وبعض فصائل الجبهة الثورية، ووصفته بعدم الشمول ومخاطبة القضايا الجوهرية التي قادت إلى الحرب. ولم تستبعد تلك الجهات تجدد القتال مرة أخرى في ظل المحاصصات والإقصاء والاستبعاد الذي انطوى عليه الاتفاق الذي لم يستوعب أصحاب المصلحة من متضررين ونازحين إلى جانب قوى أخرى مهمة لم تشارك في التوقيع من أمثال الحركة الشعبية شمال بقيادة آدم الحلو وفصيل عبد الواحد نور و13 فصيل مسلح غيرهم، وكذلك تم تجاهل كيانات مدنية وازنة مثل تجمع المهنيين وتجمع الاجسام المطلبية وقوى السودان الجديد واضعين في الاعتبار رمزية وجود الحزب الشيوعي في تحالف قوى الحرية والتغيير الذي أصدر بياناً حول الاتفاق لافتاً النظر الى خطورة اطلاق صفة النهائي عليه على الرغم من ضعف المعالجات التي تمت لقضايا مصيرية.ولفت البيان النظر الى أن الاتفاق المعلن أبدل الحاضنة السياسية للنظام القائم في البلاد بحاضنة جديدة قوامها أطراف الاتفاق وابعاد للقوى التي قادت ومثلت الشارع في حراك ديسمبر أو الحديث عن أي دور لها بعد التوقيع على الاتفاق، وذهب الى ابعد من ذلك بتجريد الوثيقة الدستورية في مضمونها.وقد وضع البيان عدة مطالب منها:– تأييدنا لأي خطوة جادة لإنهاء الحرب وتساعد على استقرار المواطنين في مناطقهم الاصلية بعد ردها إليهم بشكل فوري بقرار سياسي يلتزم بتأهيلها وتنميتها، دونما حاجة للتقاضي حولها.– سنظل نناضل من اجل عقد مؤتمر السلام الشامل وتنظيم المؤتمر الدستوري، لوجود قوى منظمة ومنتظمة في حركات للكفاح المسلح لم يتم تمثيلها في منبر جوبا– سنظل نناضل الى جانب شعبنا من اجل الديمقراطية وتعزيز الحريات، باعتبار غياب النص عليها في اتفاق السلام واغفال تحديد آليات الدفاع عنها مما يثير الشك أن حكم العسكر ينوي إطالة حكم العسكر لفترة أطول مما كان مقرراً بموجب الوثيقة الدستورية.– نشدد على رفضنا للمحاصصة التي مثلت عماد الاتفاق المعلن، ونؤكد بان استحقاقات الحكم والموارد تعود لأصحاب المصلحة من سكان المناطق المتأثرة بالحرب وان حركات الكفاح المسلح معنية فقط بوضع قواتها بالترتيبات الأمنية، وعليها الاعتراف بعدم تمثيلها وحدها لمواطني تلك الاقاليم ونشدد على ان أساس الحل هو تناول القضايا التي شكلت جوهر الازمة وليس الاشخاص.– نرفض بحزم الالتفاف على مطلوب العدالة الانتقالية، ونرفض تسميتها بغير اسمها.على صعيد ذي صلة وقع الحزب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان “اعلاناً سياسياً” تضمن التزام الدستور السوداني بالحقوق والحريات الواردة في الجهود والمواثيق الدولية، وضمان المساواة الكاملة بين المواطنين واعتراف الدولة وإقرارها لتعدد الأديان والمعتقدات ورفض اقحام واستغلال الدين في السياسة والالتزام بكرامة المرأة السودانية ومساواتها مع الرجل، واحترام استقلال القضاء والعمل بين الحزب والحركة لحماية حق الشعب في التغيير والحرية واستكمال مهام الثورة.
حكومة المشّيشي: استمرارية القهر والاستغلال والفساد والعمالة
حازت الحكومة الجديدة التي شكلها هشام المشيّشي على ثقة المجلس دون عرض برنامج ولا ضبط أولويات وإجراءات ملموسة ومسقّفة لمعالجة مشاكل الوطن والشعب المتراكمة والمتفاقمة. وقد انقاد التصويت لها بمنطق الحفاظ على المواقع والمصالح وتسجيل النقاط للخصوم لا غير. وأضاف حزب العمال التونسي في البيان الذي أصدره حول التشكيلة الحكومية التونسية الجديدة، ولئن خضع المشيشي في البداية لتوجيهات قصر قرطاج، فإن ضغط الأحزاب والكتل النيابية حوّل وجهته نحو أكثرها رجعية وفسادا، خاضعا لابتزازها وضغوطها مما زاد مسار تشكيل الحكومة تعفّنا وهو ما انعكس في خطاب جلسة منح الثقة الذي خلا، على سبيل الذكر وليس الحصر، من كل إشارة ولو شكلية إلى مقاومة الفساد التي حضرت في خطب كل سابقيه. كما خلا من كل إشارة إلى السياسة الخارجية وخاصة الموقف من التطبيع مع الكيان الصهيوني في هذا الوقت بالذات. أما نقاشات البرلمان فقد عبّرت عن درجة كبيرة من الإسفاف والانحطاط السياسي والسقوط الأخلاقي. وأردف البيان بالقول إن المصادقة على حكومة المشيشي عوض أن تفتح على فترة، ولو ظرفية من الهدوء كما جرت العادة، أججت الأزمة السياسية وأطلقت العنان لحرب مفتوحة بين مراكز السلطة وخاصة بين قصري قرطاج وباردو. وهو ما عكسه خطاب قيس سعيد في حفل أداء اليمين وهو خطاب استعمل فيه كل ألفاظ الحرب. كما عكسه الخطاب التوديعي لإلياس الفخفاخ الذي اعترف مرة أخرى أن البلاد تتلاعب بها المافيات والقوى الخارجية. وهو ما يؤكد مجددا أن المنظومة السائدة التي أتت بها انتخابات 2019 هي منظومة مأزومة وفاشلة وعاجزة ولن تنتج إلا مزيدا من تعفن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، ورهنا للبلاد للدوائر الأجنبية. وشدد حزب العمال في بيانه على المطالب التالية:أولا: أنّ أوضاع البلاد بلغت مع منظومة الحكم السائدة درجة غير مسبوقة من التدهور والسوء، وهي نتيجة حتمية لتواصل الاحتكام لنفس الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية التي تخدم مصالح لوبيات السماسرة والعملاء والمهربين ومصاصي دماء العمال والكادحين والفقراء.ثانيا: أنّ حكومة المشيشي ومهما كانت أغلفتها كـ”الاستقلالية والكفاءة والتكنوقراط” إنما هي مواصلة لنفس سياسات التبعية والتفقير والقمع والفساد، وهي حكومة عاجزة عن معالجة مشاكل تونس وشعبها بل ستزيدها سوء وبؤسا خاصة مع أوضاع اقتصادية ومالية واجتماعية تشارف على الانهيار ومناخ إقليمي ودولي متفجر وحامل لأخطار وتهديدات كبيرة.ثالثاً: أنّ الصراع السياسي الدائر اليوم بين مكونات منظومة الحكم هو صراع رجعي لا مصلحة للشعب فيه، وهو صراع من أجل التموقع والغنائم ومزيد من رهن تونس للقوى الخارجية وقهر شعبها من قبل قوى ظلامية وشعبوية وليبرالية مفلسة لم تنجح إلا في الغدر.. غدر بثورة الشعب التونسي والالتفاف على استحقاقاتها.رابعا: أنّ مصلحة الشعب التونسي ليست في الاستسلام أو الإحباط أو البحث عن حلول وهمية من داخل المنظومة القائمة، بل في أخذ مصيره بيده من خلال النضال ولا شيء غير النضال الواعي والمنظم والمحتكم لبرنامج ثوري يصحح الأوضاع ويستهدف منظومة الحكم من أجل نظام يحقق مصالح الشعب واستقلال الوطن من خلال خيارات جديدة وطنية ديمقراطية وشعبية.
نهاية مأساوية للمحامية التركية المعتقلة ابرو تيمتك
توقف عن الخفقان قلب المحامية التركية التقدمية التي كانت معتقلة في السجون التركية منذ عام 2017، بعد إضراب عن الطعام استمر 238 يوماً.وكانت المحامية التركية قد اعتقلت بصحبة زميل لها ايتاك أونسال بتهمة الانتماء الى حزب جبهة التحرير الشعبي الثوري المحظور، وحكم عليها عام 2019 بالسجن فترة 13 عاماً وستة أشهر.وقد أعلن المناضلان التركيان اضرابهما عن الطعام، حتى لو أفضى لموتهما، لدعم مطلبهما بمحاكمة عادلة وتطبيق العدالة في تركيا.ووفقاً لمنظمات حقوقية وديمقراطية تركية فإن النهاية المأساوية للمحامية التركية التقدمية تختزل حجم القمع الذي تمارسه الأجهزة الأمنية التركية بحق معارضي الرئيس التركي، ومناخ الترهيب الذي يسود تركيا بعد التعديلات الدستورية التي منحت الرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة لتكثيف ممارسات القمع ضد منتقديه.تيمتك بإضرابها لم تكن تنوي الانتحار ولم تكن ترغب في الموت، لكنها سعت للفت الأنظار الى عدالة القضية التي تدافع عنها، ولإظهار مدى غياب النزاهة والاستقلالية عن المحاكمة التي جرت لها ولزميلها. وطالما شدد المحامون على إن إدانة تيمتك وأونسال “لم تستند الى أدلة” وقد تم الاعتماد على أدلة مزورة وغير مقبولة. كما أن المحكمة رفضت طلبات جمعية المحامين التقدميين للتحقق من الملفات الاصلية المستخدمة كدليل في القضية المرفوعة ضد 18 محامياً، كما رفض طلب الدفاع بالحصول على نسخة من الأدلة وجعل الخبراء يقيمون اصالة الملفات.إن وفاة المناضلة ابرو تيمتك تقع بالكامل على عاتق السلطات التركية التي تجاهلتها تماماً ولم تبد أي اهتمام بمصيرها “الأمر الذي يستوجب أشد عبارات الإدانة”.هذا وقد شهدت جنازة المحامية المناضلة مضايقات متعمدة من جانب السلطات الرسمية، حيث اطلقت الشرطة التركية الغاز المسيل للدموع على مشيعين كانوا منتظرين أمام معهد الطب الشرعي بإسطنبول، وتم اعتقال أربعة منهم. كما منعت الشرطة نقل الجثمان الى مقر نقابة المحامين، حيث كان من المقرر عقد مؤتمر صحفي.كما حالت الشرطة دون دخول جميع المشيعين الى المسجد، وحصرت الحضور في أفراد العائلة والمحامين، ولم تسمح لأقارب المناضلة التقدمية بحمل الجثمان وتولت هي بنفسها نقله على عربة مصفحة. وعندما احتج المشيعون على هذا التصرف جرى استخدام العنف ضدهم.واعتبر رئيس نقابة المحامين في إسطنبول في رسالته الى المجتمعين أمام مقر نقابة المحامين في اسطنبول “صدر قرار جائر لإبرو تيمتك وزملائها الآخرين، عدم القدرة على الدفاع عن النضال من أجل الحقوق أسوأ من الموت”.وأضاف في رسالته: “يجب أن يعلم الجميع أنه كان من الممكن منع هذه الوفاة”.بدورها، قالت الرئيسة المشاركة لمنظمة “محامون من أجل الحرية” عائشة أسينيكلي خلال التجمع: “من العار ألا يعلق أي من المسؤولين الحكوميين، بما في ذلك وزير العدل عبد الحميد غل، على وفاة تيمتك”.أما زميلها المعتقل والمضرب هو الاخر عن الطعام فقد أرسل رسالة من المشفى إلى تيمتك، قال فيها “صديقتي العزيزة، زميلتي، لقد قتلوك بشكل صارخ، لكنك ولدت في قلوب الناس، هل هناك محام آخر في هذا العالم ضحى بحياته من أجل العدالة، سوف نطالب بحقوقنا، سوف نحاسبهم من أجلك”.على صعيد متصل، أمرت المحكمة العليا في تركيا بالإفراج عن محام مسجون مضرب عن الطعام، بعد أسبوع على وفاة زميلته المناضلة تيمتك بعد 238 يوما على بدئها إضرابا مماثلا.وقالت المحكمة العليا في حكمها أن المحامي أيتاك أونسال يجب أن “يتم الإفراج عنه فورا” نظرا “إلى الخطر الذي يمثله بقاؤه في السجن على حياته”.ويواصل أونسال (32 عاما) اضرابه عن الطعام منذ 213 يوما للمطالبة بمحاكمة عادلة. وقد حكم عليه العام الماضي بالسجن عشر سنوات بعد إدانته “بالانتماء إلى منظمة إرهابية”.وأونسال عضو في نقابة المحامين المعاصرين المتخصصة في الدفاع عن متهمين في قضايا سياسية حساسة. وتتهم السلطات التركية هذه الجمعية بالارتباط بالمنظمة الماركسية اللينينية المتشددة “جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري” التي نفذت اعتداءات وتعتبرها أنقرة وحلفاؤها الغربيون “إرهابية”.
إحياء حلم “تركيا الكبرى” وتعميده بـ “الوطن الأزرق”!
تتطلع تركيا لحل مشكلاتها الاقتصادية والمالية المتفاقمة على حساب توسيع مجالات نفوذها وسيطرتها خارج حدودها البرية ومياهها الإقليمية. وفي هذا السياق يجوز لنا أن نقيّم الإشارات الصادرة عن مصادر رفيعة المستوى في تركيا والتي تم نشرها أو التعبير عنها مؤخراً. فليس صدفة على الأطراف أن يتم نشر خريطة “تركيا الكبرى” التي تعود لحقبة السلاجقة قبل نحو ألف عام، والتي تشتمل على الثلث الشمالي من سوريا وجزء كبير من مساحة العراق، وكذلك من جورجيا، وتضم كلا من أرمينيا ونصف بلغاريا والشمال اليوناني والجزر الشرقية من بحر ايجه وقبرص. ومن اللافت أيضاً أن يتم نشر هذه الخريطة مع قيام الدوائر العسكرية التركية بإجراء نقاش حول “الوطن الأزرق” الذي لخص وزير الدفاع خلوصي أكار جوهره بأنه يستهدف فرض السيطرة التركية على البحار المحيطة. مثل البحر الأسود وبحر ايجه والبحر المتوسط!.وقد خطت تركيا خطوة عملية في إطار تنفيذ هذه السيناريوهات أو بعضها، بالشروع في عمليات التنقيب عن الغاز في منطقة شرق المتوسط وارسال حفاراتها الى تلك المنطقة، الى جانب الإعلان عن عزمها التنقيب في المنطقة التابعة لقبرص، متذرعة باتفاقية مع جمهورية شمال قبرص غير المعترف بها الاّ من تركيا، استغلتها للتنقيب بدعوى الحفاظ على حقوقها وحقوق قبرص التركية في منطقة تعوم على بحر غاز طبيعي هو ثاني أكبر مخزون من الاحتياطي على مستوى العالم.لقد ساهم اكتشاف هذه الحقول في شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة في تأجيج طموحات الدول المطلة وأثار توتراً بين أنقرة وأثينا العنصرين في حلف شمال الأطلسي اللذين تدور بينهما خلافات قديمة.والسؤال الذي يبرز في هذا الإطار، هل ستتحول التوترات التي تتفاقم بين تركيا واليونان الى مواجهة عسكرية مباشرة، والى أي حد سيمضي الطرفان في التشدد والتصعيد؟وهناك مراقبون يلفتون الانتباه الى إمكانية أن يتحول أي خطأ في التقديرات يرتكبه أي من الطرفين الى صراع شامل والى حرب غير متوقعة.هذا وقد تفاقم الخلاف اليوناني – التركي بعد قيام أنقرة بإرسال سفينة أبحاث بمرافقة سفن حربية الى منطقة متنازع عليها بين قبرص وجزيرة كريت اليونانية. وردت اليونان بإرسال وحدات عسكرية برية وجوية للمراقبة واجراء مناورات عسكرية مع قبرص وفرنسا في المنطقة، مما زاد من خطر المواجهة بين الطرفين.وقد ارتفع منسوب التوتر بين اليونان وتركيا بعد التقرير الذي نشرته مجلة دي فليت الألمانية والذي جاء فيه أن الرئيس التركي أوعز الى جنرالاته بإغراق سفينة يونانية، لجر اليونان الى نزاع عسكري.ومع أنه من الصعب التحقق من صحة التقرير، الا أنه من غير المستبعد أن مبالغة الرئيس التركي في تقدير قوته، وامكاناته قد تدفعه لإيصال الوضع في هذه المنطقة المتنازع عليها على حافة الهاوية في محاولة منه تهدف للخروج من المأزق الذي يجد النظام التركي نفسه غارقاً فيه، لا سيما جراء الانهيار الذي يعصف بالاقتصاد التركي، ناهيك عن تصاعد الضغوط الداخلية من قبل المعارضة وتهديده بفقدان منصبه نتيجة تناقص شعبيته.ولم يبق الصراع محصوراً بين تركيا واليونان، فقد دخلت فرنسا على خط هذا الصراع منحازة الى جانب اليونان، وهو ما أدى الى تنامي التوتر في العلاقة بين باريس وأنقرة الناجم أصلاً عن تدخل تركيا في ليبيا وعن القلق من قيام تركيا بأعمال استكشاف أحادية عن الغاز في منطقة تؤكد أثينا، وتوافقها الرأي باريس، أنها ضمن سيادتها.ومنذ بضعة أسابيع يكاد لا يمضي يوم، دون أن تصدر عن كبار المسؤولين الأتراك والفرنسيين تصريحات بنبرات حادة من الطرفين تسبغ على العلاقات بين البلدين مزيداً من التوتر، وتفتح النزاع في شرق المتوسط على احتمالات خطرة، منها حدوث مواجهة أو صدام عسكري محدود قد يصعب تطويقه في ضوء حالة الشحن المتبادلة بين الأطراف المنخرطة في الصراع، والتي لم تهدأ رغم الجهود التي يبذلها حلف الأطلسي – والاتحاد الأوروبي وروسيا لخوض حدة التوتر بين الدولتين العضوين في حلف الأطلسي.ففي حين تصر اليونان ومعها فرنسا على أن أي حوار مع تركيا يجب أن يسبقه وقف عمليات التنقيب، صعّد الرئيس التركي من لهجة التحدي بالقول “سيدركون – يقصد اليونانيون والفرنسيون – أن تركيا تملك القوة السياسية والاقتصادية لتمزيق الخرائط والوثائق المجحفة التي تفرض عليها – في إشارة الى المناطق المتنازع عليها بين تركيا واليونان.وفي حين يحظى الموقف اليوناني – التركي بتأييد الولايات المتحدة وحلف الأطلسي عموماً، فان الموقف التركي يواجه بانتقادات واسعة، داخلية وخارجية.فقد أعرب رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود اوغلو، صاحب نظرية “صفر مشاكل” والذي أصبح أحد أبرز المنافسين لطموحات الرئيس التركي، إن النهج الذي يتبعه أردوغان ينطوي على مجازفات شديدة، وأضاف “للأسف فان حكومتنا لا تقدم أداءً دبلوماسياً لائقاً. وقد دعا أوغلو حكومة بلاده الى الجلوس مع اليونان لمناقشة كل الأمور ووقف تصعيد التوتر.ومهما حاول كل طرف من أطراف الصراع المحتدم في منطقة شرق المتوسط تغليف مواقفه والدفاع عن مصالح “وطنية” يعتقد أنها “مشروعة” وتنسجم مع أحكام القانون الدولي، إلا أن الأمر في حقيقته وجوهره ما هو إلا مزاحمة جارية بين الطبقتين البورجوازيتين لليونان وتركيا حول مَن منهما سيتحكم في “عقدة” الطاقة وفي طرق نقلها. كما ان الصراع يجري، بصورة أساسية حول الاستحواذ على أكبر قدر من الثروات الغازية المكتشفة حديثاً أو التي ستكتشف في المستقبل وهو جزء من صراع أشمل يجري بين الطبقات البورجوازية والاحتكارية النفطية – الغازية والتحالفات الامبريالية.
لبنان إذ يحتفل بمئويته على وقع الاملاءات الخارجية
الانقسام اللبناني قديم قدم تأسيس لبنان الكبير الذي تحتفل لبنان بمئويته هذه الأيام. هذا الانقسام الذي أسس له دستور لبنان الذي وضعه الاستعمار الفرنسي في زمن القناصل، لذلك فان هذه التركيبة دائماً ملغمة جاهزة للانفجار مع أي حدث. وما انفجار بيروت في الرابع من آب الا محطة من هذه المحطات، لذلك فان مصيبة لبنان هو في تركيبته الطائفية هذه التركيبة التي جعلت من لبنان ساحة صراع دولية وإقليمية. وما الانفجار الا عنواناً لاهتراء هذا النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية. وهذا يفسر التزاحم بين ذوي المصالح الخارجية والإقليمية، ظاهرها التعاطف مع لبنان المنكوب، والمطالبة بإصلاحات سياسية، تطوق الواقع السياسي، أما كواليسها فهي مفخخة بملفات تستثمر نتائج الكارثة لعودة الهجمة الاستعمارية. ويستثنى منها بعض المساعدات، منها العربية كالتي جاءت من مصر والأردن والعراق فهذه جاءت انطلاقاً ونخوة من أخوة ما زالت نابضة في عروقهم الدم العربي رغم كل محاولات طمسه كما يمكن قبول المساعدات التي حطت على أرض لبنان بلا ضجة إعلامية كالتي من روسيا والصين وإيران. بينما ترافقت المساعدات الأخرى بالبوارج والمدمرات. هذا درس خصوصاً للقوى الانعزالية مفادها ان الشعب اللبناني لا يمكنه أن يخرج من ثوبه العربي. ويبدو أيضاَ أن مصيدة الانفجار الملتبس قد أسعفت خلطة شوارعية ممن امتهنوا تفسيخ الدولة والذين ظنوا ان الظروف باتت مواتية، كما واتتهم إثر الانفجار الذي أودى بحياة رفيق الحريري (2005) إما لتفكيك الدولة أو تدويل الصراع اللبناني، فانطلقوا الى الشوارع مدججين بالعصي ومحصنين بالخوذ البيضاء ولا نعرف ماذا يخبئون في حقائبهم على ظهورهم، متهمين جهات بعينها ومطالبين بإسقاط الحكومة ورئيسها وبتدويل القضية برمتها. ووصل الأمر ببعض مثقفي هذه الجهات المجاهرة بالمطالبة بعودة الانتداب وعلى وقع هذ الاحلام جاء زيارة ماكرون الأولى والثانية والثالثة على الطريق ولعل أفضل من وصف هذه الزيارة بيان للحزب الشيوعي اللبناني جاء في مقدمته على وقع تفاهمات دولية – إقليمية وإخراج فرنسي ماكرونيّ في الذكرى المئوية الأولى للانتداب الفرنسي على لبنان، هرولت قوى السلطة بمختلف تشكيلاتها لتحتفل بتبعيتها وتكرسها نهجا وممارسة عبر تسمية رئيس مكلّف للحكومة بسرعة غير مسبوقة، كما درجت عادتهم في الانتقال من وصاية الى وصاية أخرى لتكرّس وضع لبنان السياسي تحت وصاية الخارج المباشرة. قدّم الجميع، من قوى السيادة والحياد والممانعة وما بينهم، تنازلات عن لوائح شروطهم الطويلة، كرمى لعيون أوصياء الخارج، من دون أن يقدّموا أي تنازل أو مبادرة لشعبهم المنتفض في الساحات منذ 17 تشرين الأول حتى اليوم. سارعوا جميعاً إلى استعادة ممارساتهم السابقة في لعبة تقاسم كعكة السلطة على أسس مذهبية وزبائنيّة، فيما لم تجفّ بعد دماء اللبنانيين الذين قتلهم انفجار/جريمة المرفأ التي يتحمّل النظام الطائفي القاتل ومنظومته الحاكمة المسؤولية المباشرة عنه.لم يأت ماكرون للاستماع إلى الشعب اللبناني كما يدعون في وعودهم الورديّة، بل جاء لينقذ النظام المتهالك ويعيد إنتاج صيغةٍ جديدةٍ له تؤسس لانطلاقة المئوية الثانية للبنان على قواعد المئوية الأولى نفسها: منطق التوازنات الطائفية والمذهبية القاتلة ونظام علاقات الاستتباع والارتهان للخارج.المحكمة الدوليةتماماً كما فاجأ ماكرون ذلك الفريق المتربص جاء قرار المحكمة الدولية بعد 15 سنة من التحقيق واتهام اشخاص والتراجع عن ذلك عدة مرات. وبعد أن كلفت لبنان 900 مليون دولار جاء قرار المحكمة مفاجئاً وغير مرض للغرب، والاعلام الخليجي يجر ذيول الخيبة، والسعودية تفقد اعصابها مطالبة بمحاكمة حزب الله على مبدأ (عنزة ولو طارت) ولا يريدون أن يستوعبوا أن قراءة الحكم الذي صدر يوم 18/8 مستحيلة خارج السياقات والتحولات الكبيرة التي تعيشها المنطقة والاقليم والعالم. فلبنان وان كان ساحة للتصفيات الإقليمية والدولية لكنه اليوم اصبح أكثر كلفة على الجميع بسبب تعقد تركيبته فصار من الضروري أن تتغير المعادلة، باتجاه التفاهمات بين الأطراف كافة. يبدو أن ثمة صفقة ربما تكون في الطريق، هي التي اقتضت هذا القرار، وقد لا تكون واشنطن وباريس بعيدتين عنها. ولكن لبنان الذي انتظر طويلاً وتكلف ما يقارب المليار دولار لتأكيد حقيقة أن الآخرين هم من يقرر مصيره. لبنان أمام مرحلة وجودية، الترقب فيها سيد الموقف، ومن الضروري التخفف من الانفعال والتشنجات وتوسيع هوامش التفاهمات وان ينصب العمل على تأمين استقرار أمني ومعيشي بين الناس. لم يعد أحد منهم قادراً على الغاء أحد ولا على الوقوف وحده في مواجهة الجميع. وقد يكون من حسن حظ لبنان أن من يستطيع لا يريد الفوضى ومن يريدها لا يستطيع.ونختم أيضاً ببيان الحزب الشيوعي اللبناني الذى دعا فيه قوى ومجموعات الانتفاضة التي تتوافق على طرح الحكومة الانتقالية ذات الصلاحيات التشريعية من خارج المنظومة الحاكمة الى التداعي والالتقاء وهذا اللقاء يجب أن لا يكون محكوما فقط بمنطق الاعتراض وحده، بل أن يتمّ تأسيسه على قاعدة مشروع سياسي متكامل لبناء السلطة البديلة، القادرة على إنقاذ اللبنانيين من أزمتهم السياسية والاقتصادية. وهذا يعني بالتحديد تحميل أعباء الخسائر للفئات التي حققت الثروات الطائلة في العقود الماضية ونهبت المال العام والخاص، وتجسيد حقوق اللبنانيين في التغطية الصحية الشاملة – وبخاصة في مواجهة الانتشار المخيف للكورونا – والتعليم المجاني الجيّد والنقل العام والسكن الشعبي، واستثمار الأموال المهدورة في بناء مرتكزات اقتصاد وطني منتج، وإطلاق عملية إصلاح سياسي جذري يشمل انتاج رافعات الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، ومن ضمنها قانون انتخابات نسبي خارج القيد الطائفي وقوانين مدنية للأحوال الشخصية واستقلالية القضاء.