لا زالت انتهاكات حقوق الصحفيين حول العالم واستمرار احتجاز المئات منهم في السجون والمعتقلات لأسباب تتعلق بعملهم المهني وقيامهم بتغطية محايدة وموضوعية ومهنية للأحداث الجارية في مناطق العالم الساخنة، تثير قلقاُ واسعاً لدى المنظمات المعنية بالدفاع عن الحريات الصحفية والإعلامية، والتي دأبت مع نهاية كل عام بإصدار تقارير وافية ترصد هذه الانتهاكات لحرية العمل الصحفي والإعلامي، وتسعى لخلق رأي عام عالمي ضاغط على جميع الحكومات التي لا تحترم ولا تلتزم بمعايير الحريات الصحفية والإعلامية للتراجع عن هذه السياسات والتدابير الزجرية والقمعية والتوقف عن اعتقال الصحفيين ما داموا يقومون بعملهم وفق مقتضيات تنوير الرأي العام بالحقائق الموضوعية وقطع دابر المظالم العديدة التي يتعرض لها المواطنون على يد الأنظمة القمعية المعادية للديمقراطية وحقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية وفي مقدمتها حرية التعبير عن الرأي بجميع الأشكال التي تقرها الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات العلاقة.ومع ذلك قراءة التقارير الدولية المتعلقة بانتهاك منظومة حقوق وحريات العمل الصحفي مع بعض الحذر والتحفظ. إذ يحدث أن تتضمن هذه التقارير إشارات سريعة للانتهاكات التي تحصل في بعض البلدان، في حين يتم تضخيم هذه الانتهاكات في بلدان أخرى وبشكل متعمّد. وغالباً ما تكون هذه الإشارات غير المنصفة التي تحيد بدرجة ما عن الموضوعية والعدالة والحياد تتعلق بحكومات وأنظمة دول تتخذ مواقف سياسية وتتبع سياسات اقتصادية واجتماعية لا تروق لواشنطن وتسعى للاحتفاظ بمسافة قد تقصر أو تطول عن نهج وسياسات الدوائر الامريكية الحاكمة التي تتصف بالتدخل الفظ في الشؤون الداخلية لجميع دول العالم دون استثناء وبإملاء سياسات ومواقف تتعارض مع المصالح الوطنية لهذه الدول، بما في ذلك اجبارها على الالتزام بالعقوبات الاقتصادية التي تقرها الإدارة الامريكية بعيداً عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.إن هذه الملاحظة العابرة لا تفقد التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية المدافعة عن حقوق الانسان بشكل عام والصحفيين بشكل خاص – ما دامت هذه الأسطر مكرسة لها تحديداً – أهميتها ودورها في توعية الرأي العام بالمخاطر التي يتعرض لها الصحفيون والاعلاميون حول العالم، بما في ذلك الاعتقال والتصفية الجسدية والاغتيال والقتل العمد.أشار التقرير الأخير لمنظمة “مراسلون بلا حدود” الصادر قبل بضعة أيام (14/12) أن عدد الصحفيين المعتقلين وصل لغاية الآن الى 387 شخصاً، وهو عدد مقارب الى عدد المعتقلين في العام الماضي 2019. ويؤكد التقرير أن أكثر من نصف هؤلاء معتقلون في خمس دول فقط هي على التوالي الصين، السعودية، مصر، فيتنام ثم سوريا. طبعاً يقصّر التقرير عن ذكر الأسباب التي دفعت السلطات الى اعتقال هؤلاء الصحفيين، هل لأسباب تتعلق بممارسة المهنة الصحفية والإعلامية بقضايا النشر، أم لأسباب أخرى. إذ يمكن أن تلجأ بعض أجهزة الاستخبارات لتوظيف الصحفيين في أعمال تتناقض تماماً مع طبيعة نشاطهم ومهامهم، وخاصة في البلدان التي للولايات المتحدة حضورٌ عسكري وأمني ينشد قلب أنظمة الحكم القائمة في هذه البلدان وتنصيب أنظمة بديلة مستعدة للعمل تحت هيمنتها والانخراط في تنفيذ مخططاتها. هذا ومن الجدير بالذكر أن هذا التوظيف قد حصل أكثر من مرّة، وهناك العديد من الشواهد على ذلك.فعلى سبيل المثال لا الحصر، ردّت السلطات الصينية على الحملة التي طالتها بسبب توقيف صحفية صينية تعمل لحساب وكالة أنباء بلومبيرج الامريكية بأن التحقيق مع هذه الصحفية يتعلق “بالاشتباه بأنها تنخرط في نشاطات ذات طابع اجرامي يهدد الأمن القومي للبلاد بموجب القوانين المعمول بها”.وهنا يجب التأكد هل فعلاً ارتكبت هذه الصحفية نشاطاً يهدد الأمن القومي؟ أم أن الأمر لا يعدو فبركة للتهم بهدف قمع أي انتقاد بحجة تهديد الأمن القومي!!.ويلفت الانتباه أن التقرير الصادر عن لجنة حماية الصحفيين التي تتخذ من نيويورك مقراً لها أن اتساع نطاق توقيف واعتقال الصحفيين يعود الى “غياب قيادة عالمية فيما يتعلق بالقيم الديمقراطية”. كما أنحى التقرير باللائمة على الهجمات المتكررة التي يشنها الرئيس الأمريكي ترامب على وسائل الاعلام والتي عدها التقرير بأنها – أي الهجمات – قد وفرت غطاءً للحكام المستبدين في العالم لممارسة القمع ضد الصحفيين في بلدانهم.إن مواصلة مختلف حكومات العالم اتخاذ مواقف عدائية من الصحفيين والإعلاميين يهدف للتغطية على السياسات اللاشعبية التي تسعى لتمريرها بأقل درجة من الاعتراض الشعبي عليها، والتقليل ما أمكن من مقاومتها والتصدي لها.
“القطب الوطني الكبير” يفوز في الانتخابات البرلمانية الفنزويلية
أعلن الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحد فوزه في انتخابات الجمعية الوطنية البرلمان التي جرت الاحد (7/12) بحصول ائتلاف “القطب الوطني الكبير” الذي يتزعمه الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي على نسبة 67 % ممن تسنى لهم الاقتراع في الانتخابات.وهكذا استعاد أنصار الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز الجمعية الوطنية، التي سيطرت عليها المعارضة منذ عام 2018 والتي تحولت في الواقع الى مركز لزعزعة الاستقرار السياسي في البلاد. وقد أعلنت المعارضة اليمينية آنذاك أنها عازمة على اسقاط حكومة مادورو اليسارية خلال ستة أشهر لكنها لم تستطع تنفيذ هذا الوعد وحسم الصراع لصالحها.غير أن السنوات الخمس الماضية كانت قاسية وصعبة للغاية بالنسبة للثورة البوليفارية. فالعقوبات أرهقت السكان، وولدت للاقتصاد الوطني صعوبات معقدة للغاية كان لها أثر سلبي على حياة الشعب الفنزويلي. كما كان للضغوط الخارجية المتواصلة التي بلغت حد ارسال فرق المرتزقة وتدبير محاولات متكررة لاغتيال الرئيس مادورو في اطار الاعداد لانقلاب عسكري رجعي مدبر من الخارج بتواطؤ أطراف من المعارضة اليمينية المتطرفة في الداخل، مما كان له الأثر الأكبر في زعزعة الاستقرار في البلاد.في هذا السياق يجب فهم مغزى الانتخابات والنتائج التي أسفرت عنها. فالتغيير الذي طرأ على قوام الجمعية الوطنية نتيجة الانتخابات يسحب من الدمية التي صنّعتها الامبريالية الأمريكية خوان غوايدو الصلاحيات التي انتزعها لنفسه بعد نجاح المعارضة اليمينية في السيطرة على الجمعية الوطنية في أعقاب الانتخابات البرلمانية.ورغم حملة التحريض الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة ليما التي دعت الى مقاطعة الانتخابات بحجة ان حكومة مادورو تنوي تزويرها، فقد شارك في الانتخابات 14400 مرشح يمثلون 07 1 أحزاب ومنظمات سياسية، منها 98 منظمة تمثل المعارضة، رغم تجاوب العديد من أحزاب وقوى المعارضة الفنزويلية مع الدعوات التحريضية الغربية والإقليمية.في خطوة يسعى غوايدو من خلالها إظهار “تأييد شعبي” مزعوم له ولخططه الرامية للاستيلاء على السلطة، جرى الإعلان عن تنظيم استفتاء حول احتفاظ بصلاحيات “قائم بأعمال رئيس البلاد. غير أن هذه المحاولات لن يكون مصيرها أفضل من سابقاتها من المحاولات التي حاولت فيها المعارضة اليمينية المرتبطة بالمخابرات الامريكية والكولومبية انتزاع تأييد شعبي لسعيها المحموم للإطاحة بحكومة مادورو اليسارية وتنصيب غوايدو مكانه. وكما تم احراق نتائج استفتاء سابق من قبل المعارضة نفسها، سيتم اهمال نتائج هذا الاستفتاء إذا ما أصر غوايدو وعصاباته تنفيذه.وفي مسعى للتشكيك في التأييد الشعبي للحزب الاشتراكي والائتلاف الوطني العريض الذي يقوده، بالإشارة الى ان الانتخابات لم تشهد مشاركة حوالي 31 % ممن يحق لهم الاقتراع، يتوجب الإشارة، الى أن المشاركة في الانتخابات البرلمانية كانت دائماً متدنية بالقياس للانتخابات الرئاسية. ففي الانتخابات التي جرت عام 2005 والتي قاطعتها المعارضة شارك في الانتخابات 25 % فقط ممن يحق لهم الاقتراع.وفي أعقاب اعلان النتائج توجه الرئيس نيكولاس مادورو بالتهنئة الى الفائزين بالانتخابات عبر حديث متلفز، مؤكداً أن الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحد فاز من خلال التصويت وليس من خلال العنف وهو دليل على الطبيعة الديمقراطية والشعبية للحزب.وقال مادورو إنه “ابتداءً من اليوم تولد حقبة جديدة في فنزويلا ونحن نمنح أنفسنا الفرصة لبدء عملية ديمقراطية حقيقية من أجل استعادة الجمعية الوطنية”.ولفت مادورو إلى أنه على الرغم من أن الجماعات العنيفة في البلاد هددت بتنفيذ أعمال تخريب لإبقاء بعض مراكز الاقتراع مغلقة إلا أنه لم تقع أي حوادث وظلت جميع المراكز مفتوحة.وتابع مادورو “كان لدينا الصبر والحكمة والمقاومة لننتظر هذه الساعة وهذا اليوم ونتخلص من تلك الجمعية الوطنية الشائنة التي هاجمت الفنزويليين وجلبت وباء العقوبات والقسوة والألم والمعاناة” مشيرا إلى أن تصويت أمس هو لإخبار العالم أن فنزويلا ليست مستعمرة لأحد وأنها دولة حرة وذات سيادة ومستقلة.وكان الرئيس مادورو أعلن أمس تأييد فكرة إطلاق حوار سياسي واسع عقب الانتخابات البرلمانية في بلاده يشمل المعارضة غير البرلمانية التي رفضت المشاركة في الانتخابات وأن هذا الحوار سيسمح بتحديد سبل الانتعاش الاقتصادي.
التجربة الديمقراطية عرجاء في غيابه..هل يستعيد اليسار التونسي دوره في تونس؟
بقلم: مراد علالة تحت عنوان «لترحل منظومة الحكم»، عقدت «المبادرة الوطنية لتصحيح مسار الثورة» ندوة صحفية يوم الجمعة المنقضي شاركت فيها مجموعة من الأحزاب السياسية التقدمية والمنظمات الوطنية والشخصيات اليسارية المستقلة وهي المرة الأولى منذ انتخابات 2019 بشقيها الرئاسي والتشريعي التي تظهر فيها وجوه يسارية جنبا الى جنب في العلن وتتحدث حول نفس الموضوع.ومثلما تابع الكثيرون فإن وقائع الندوة الصحفية سجّلت حضور حمة الهمامي وعبيد البريكي ويوسف الشارني ومحمد الكحلاوي ونجلاء كدية في المنصة والحال أن اسمين على الاقل (الهمامي والبريكي) كانا خصمين إن جاز القول في السباق الرئاسي الأخير وحتى التشريعي فيما غاب ممثلو كيانات أخرى مثل التيار الشعبي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وحزب الطليعة الذين جمعتهم بالبقية تجربة «الجبهة الشعبية» وما أسميناها «عهدة الدم» بين 2012 و2019. وقد قيل قبل الندوة وأثناءها وبعدها أن «المبادرة الوطنية لتصحيح مسار الثورة» جاءت كثمار نقاش جدي عميق وموجه منذ شهر مارس المنقضي بالتزامن مع استفحال الموجة الاولى من جائحة كورونا وكان هدفها كما يقول الناشط علي بن جدو «تشكيل قطب أو خيار سياسي اجتماعي يساري واسع يملأ الفراغ الذي استجد على الساحة السياسية بعد انتخابات 2019 وما أفرزته من منظومة حكم فاسدة تتحكم فيها وتشغلها تعبيرات سياسية طبقية مافيوزية وإسلامية فاقدة للانتماء الوطني ومرتبطة بمحاور إقليمية رجعية وبمراكز النفوذ الاقتصادي/المالي الاستعماري».الأهم من هذا التعريف أو التقديم هو تكرار مقولة انفتاح المبادرة على جميع القوى اليسارية دون استثناء والتي يمكن ان تلتقي حول الحد الأدنى الذي يسمح بالعمل الجماعي الذي تمليه اللحظة الراهنة مع ضرورة استخلاص الدروس حتى لا تتكرر النهاية «الدرامية» لتجربة الجبهة الشعبية رغم قول البعض أن نهايتها كانت طبيعية وفق التجارب المقارنة.إن الندوة الصحفية وبقطع النظر عمّا سيليها في قادم الايام والذي يظل مرتبطا ايضا بإرادة وافعال أصحابها والتحامهم بالجماهير وانخراط الطيف اليساري الواسع فيها بناء على مصالحة هي قدر حتمي وليست خيارا في تقديرنا، تمثل محطة مهمة وتطرح من جديد سؤال وجود اليسار في بلادنا ودوره في تجربة الانتقال الديمقراطي والمسار الثوري أو «الملحمة التي لم تكتمل».انه لا يمكن القفز على حقيقة أن القاصي والداني في الداخل والخارج ما انفك يسأل عن اليسار وعن أوضاعه بل عن وجوده اصلا بعد أن فقد موقعه في المشهد السياسي والبرلماني والنقابي وحتى في استطلاعات الراي، لكن تكرار السؤال في الشارع التونسي وخصوصا في أوساط خصوم وأعداء اليسار يؤكد أن «اليسار خير لا بد منه» لأن الطبقات المفقرّة والفئات المهمشة تستجير به وتستفسر عن غيابه عندما تضيق بها الخيارات كما هو الحال اليوم.ثانيا، إن منظومة الحكم القائمة بتعدد مكوناتها واختلاف مسمياتها تحمل في النهاية نفس المشروع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وليس أدل على ذلك من ميزانية الدولة المصادق عليها في مجلس نواب الشعب قبل ايام بتحفيز من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان بذريعة اجتناب المأزق الدستوري في حال عدم المصادقة، وها هي الاغلبية البرلمانية تهنئ التونسيين بهذه الميزانية التي تكرّس الخيارات الاقتصادية الليبرالية وتغرق البلاد في مستنقع متجدّد من الديون الى جانب تكريس عدم الاستقرار بالحديث عن قانون مالية تعديلي في الربيع القادم وتلميحات بتحويرات في الفريق الحكومي وفي التعيينات القادمة في مفاصل الدولة..ثالثا، لقد برزت بالفعل قوى سياسية أخرى «وسطية» و«اجتماعية ديمقراطية» لكن انخراطها في منظومة الحكم ولو بشكل مؤقت ظرفي كشف انها لا تتمايز كثيرا عن هوية حكام تونس الجدد منذ 2011 في علاقة بالأطروحات الاقتصادية والاجتماعية وقد أضرت بها تجربة المرور بالقصبة وبعثرت حساباتها. أما العائلة الدستورية ورغم النقاط التي يسجلها من يوم إلى آخر الحزب الدستوري الحر في المشهد السياسي، فإن برنامج هذا الحزب ايضا وخياراته وماضيه يضاعف من مسؤولية اليسار في البرهنة على وجوده أو الاندثار خصوصا وان جانبا من المعارك الفكرية والثقافية التي يجرؤ عليها هذا الحزب هي في النهاية مهام القوى الحداثية بشكل عام من قبيل الدفاع عن مدنية الدولة وقيم الجمهورية ومكاسب المرأة وغيرها..رابعا، لقد آن الأوان لفك الارتباط بالنقابة في تقديرنا والفصل بين النضال تحت السقف المطلبي النقابي الاجتماعي والوطني الذي كان ضروريا زمن الاستبداد لغياب العمل السياسي العلني والقانوني اما اليوم فلا مناص من التخصص ومن تحمل المسؤوليات.خامسا، إن النقاط التي تطرحها «المبادرة الوطنية لتصحيح مسار الثورة» هي في النهاية بديل سياسي يتلخص في رحيل منظومة الحكم بكل مؤسساتها واتخاذ إجراءات اقتصادية واجتماعية شعبية في مضمونها الطبقي والوطني مرتبطة بالسيادة الوطنية وبالعدالة الاجتماعية وبحماية وتأمين الحريات وهذا مشترك بين الطيف اليساري الواسع والتاريخي الذي أعطى دماءه الثمينة للبلاد وآخر شهدائه شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي وهو مشترك لا تطرحه ولا تتحمله بقية المكونات السياسية سواء منها الماسكة بالحكم أو المتحدثة اليوم باسم المعارضة.إن الظرف والرهان والتحديات يسارية بامتياز ومصير اليسار بيد اليساريين الذين حضروا الندوة الصحفية أو الذين لم يحضروها والذين لا خيار لهم سوى «تصحيح مسارهم» أولا لـ«تصحيح مسار الثورة» ثانيا.
انطفاء وهج الديمقراطية الغربية
على مدى عقود طويلة شكلت الديمقراطية الغربية بشقيها الأمريكي والأوروبي نقطة جذب واستقطاب للعديد من دول العالم، وخاصة في ما يسمى بـ دول “العالم الثالث” التي استلهمت أو سعت لاستلهام منظومة القيم التي جسدتها في مجال الحريات والانتخابات الدورية وإرساء قواعد تسمح بتداول السلطة وانتقالها بسلاسة من حزب او ائتلاف حزبي الى آخر.ومع أننا لحظنا على الدوام أوجه القصور العديدة الماثلة في هذا النموذج من الديمقراطية التي اتسمت بطابع طبقي وكانت مسخرة بصورة أساسية في خدمة مصالح الأثرياء وضمان احكام قبضتهم على الدولة والمجتمع مع المحافظة على جوهر نظام الاستغلال المتوارث من تشكيلات اقتصادية – اجتماعية سابقة.وحتى مبدأ تداول السلطة فقد كان في التطبيق العملي محصوراً بين أحزاب أو ائتلاف حزبي تعبر وتجسد بصورة أساسية مصالح البورجوازية الكبيرة والاحتكارية، من دون أن تسمح بطبيعة الحال لأي أحزاب تمثل مصالح الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية النقيضة لها من الحصول على أغلبية تمكنها من تشكيل الحكومة وتطبيق برنامجها الاقتصادي والاجتماعي البديل.وبالرغم من أوجه القصور الأساسية هذه وأخرى غيرها، الاّ أن النموذج الذي طبق في الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية “الليبرالية السياسية” وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية في إطار مفاهيم كان ذا فائدة بغياب أي نموذج للديمقراطية في عدد كبير من دول ما يسمى بـ “العالم الثالث” بما فيها غالبية بلدان عالمنا العربي، وتفشي نماذج من الديكتاتورية العسكرية والمدنية فيها.لذا فنحن هنا حصراً نعقد مقارنة بين ما هو سائد أو ما كان سائداً حتى وقت قريب في العديد من بقاع العالم، ومنها عالمنا العربي، وبين ما هو قائم او كان قائماً في البلدان الأوروبية وأمريكا. غير أن ما تشهده العديد من دول ما كان يسمى بـ “العالم الحر”، بما فيها زعيمة هذا العالم – الولايات المتحدة الامريكية – من ظواهر غير مألوفة في سياق الانتخابات الرئاسية او البرلمانية بات يطرح علامات استفهام كبيرة على مدى الجاذبية التي لا زالت تتمتع بها الديمقراطية البورجوازية / نمط الليبرالية السياسية وفق المفهوم الغربي، تماماً كما هو الحال بالنسبة للنموذج الاقتصادي الرأسمالي الذي بات يعاني من أزمات دورية متقاربة زمنياً قوية كشفت عن أوجه قصور عديدة وأضعفت من جاذبيته في أعين غالبية شعوب الدول النامية التواقة الى نموذج اقتصادي ينتشلها من التخلف والفقر والبطالة ويكفل لها معدلات نمو مرتفعة، ويطور قطاعات إنتاجية ذات قدرة عالية على توفير الدخل للمالية العامة وتأمين فرص عمل بشكل مطرد.وقد كشفت الانتخابات التي جرت خلال الأعوام القليلة الماضية في عدد من الدول الغربية، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، ان الديمقراطية الغربية وليس فقط نظم الانتخابات باتت تعاني من أزمة، من أبرز مظاهرها تزايد القناعة لدى الجماهير الغفيرة بأن المجالس النيابية لم تعد هي الفاعل الحقيقي في إدارة شؤون البلاد، وان نموذج الشركات الاحتكارية العابرة للقارات المعولمة هي – على حد تعبير الدكتور جلال أمين – استلبت من الدولة الوطنية مقدراتها وجعلت من هياكلها الإدارية آليات لتنفيذ نزعاتها للهيمنة والتوسع داخلياً وخارجياً. وهكذا انخفضت الاعداد المشاركة في الانتخابات انخفاضاً كبيراً ولم تعد الجماهير الشعبية شغوفة بمسألة التصويت والاقتراع.وقد ظهرت في الأعوام الأخيرة إشارات تشير الى تدهور الليبرالية السياسية في الدول الغربية. وهذه الاشارات تمثلت في ظهور القومية والشعبوية اليمينية وفي تعامل أوروبا مع ازمة المهاجرين او خروج بريطانيا الفوضوي من الاتحاد الأوروبي.لقد توقعت تقارير مجلس الاستخبارات القومية الامريكية الأخيرة تفكك النظام الليبرالي العالمي خلال السنوات المقبلة. وهذا ما يؤكد ان الديمقراطية الامريكية في مأزق والليبرالية من ورائها تترنح.تتجلى أزمة الديمقراطية في الولايات المتحدة في تزايد الدور الذي يضطلع به الجنرالات وعلو أصواتهم على صوت الرئيس وعلى سائر رجال السياسة. كما لا يمكن فهم، كيف لرئيس منتخب مثل ترامب أن يواصل رفض التسليم بنتائج الانتخابات واصراره على انها مزورة رغم دحض هذه المزاعم من قبل المحاكم وحكام ولايات ولجان فرز إعادة عدد الأصوات أكثر من مرة. وكذلك كيف لرئيس منتخب مثل بايدن أن يهدد بإخراج الرئيس من البيت الأبيض باستخدام الجيش.وحتى قبل نتائج الانتخابات الرئاسية، فقد كشفت الديمقراطية الامريكية عن اختلالات جوهرية، منها السياسات التي طبقها ترامب بعد فوزه قبل أربع سنوات والتي تعارض بعضها مع مفاهيم الحرية والمساواة وحقوق الانسان التي يتغنى بها الامريكيون على أنها قيم أمريكية خالصة. فقد هاجم ترامب المسلمين والأفارقة وتوعد المهاجرين غير الشرعيين بترحيلهم من أمريكا، وواصل دون انقطاع الثرثرة المليئة بالأكاذيب والمعلومات المضللة، واستمر في التهجم على وسائل الاعلام والمحاكم والمعارضة السياسية، واساء استخدام سلطته الرئاسية والتقديرية لتحقيق مكاسب سياسية ومالية وميثاق بدعم الجماعات اليمينية والعنصرية المتطرفة.لقد التزم ترامب بهذه السياسات وطبقها من دون أن تقوى الديمقراطية الامريكية ومؤسساتها على ردعه وضبط سلوكه.ومن غرائب الأمور أن هذا الرئيس رغم كل ما ارتكبه من أخطاء وخطايا يحصل على أكثر من 75 مليون صوت، أي أكثر من الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات التي فاز بها، رغم فشله الذريع في مكافحة جائحة كورونا، وتسببه من خلال الإهمال والاستخفاف بتفشي الجائحة وسقوط ضحايا بمئات الآلاف.علامات الاضمحلال السياسي تتمثل في تنامي الاستقطاب وانعدام الثقة والتعصب بين انصار الأحزاب المتعارضة الرئيسة، وحدوث تداخل بين الانتماءات الحزبية والهويات العرقية او الدينية والافتقار الى القدرة على صياغة تسويات سياسية وتنظيم استجابات سياسية فعالة تجاه القضايا الوطنية.لقد انحدرت الديمقراطية الامريكية والغربية عموماً خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل إدارة ترامب الى درك لم تعد معه قابلة لأن تحتذى، وعلى شعوب العالم أن تستلهم نموذجاً جديداً تقترن فيه الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية، تبنى على أفضل ما في نماذج الديمقراطية التي عرفتها البشرية واختبرتها لبناء صرح من الديمقراطية الشعبية تحترم إنسانية الانسان وتوفر له احتياجاته الأساسية المادية والروحية، وتصون كرامته وتسمح له بأن يفجر طاقاته الخلاقة وامكاناته وبدون بناء هذا الانسان، لا يمكن تصور مجتمع ديمقراطي مدني حر ومتحرر.
الحركة التقدمية الكويتية تنتقد التوجهات الحكومية
انتقدت الحركة التقدمية الكويتية التشكيل الأخير للحكومة والتوجهات التي تضمنها الخطاب الأميري الذي ألقاه رئيس مجلس الوزراء، واعتبرته خروجاً عن الرسالة الشعبية المتمثلة في نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة والتي عبّرت عن الرغبة بالتغيير واحداث الإصلاحات ومعالجة المشكلات الرئيسة، وتجاوز حالة الأزمة السياسية المهيمنة على البلاد منذ عام 2011.وأكدت الحركة استياءها من توزير عناصر تأزيمية واشخاص تدور حولهم ملاحظات سلبية.كما أكدت أسفها لتجاهل خطاب رئيس مجلس الوزراء لمطالب تحقيق الانفراج السياسي في البلاد، والتي تتمثل بالعفو عن المحكومين في قضايا الرأي والتجمعات والقضايا السياسية، وإلغاء وتعديل القوانين المقيدة للحريات، كما أعربت عن امتعاضها من استمرار النظام الانتخابي “الصوت الواحد المجزوء” الفاسد.وارتأت الحركة أن الخطاب تعمد تجاهل مطالب شعبية اقتصادية واجتماعية جوهرية، منها إلزام القطاع الخاص بتمويل الميزانية عبر الضريبة على أرباح الشركات والضريبة التصاعدية على الدخول الكبيرة، ومشكلات المقترضين، أما في الجانب الاجتماعي فقد غاب عن الخطاب مشاكل الكويتيين “البدون” والكويتيات المتزوجات من غير كويتيين.ودعت الحركة النواب الإصلاحيين والمعارضين لتفعيل دور الرأي العام الشعبي والعمل على تعبئته والاستناد اليه والتعاون مع التيارات السياسية الإصلاحية والمعارضة خارج المجلس على مستوى الرقابة البرلمانية او العمل التشريعي لإقرار قوانين جديدة إصلاحية ديمقراطية او تعديلها. كما دعت الحركة الى الالتزام بالرسالة الشعبية الواضحة عبر نتائج الانتخابات بتطهير مؤسسات وأجهزة الدولة من العناصر الفاسدة، ووقف القرارات الجائرة بسحب الجنسية لأسباب سياسية، والتخلي عن الوجهة وحيدة الجانب في معالجة عجز الميزانية المسماة “وثيقة الإصلاح المالي، من خلال معالجات توقف الهدر والتنفيع والفساد، وتحد من المبالغة في تسعير المناقصات والعقود الحكومية، وتحافظ على مكتسبات الفئات الشعبية عند ترشيد الانفاق وألا تطال بنود الانفاق الاجتماعي الضرورية”.وطالبت الحركة بتنظيم الحياة السياسية عبر قانون ديمقراطي لإشهار الجماعات السياسية على أسس وطنية، ومعالجة الخلل في التركيبة السكانية المتمثلة في الانخفاض المريع لنسبة المواطنين الكويتيين الى اجمالي عدد السكان من خلال التشجيع على إحلال العمالة الوطنية بدل الوافدة في مختلف القطاعات، وإلغاء مظاهر التمييز ضد المرأة.