تزداد الأوضاع الاقتصادية قسوة على الشعب الأردني في ظل توسع بؤر الفقر والعوز الاقتصادي وانتشار البطالة وتضاؤل الأمل في إيجاد فرص عمل توفر عيشاً كريماً للمواطن الأردني، وانتشار الفساد.وكشف استفتاء أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، نهاية العام المنصرم، أن 45 % من المواطنين الأردنيين يراودهم حلم الهجرة الى خارج الأردن بحثاً عن فرص عيش أفضل، وأشارت تقارير دولية أن ظاهرة الفقر في الأردن قد توسعت خلال وباء كورونا، حيث أكد استطلاع أجرته منظمات دولية أن 78 % من الأسر الأردنية المستطلعة آراؤها كشفت ان مدخراتها المالية لا تكفيها لمدة أسبوعين في ظل حظر التجول وأوامر الدفاع وفقاً لاستطلاع أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وبرنامج التغذية العالمي (الفاو).وقدر البنك الدولي عدد المغتربين الأردنيين في عام 2013 بحوالي 782 ألف شخص موزعين على 76 دولة، وقد ازدادت نسبة الأردنيين المهاجرين للخارج في أعقاب نكسة اقتصادية أعقبت مرحلة انتعاش تمثلت بقيام نهضة صناعية في الثمانينات تمثلت في انشاء مصانع وطنية، كمصنع الزجاج الأردني وتطوير مصنع البوتاس، وغيرها، الا أن استشراء الفساد وبرامج التصحيح الاقتصادي التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الأردن والتي أدت الى تقلص حجم القطاع الحكومي وبيع استثمارات الدولة لصالح القطاع الخاص المحلي، والاجنبي وفق اتفاقيات خاصة، مما أدت الى ارتفاع الأسعار، إضافة الى الضرائب المتلاحقة التي تفرضها الدولة على المواطنين مما نجم عنه توسع بؤر الفقر، وضعف القدرات الشرائية للمواطنين، ودفعهم للهجرة الى الخارج.وقد تم إحلال العمالة الوافدة في مكان العمالة الوطنية، وفاقم الوضع صعوبة موجات النزوح المتواصلة على الأردن، حيث بلغت نسبة المهاجرين الى الأردن وفق مركز بيو في العام 2014 حوالي 41 % من نسبة السكان، وأشارت تقارير حديثة الى أن المهاجرين الأردنيين الى خارج وطنهم بات اليوم يتراوح بين 786 ألف مغترب أردني – مليون مغترب، من أكثر من (70) دولة، منهم 79.5 % في دول الخليج العربي و11% في أمريكا وكندا و3.4 % في أوروبا و3 % في دول أخرى.وأكد الاستطلاع الذي اجراه مركز الدراسات الاستراتيجية من الجامعة الأردنية، ان الأردن بنسبة 45 % من الحالمين بالهجرة، يحتل المرتبة الثانية بين الدول العربية في الرغبة بها بعد السودان الذي بلغت نسبة الحالمين بالهجرة منه 50 %.
الضمانات الرئيسة لموسم زراعي جيد التحديث والدعم الحكومي والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة
حاتم تقي الدينفي استشراف للمستقبل وتوقع للأزمات والاستعداد لها خلال أزمة الكورونا وما بعدها، تتصدر طروحات الركود أو ما يسمى بالانكماش الاقتصادي، الذي بدأت تداعياته وارتداداته تضرب في مختلف نواحي حياة المواطن الأردني. إذ أنه من المتوقع في المستقبل القريب أن ينضم الآلاف الى فئة المتعطلين عن العمل والإنتاج مما يعني اتساع دوائر الفقر وزيادة في اعداد المحتاجين للمساعدة وفي مقدمة هذا وذاك هناك قراءة مبكرة لمرحلة قادمة تتصدرها أزمة الغذاء عالميا ومحلياً لتهدد بالجوع آلاف المواطنين والمزارعين سواءً بسواء.والملفت للنظر أن عدداً من المسؤولين وعلى أعلى المستويات وكأن الدنيا “قمرة وربيع” يتسابقون في طروحاتهم الطوباوية لمعالجة الوضع ظناً منهم أنه من الممكن أن يصبح الأردن “مركزاً اقليمياً للغذاء” وذلك بمفهوم لنجعل الأردن يأكل مما يزرع ويستخدم الفائض لتأمين ما لا ينتج محليا وكأننا قطعنا شوطاً كبيراً في معالجة اختلالات القطاع الزراعي.الا أننا وبنفس المفهوم نعلم بأن هذه النبوءة لا يمكن أن تتحقق الا إذا منعنا استيراد ما هب ودب وحجرنا على تعليمات منظمة التجارة الدولية، المعلم و”الماسترو” في فتح وتطبيق نهج الأسواق المفتوحة بين البلدان والسماح بالاستيراد وانسياب السلع… وللعلم وفي هذا السياق فان الأردن استورد مواد غذائية خلال أزمة الكورونا بما قيمته 1.5 مليار دولار ومنها الزيوت والأرز والسكر والبقوليات واللحوم والمعلبات وغيرها، كما قامت الدولة بتأمين وتسهيل القروض لمستوردي المواد الغذائية من البنوك التجارية وبدون أي ضمانات في حين أن المزارعين يعانون الأمرين للحصول على القروض علماً بأن المزارع والأرض هما “المخزون الاستراتيجي الحقيقي للغذاء”.وعودة الى قصة مركزاً اقليمياً للغذاء: فانه الحلم الذي نرغب فيه ونتمناه ويوماً ما سيتحقق بقدر ابتعادنا ما أمكن عن مخططات وطروحات البنك الدولي وبرامج الخصخصة وتحللنا من قيود اتفاقية التجارة الحرة وبرامج التصحيح الاقتصادي ومتوالياته الهندسية التي أفضت لبيع كافة المرافق الضرورية للقطاع من هناجر ومحطات تعبئة وتدريج وعيادات بيطرية ومصانع وشركات حكومية كانت فيما مضى تشكل مظلة لهذا القطاع. وعودة الى العنوان ما هو المطلوب من الموسم الزراعي الجديد؟! فالمطالب لا حصر لها ولا حدود في قطاع الزراعة لأن كل مفاصل هذا القطاع أصابها الوهن والضعف والتراجع في أداء وظائفها المعهودة:– فالزراعة عموماً عمادها الانسان الذي ما عاد قوياً مادياً وجسدياً للقيام بكافة الأنشطة المطلوبة بدءاً من الحراثة وتحضير الأرض للبذار والزراعة والسقاية والرش والقطف والتدريج والتغليف والنقل من باب المزرعة للأسواق المركزية جميعها شكلت هذه الأنشطة وبكل أعبائها وتبعاتها حملاً أثقل كاهل المزارع، وهذا حمل لا يقوى عليه منفرداً في ظل غياب الجمعيات والجمعيات التعاونية وغيرها من تنظيمات العمل الجماعي. فمحطات الميكنة الزراعية المزودة بمختلف الآلات والمعدات والجرافات تساهم في تحريك وتسهيل العمليات الزراعية وهي مطلب هام وضروري للقطاع في مختلف مناطق الاغوار والمحافظات. وفي هذا السياق نود أن نذكر المسؤولين بأن الحكومة اليابانية وفي منتصف ثمانينات القرن الماضي قدمت منحة للأردن بعشرات الملايين من الآلات والمعدات الزراعية وعوضاً عن استخدامها في فتح محطات ميكنة زراعية علاها الصدأ وبيع ما تبقى منها بأقل الأسعار وأبخسها. إن محطات الميكنة الزراعية كانت وما زالت مطلباً هاماً للمزارعين فماذا أعددنا…لعل وعسى! – أما المياه وفي ظل وضع مائي هو الأفقر عالمياً وأمام توقع وزحف عمراني غير مسبوق خلال العقود الأخيرة على الأراضي الزراعية رافقه عجز فاضح في شبكات الصرف الصحي ومعالجة المياه العادمة، إذ أن غالبية أحياء مدن الأردن كعمان والزرقاء واربد والمفرق والكرك وغيرها ما زالت تتعامل مع استخدام الجور الامتصاصية، وعلى ما يبدو أن هذا الوضع سيطول وسنفقد معه ملايين من المياه التي يمكن معالجتها لترفد قطاع الزراعة بحاجته منها. أين مليارات ولا أقول ملايين المنح الألمانية وعلى مدى أكثر من أربعة عقود قدمت للأردن؟! كأن الأمر بدأ وانتهى بـ “الخربة السمراء”. – أما الكهرباء وعلى لسان مدير مؤسسة الإقراض الزراعي فان استخدام الطاقة الشمسية في المزارع سيؤدي الى تخفيض ما مقداره 25 الى 30% من الكلف التشغيلية للمزارعين، وفي نفس السياق تظهر المعلومات ومن نفس المصدر أنه ومنذ عام 2014 استفاد 140 مزارعاً فقط من هذه التقنية في حين أن هناك الآلاف والآلاف بأمس الحاجة الى الطاقة الشمسية. فالمدخل لاستخدام الطاقة الشمسية ليس منوطاً بقروض المؤسسة فقط لا بل على وزارة الطاقة والثروة المعدنية مهام كبيرة للترويج والتأهيل للمزارعين والمزارع لاستخدام هذه التقنية. – مدخلات الإنتاج: فالبذور والأسمدة والمبيدات تشكل معاناة كبيرة للمزارعين من حيث أسعارها وجودتها أو الحصول عليها، إذ لا تتوفر السيولة النقدية مع المزارع الأمر الذي يضعه تحت رحمة التجار والكوموسينجية وتجار السوق المركزي والشركات الزراعية. ففي سنوات بعينها أو فصول زراعية بحد ذاتها لا بد أن تتدخل الدولة بأجهزتها المعنية لتسهيل حصول المزارعين على مدخلات الإنتاج الرئيسة التي أشرنا اليها.– المعابر والحدود وانسياب السلع: ان معالجة انسياب السلع وخصوصا الخضار والفواكه عبر الحدود والمعابر لا يقل أهمية عن كافة ما ذكر سابقاً. فالمعابر والحدود وانسياب الخضار والفواكه الأردنية لدول الجوار عموما والسوق السوري خصوصاً كانت وما زالت عرضة لبارومتر التجاذبات والعلاقات السياسية في كثير من الأحيان. وأخيراً توّجها المسؤولون الأمريكان: إياكم… إياكم…لانسياب السلع بما فيها الخضار والفواكه من الأردن للسوق السوري أو العكس. وللعلم فان السوق السوري كان يستوعب 50 % من انتاج وادي الأردن، هذا الوادي الذي ينتج ويصدر ما بين 2000 – 2500 طن خضار وفواكه يومياً خلال الموسم الذي يمتد من تشرين أول ولغاية شهر أيار. وأن 8200 براد لنقل الخضار والفواكه الأردنية ما زالت متوقفة عن العمل ومنذ سنوات نتيجة لبارومتر التجاذبات والعلاقات السياسية وأوامر “العم سام”. لماذا هذا السوق وغيره ما زال مغلقا؟! يتساءل المواطن والمزارع سواءً بسواء. – الاستراتيجيات: وعلى هامش الاستراتيجيات الوطنية الزراعية فقد أوسعتنا الحكومات جميعها جلداً وضرباً ووعداً ومنذ عقود باستراتيجية تلو الأخرى، وأخرها الاستراتيجية الزراعية ولغاية عام 2025 التي وصفها خبراء في القطاع “من أنها لا تتوافق مع رؤى القطاع والأمن الغذائي”. في الوقت الذي أكد فيه نائب رئيس وزراء ترك الحكومة مؤخراً وفي مقال له في جريدة الرأي حول “الإدارة المالية للدولة والحوار الوطني المطلوب لتحسينها” أن القطاع الزراعي وعلى مدى عقود في تراجع مستمر. فالقطاع بحاجة الى أفعال تعيد له موقعه الطليعي وكفى تنظيراً تحت مسمى الاستراتيجيات ملأنا بها الرفوف والأدراج ليعلوها الغبار واحدة تلو الأخرى.
انخفاض سقف الحريات يعمق الأزمة العامة في البلاد!
هناك إقرار شامل على المستويين الشعبي والرسمي ان البلاد كانت تخضع لأزمة عامة اقتصادية واجتماعية وسياسية. وجاءت جائحة كورونا لتعمق الأزمة وتعطيها أبعاداً جديدة شديدة الخطورة. وأصبح مطلوباً تأمين أوسع تكاثف شعبي ورسمي للتصدي للمهام الجديدة ووضع السياسات والخطط لمختلف القطاعات والأوضاع لمواجهة التداعيات الكارثية للزلزال الجديد. لقد ألحقت جائحة كورونا خسائر كبيرة في اقتصاد البلاد مما ساهم في زيادة وتعميق الصعوبات الاجتماعية والسياسية. إذ يقدر أن يتراجع معدل النمو بما يزيد عن 4%هذا في الوقت الذي يقدر أن يبلغ معدل البطالة ما يزيد عن 30 % جنباً الى جنب مع زيادة معدل الفقر وتحديداً معدل الفقر المدقع. ولا يتوقف الأمر عند زيادة البطالة جراء التراجع الاقتصادي في البلاد، بل يتوقع عودة آلاف العاملين الأردنيين في الخارج وخاصة في الدول الخليجية. ودخلت البلد في حالة من الكساد الاقتصادي غير المسبوق. وأصيبت قطاعات محددة بضربات موجعة وفي مقدمتها قطاع السياحة وقطاع النقل والعديد من فروع التجارة وقطاع الانشاءات وبناء الشقق السكنية وغيرها. وأصبحت آلاف العائلات بدون دخل لأن معيليها يعملون في القطاع غير النظامي، والذين توقفوا عن العمل. وهكذا اشتدت الأزمة المعيشية وتزايد معدل الفقر بشكل ملحوظ. فقد آلاف العمال أعمالهم مع تراجع واضح في الأجور للعاملين تزيد احياناً عن 50 % من الأجر. وبجانب هذه القضايا وغيرها ارتفعت المديونية العامة وتقدر بما يزيد عن 105 % من الناتج المحلي الإجمالي. الأزمة الاقتصادية العميقة وتداعياتها الاجتماعية والسياسية أصبحت تستدعي جهداً استثنائياً لعودة الحياة الى حالتها الطبيعية، ولذلك اشتدت الدعوات لتشكيل لجنة وطنية واسعة تشمل الخبراء وأصحاب الكفاءة من مختلف القطاعات لتدارس هذه الحالة ووضع المقترحات لمعالجتها، جنباً الى جنب مع ضرورة اطلاع الشعب على تفاصيل الحالة السائدة لضمان ردات الفعل الإيجابية وتحقيق أوسع اشكال التماسك الوطني، هذه الدعوة أهملت رغم أهميتها وأصبح المواطنون نهباً للشائعات، علماً أن الوضع المعيشي سهل الاستجابة لذلك. وهنا اشتد اللجوء الى الإجراءات الأمنية للتصدي للتداعيات المختلفة لا سيما السلبية منها. ولا شك أن قضية نقابة المعلمين قد أعلنت حالة من الإجراءات الأمنية مع تغييب واضح للعدالة في الإجراءات، الأمر الذي قاد بالضرورة الى تخفيض سقف الحريات العامة، وفجر حراكاَ شعبياً واسعاً. والأن نقف أمام استحقاق دستوري وهو اجراء الانتخابات النيابية. ويتم التحضير لهذا الحدث الهام في حياة البلاد في ظل الإجراءات المتخذة بسبب جائحة كورونا، حيث لا يجوز تجمع أكثر من عشرين شخصاً مع وجوب لباس الكمامة والحفاظ على التباعد الجسدي، الأمر الذي يكشف صعوبة بل غياب الدعاية الانتخابية ويفسح المجال رحباً امام المال الأسود في ظل الظروف المعيشية الصعبة واتساع التحضير لقوائم “الحشوات” المتوفرة الشروط لتكوينها. والأهم من كل هذا أنه في الوقت الذي يمنع تجمع أكثر من عشرين شخصاً فانه تجري اجتماعات عشائرية يحضرها المئات بل الألوف أحياناً لانتخاب مرشحي العشائر، الأمر المخالف لأوامر الدفاع ويعزز في ذات الوقت الترشح بعيداً عن القوائم الحزبية مع تخفيض دور المرأة. هذه الانتخابات العشائرية هي ثمرة قانون الصوت الواحد ولا تنسجم مع تعزيز مبدأ دولة المؤسسات والقانون، علماً ان قانون القائمة النسبية المفتوحة لم يخلق حالة ديمقراطية حقيقية بل رسخ الفردية وفسح المجال للجوء المكشوف لنظام الحشوات، وان الاتجاهات تذهب لمرشح وحيد في القائمة وليس للقائمة كاملة. لقد كان الأولى مراجعة قانون الانتخاب وإدخال التعديلات الضرورية لجعله قانوناً يفرز مجلساً نيابياً فعالاً في مجال الرقابة والتشريع ويمثل حقيقة توجهات الجماهير الشعبية وليس الكتل العشائرية. والغريب في الأمر انه لا يسمح لاجتماع المئات بل الآلاف للانتخابات العشائرية امام حضور ورقابة الجهات الرسمية!. وفي حين تركز الدعاية الرسمية على ضرورة الاهتمام بالشباب والنساء والاهتمام بالبرامج الخاصة بالمرشحين والتي تسمح بتكوين الكتل داخل البرلمان، فان السلسلة المكشوفة من الإجراءات تذهب علناً عكس هذه التوجهات ويضاف كل ذلك الهجوم المكشوف على الأحزاب وعلى الحياة السياسية في البلاد. ويتجلى ذلك في قانون تمويل الأحزاب الذي أعيد النظر به بمناسبة الانتخابات النيابية. فالقانون يضع حدوداً وسقوفاً للتمويل لا يوجد لها شبيه في جميع ارجاء العالم. ويقيد القانون حركة الأحزاب ونشاطها ويلزمها بحدود وأعداد محددة للترشح في الانتخابات. بينما لا توجد إمكانية للدعاية الانتخابية وللتجمعات من أجل هذا الهدف، ومن أجل برامج الأحزاب والحوار حولها مع الجمهور. هذه العوائق الكثيرة في حياة البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تضع الجميع أمام مسؤوليات صعبة، خاصة في ظل حملات الاعتقال التي شملت وتشمل العشرات في تناقض مع قوانين حقوق الانسان والقوانين الأردنية الناظمة للحياة العامة. علماً ان بعض هذه الإجراءات قديم وبعضها الآخر جديد. ورغم كل ذلك فقد قرر حزبنا خوض الانتخابات النيابية ليس لتأييد قانون الانتخاب والإجراءات المجافية للمنطق والحياة الديمقراطية، بل من أجل النضال ضد هذه الإجراءات ومن اجل إقرار قوانين بناء الحياة المؤسسية الديمقراطية. وان مقاطعة الانتخابات كما يطالب البعض تعني من حيث المبدأ تغييب الرؤية الوطنية لبناء الحياة السياسية. ونحن نعلم انه في جميع حالات مقاطعة الانتخابات كان يتم التعامل مع البرلمان المقاطع باعتباره البرلمان الدستوري في البلاد.
مقاطعة الانتخابات… انتكاسة للجهد التوعوي لليسار
تتفرد الانتخابات للمجلس النيابي التاسع عشر عن سواها من الانتخابات التي جرت للمجالس النيابية السابقة بتعقيدات تفرضها جائحة كورونا تضفي على المشهد الانتخابي أجواء غير مألوفة لا أحد يملك على وجه اليقين تقديراً حقيقياً لمدى التأثير الذي ستتركه على سير العملية الانتخابية، وخاصة على تمكين المرشحين الجادين، وبصفة خاصة مرشحي الأحزاب السياسية من التواصل مع ناخبيهم، ومن عرض برامجهم الانتخابية على أوسع قاعدة شعبية مع مراعاة البروتوكولات الصحية، ومنها التباعد الجسدي ومحدودية العدد الذي يسمح بتواجده في اللقاءات الانتخابية.وحتى لو تمكنت الأحزاب من إعداد تطبيقات على مواقع التواصل الاجتماعي لعرض برامجها الانتخابية، فان هذ التطبيقات لن تغني عن التواصل والحوار المباشرين مع الناخبين، وخاصة أن هناك قطاعاً من هؤلاء الناخبين لا يتعاطى مع مواقع التواصل الاجتماعي وليس لديه أدنى فكرة عن كيفية استخدامها والتعامل معها.كما أن أحداً لا يستطيع التكهن منذ الآن الى أي مدى ستكون الإجراءات التي سيتم العمل بها في يوم الاقتراع سلسة، ولا يحتاج الناخب الى الانتظار فترة طويلة للإدلاء بصوته. وإذا ما تبين ان الإجراءات معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً، فان هذا الوضع سيؤدي الى عزوف المترددين أصلاً عن التوجه الى مراكز الاقتراع، وسيضعف من حجم المشاركة في عملية الاقتراع.هذه المخاوف تثار ليس من قبيل التشكيك في دقة ومصداقية الاستعدادات التي تتحدث عنها الهيئة المستقلة للانتخابات، بل انطلاقاً من غياب سابقة، تم خلالها امتحان مدى نجاعة الإجراءات التي سيتم تطبيقها، ومن الخشية في أن الإصرار على اجراء الانتخابات، رغم الظروف الوبائية، يدفع الهيئة المستقلة للمبالغة في قدراتها على تطبيق السيناريوهات الموضوعة، والتي قد لا تلحظ تطور الحالة الوبائية، ومدى ما ستتركه من تأثيرات سلبية على النفسية الاجتماعية وعلى استعدادات الناس لحضور اللقاءات الانتخابية ولممارسة حقهم وواجبهم في الاقتراع بعد الاطلاع على برامج المرشحين، لا سيما مرشحي الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية المستقلة، الذين يخوضون الانتخابات انطلاقاً من خلفية سياسية بعيدة عن أي اعتبارات عشائرية أو فئوية أو جهوية. وبالتالي فان رهان هؤلاء المرشحين هو على استنهاض حالة شعبية تدعم البرنامج الذي يخوضون الانتخابات على أساسه، والذي سيتم الالتزام به في حال فوزهم ووصولهم الى البرلمان بفضل الدعم الواسع من مختلف الفئات الاجتماعية الشعبية التي تراجعت ثقتها في قدرة المجلس النيابي على تجسيد مصالحها والدفاع عن حقوقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.ندرك أن الطريق المفضي لاستنهاض حالة شعبية قادرة على إيصال مرشحين ملتزمين جدياً بمصالح شعبنا الأردني، لا سيما طبقاته وشرائحه وفئاته الاجتماعية الكادحة والفقيرة والمهمشة، لا زال غير معبد وتعترضه العديد من العوائق التي يحتاج اجتيازها لجهود جماعية كبيرة قد لا تمتلكها الأحزاب اليسارية والقومية التي أعلنت مجتمعة عن نيتها في خوض الانتخابات.وهذه العوائق لا تتعلق فقط بقانون الانتخابات ولا بالأجواء السياسية غير المواتية المتولدة عن نهج السلطة واجراءاتها، وخاصة مواصلة سياسة التضييق على الحريات الديمقراطية والعامة، والتوسع في تطبيق أوامر الدفاع وفي استخدام قانون الجرائم الالكترونية لخنق حرية التعبير عن الرأي، وتعطيل حق أساسي للناس في انتقاد السياسات العامة بقصد الكشف عن مواطن القصور والاخطاء ومطالبة المسؤولين وحثهم على تصويبها، بل تتعلق هذه العوائق أيضاً، وبالإضافة الى ما ذكر، بقيام قوى وشخصيات سياسية ومثقفين ينتمون الى التيار اليساري – القومي العريض بشن حملة إعلامية لمقاطعة الانتخابات وتوجيه اتهامات ظالمة للأحزاب اليسارية والقومية من دون الأخذ بالاعتبار أن هذه الحملة لا تخدم سوى القوى والدوائر التي تعمل على اقصاء أحزاب وقوى وشخصيات المعارضة الوطنية عن البرلمان، وتسّهل على مرشحيها – هذه القوى والدوائر – خوض الانتخابات دون منافسة حقيقية وجدية، مع مرشحين ملتزمين بالبرنامج البديل.ويغيب عن بال الداعين للمقاطعة أن عزوفهم عن المشاركة في الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً والاكتفاء بالمتابعة والمراقبة وبالنأي عن المشاركة الفاعلة والمؤثرة في ظل غياب آلية كفاحية بديلة عن خوض النضال لتعميق الوعي بالبرنامج البديل، وزيادة الالتفاف الشعبي حوله، والعمل بصيغة عملية على تعديل موازين القوى بين التحالف الطبقي الحاكم والتحالف الشعبي قيد التشكيل، مثل هذا الموقف لا يعدو كونه ضرباً من ضروب العدمية السياسية التي لم تكن يوماً واردة في قاموس التيارات اليسارية المنخرطة قولاً وفعلاً في عملية التغيير الجذري والشامل.لقد شارك حزبنا الشيوعي في انتخابات جرت في مطلع الخمسينات في ظروف سياسية أكثر قساوة، وخاضها رغم كل التوقعات بأن الحكومة ستلجأ الى التزوير. وعندما زُورت الانتخابات لم يتوان عن النزول الى الشارع وفضح عملية التزوير والدعوة الى حل البرلمان المزور والمطالبة بانتخابات جديدة…ونجح.ليس لدينا أي مبالغة في تقدير امكاناتنا وقدراتنا. وفي تقديرنا أنه حتى لو تم تحقيق أوسع التفات سياسي حول مرشحي الأحزاب والقوى والشخصيات اليسارية والقومية، فانها بالكاد تستطيع استنهاض قطاع من الجماهير الشعبية التي تعاني اقسام ليست قليلة منها الإحباط واليأس من إمكانية التغيير عبر الانتخابات، وتزعزت قناعتها بالديمقراطية وباتت أكثر ميلاً لتقبل الشعارات الشعبوية.فما بالك إذا انحازت شريحة من المثقفين والسياسيين اليساريين والقوميين الى فئة الداعين والمروجين والمسوقين لمقاطعة الانتخابات. والأخطر من كل ذلك، أنه في حين تستطيع القوى القريبة من السلطة، والتيار الإسلامي والقوى العشائرية والفئوية والجهوية من حشد جل قواها وامكاناتها ورجالاتها خلف مرشحيها، وايصالهم الى البرلمان بشتى الطرق، يبدو التيار اليساري – القومي منقسماً على ذاته، غارقاً في خلافاته، وسجالاته، بما يسهل مهمة خصومه في اقصاء قاعدة شعبية عن المشاركة في الانتخابات. وبعد صدور النتائج يشرع هؤلاء الخصوم في توجيه الاتهامات للتيار اليساري القومي ومرشحيه بالعجز وغياب التأييد الشعبي، دون أن يلتفت أحد منهم أو يأخذ بالحسبان الدور الذي اضطلع به اهل اليسار أنفسهم في بلوغ هذه النتيجة التي تعكس بصورة مضللة مدى شعبية اليسار والتفاف الناس حول برامجه وشعاراته ومواقفه.لا زال هناك وقت، لأن يعيد المقاطعون من أهل اليسار النظر في موقفهم من الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، وان يسارعوا الى التلاقي والحوار مع رفاقهم المشاركين في الانتخابات للتباحث في تشكيل قوائم “اليسارية – القومية” وفي صياغة برنامجها الانتخابي، والاعداد جيداً لحملة الدعاية الانتخابية عبر التواصل المباشر مع الجماهير او عبر مواقع التواصل الاجتماعي، علنا ننجح سوّية في احداث ثغرة في جدار الصد الذي تقف خلفه قوى محافظة متنفذة في الدولة والمجتمع.
حرية التعبير حق يكفله الدستور الجميع دون تمييز
استجابة لنداءات نسوية وشبابية إثر الجريمة البشعة بحق الفتاة أحلام، هذه الجريمة التي فجرت تراكمات مختزنة لجرائم أخرى عديدة هزت الضمير الإنساني للمجتمع ممن تعالوا على التعصب والانغلاق بكافة اشكاله لتنفيذ وقفتين احتجاجيتين، الأولى امام رئاسة الوزراء والثانية امام البرلمان للتعبير عن رفض مبدأ قتل النساء والعنف الاسري الموجه ضدهن. وقد ركزت مطالب المشاركات والمشاركين على انتقاد ضعف نظم حماية النساء وضرورة تغيير القوانين والتشريعات التي تفسح مجالاً للقتلة إما بإسقاط الحق الشخصي او الحكم المخفف.وكالعادة انبرى من يتصدى منتقداً وأحياناً غاضباً وشاتماً لهذا التحرك فهؤلاء درجوا على مقاومة أي حركة حتى الطبيعية لتطور المجتمع بتأثير التقدم العلمي وانفتاح العالم على بعضه معلوماتياً وفي الاتصالات والمواصلات متسترين حيناً باسم الدين، وأحياناً بدعوى المحافظة على التقاليد والعادات والقيم والبعض منهم صب جام غضبه على العولمة وتأثيراتها علماً ان هؤلاء لا يترددون في الإنفاق على أدوات العولمة الاستهلاكية وغيرها. والبعض انتقد ملابس المشاركات وهؤلاء نذكرهم أن هذا كان لباس نساءنا وبناتنا وأمهاتنا وطالباتنا في المدارس في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حيث كان الالتزام بالعادات والتقاليد أكثر. كما كان تأثير القبيلة والعائلة أقوى بكثير مما هو عليه الآن. كما نذكر هؤلاء أن الاتهام بتقليد المرأة الأوروبية أن هذه المرأة حصلت على ما تتمتع به من مساحة واسعة للحرية إثر نضالات وطريق طويل من التضحيات بداية رفضاً لحزام العفة مروراً بتسليع المرأة ولم تبخل هؤلاء النساء من التضحية بأرواحهن بالموت حرقاً في الساحات العامة. كل هذا تعبيداً لطريق الحرية.أما الغضب على الشعار الذي انتقد السلطة الأبوية فهو ناتج اما عن الجهل بمفهوم السلطة الأبوية أو تم ذلك انقياداً لبعض العارفين الخبثاء الذين يعرفون تماماً ان المقصود بالسلطة الأبوية هو السلطة الذكورية التي تطوع المنظومة الاجتماعية والقانونية والسياسية والاقتصادية لخدمة مصالحهم فهي تعني الديكتاتور الذي ينصب نفسه أباً للشعب يفرض رأيه وما عليهم سوى الانقياد والطاعة، كما يعني المدير المتسلط فهذه السلطة الأبوية تتيح حتى للأبن المراهق الذي لم يتجاوز الخامسة او السادسة عشرة من التحكم في أخته، وحتى أمه وكل أنثى في العائلة حتى لو كانت أكبر منه سناً وأكثر منه تعليماً وثقافة. وتحت هذه السلطة أصبحنا اليوم على جريمة قتل طفل لوالدته بعد أن طعنها 30 طعنة نجلاء، وقبلها نذكر الشاب المراهق الذي قطع رأس والدته ورفعه متباهياً من على الشرفة. وتحت هذه السلطة ايضاً زوج يلقي بزوجته من الطابق السابع إثر اصابتها بالكورونا، وآخر ينشرها على حبل الغسيل لينقطع بها وتسقط ميتة من الطابق السادس وغيرها وغيرها الكثير..نقدر تفاعل رئيس الوزراء مباشرة مع القضية وتعهده بمراجعة كافة الإجراءات والأدوار بالتعاون مع المجلس الوطني لشؤون الاسرة ونقدر لمدير الأمن العام إعادة هيكلة إدارة حماية الأسرة وتوسيع اختصاصاتها لتشمل كافة الجوانب الأسرية المتعلقة بحماية المرأة والطفل، والأهم حماية النفس البشرية مهما كان جنسها ومنع التعدي عليها او تعريضها للقتل او للإيذاء تحت أي ذريعة آملين أن تكون هذه الإجراءات دائمة ومستمرة لا أن تأتي امتصاصاً للغضب.