العمليات الأربع التي نفذها شباب فلسطينيون في الأسابيع الأخيرة تكشف حالة الغضب المتصاعدة لدى شباب فلسطينيين في العمق الفلسطيني والاراضي المحتلة على سياسة التمييز العنصري التي يمارسها الاحتلال الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، والبيئة التي خلقها الاحتلال عبر ممارساته اليومية ضد عمال فلسطينيين يعملون خلف الخط الأخضر، وتشكل رسالة للسلطة الفلسطينية وللدول العربية التي انتهجت التطبيع بأن السلام الاستقرار لا تصنعه اتفاقياتهم المذلة للعرب، بل تمكين الفلسطينيين من نيل حقوقهم المشروعة بإقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف والوقف الفوري لوتائر الاستيطان والتهويد المتسارعة.لقد أثبتت هذه العمليات فشل الأجهزة الأمنية الصهيونية وأكدت أن التنسيق الأمني الذي مضى عليه 17 عاما بين اسرائيل السلطة الفلسطينية والذي صيغ برعاية أمريكية وتكرس في مارس 2005 من خلال اتفاقية دايتون لم تهب الكيان الصهيوني سياجا يقيها من العمليات الاستشهادية، اذ ان للسلام الحقيقي شروطه التي تقوم على التكافؤ والاعتراف المتبادل بحقوق كل من الاطراف المتصارعة، وهو ما يحاول الكيان الصهيوني إنكاره وتجاهله الاستخفاف به.لقد مرت الشهر الماضي ذكرى التوقيع على اتفاقية دايتون للتنسق الأمني، وجاءت العمليات التي نفذها الشباب الفلسطيني لتؤكد ان تلك الاتفاقيات مجرد حبر على ورق ولا تساوي الحبر الفاخر الذي وقعت به، ولن ينال الكيان الصهيوني الأمن والسلام دون الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
الشيوعي الفنزويلي يرفض الانحراف اليميني للنظام الحاكم
أصدر الحزب الشيوعي الفنزويلي بياناً موجهاً إلى الرئيس نيكولاس مادورو أدان فيه الانحراف اليميني للنظام الحاكم، مؤكداً على ضرورة العودة إلى نهج الرئيس تشافيز، قائلاً إن “نضالنا هو من أجل انتصار الوحدة الشعبية الثورية”، وحذر من محاولات قمع وملاحقة الشيوعيين من قبل التحالف الأوليغارشي الحاكم. وفيما يلي ملخص البيان: إننا في الحزب الشيوعي الفنزويلي، انطلاقاً من استقلاليتنا ايديولوجياً وسياسياً وتنظيمياً، عقدنا العزم على الاستمرار في مواجهة الحملة العدوانية الإمبريالية – الأميركية – الأوروبية ضد بلادنا، وكذلك مواجهة السياسات الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس نيكولاس مادورو والتي تخدم مصالح الرأسمال وكبار ملاكي الأراضي وتقدم مكتسبات للرأسمالية المحلية والمتعددة الجنسيات، وكذلك نقف في مواجهة الحملة المركزة التي شنها علينا الرئيس مادورو والتي تتسم بالسخرية والإقصاء، والاستغلال الإعلامي، والتي تطلق علينا لقب “اليسار الذي عفا عليه الزمن” وهي نفس العبارة التي استخدمها من قبله الحكم اليميني البيتانكوري في الستينيات. ولقد قررنا أن لا نكون جزءاً من الاتفاق الأوليغارشي البرجوازي والذي جرى في اجتماع سانتو دومينغو بين الحكومة والمعارضة اليمينية. وقد أثار موقفنا هذا حفيظة الرئيس مادورو الذي اتخذ موقفاً أكثر عداءً يحمل تهديداً لنا كحزب و”للخيار الشعبي الثوريAPR ” والذي يضم أطرافاً يسارية وقد ركز على منع ظهورنا في الإعلام خلال الحملة الانتخابية الماضية، داعياً إلى انتخاب مرشحي الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي وأحزاب المعارضة اليمينية. وأضاف البيان: إن الحزب الشيوعي الفنزويلي الذي تأسس في أذار 1931 بوصفه حزب الطبقة العاملة وطليعته وفي الأممية البروليتارية والتضامن الأممي مع الشعوب يطالب اليوم باستعادة المشروع الأصلي لتشافيز وهو ضد الانحراف إلى اليمين من جانب الطبقة الحاكمة الحالية. إننا نحمل الرئيس مادورو مسؤولية أي اعتداء جسدي او مجتمعي تجاه أعضاء حزبنا واليسار في فنزويلا وأن يحدد إذا ما كانت هذه الاتهامات تشمل الحزب الشيوعي الفنزويلي وأن يقدم أدلة إذا ما كانت لديهم صلات وارتباطات خارجية مشبوهة. نطالب الرئيس مادورو أن يصحح السياسات المتبعة التي تخدم الرأسمال والأوليغارشية القديمة والعودة عن دولرة الاقتصاد وأن يستعيد حقوق الشعب العامل ويعيد للشعب الفنزويلي حقوقه في الحصول على تصحيح الأجور والحصول على التقديمات الاجتماعية والتقاعد وإعادة النظر بوضع المجتمعات الفلاحية واحتياجاتها وعدم التمادي في سياسة اقتصادية ذات طابع ليبرالي برجوازي. ندعو الرئيس مادورو للتخلي عن سياسة الإقصاء وبث روح العداء المناقضة للحقوق الديمقراطية التي يكفلها دستور جمهورية فنزويلا البوليفارية. إننا نحذر من مخططات التآمر لملاحقة الشيوعيين. ونؤكد على استمرار نهجنا وسياستنا المناهضة للإمبريالية ونضالنا الدائم للدفاع عن حقوق عمالنا وفلاحينا وشعبنا الفنزويلي.
اتساع نطاق الاتجار بالبشر في الكيان الصهيوني
المبالغة التي تعمد اليها الطغمة الحاكمة في الكيان الصهيوني عند الحديث عن المخاطر الخارجية التي تتهدد كيانها المحتل والعنصري، سواء تعلق الامر بالقدرات النووية الإيرانية او بالصواريخ الدقيقة التي بات يمتلكها حزب الله في لبنان، او بالقدرات العسكرية المتنامية لفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة المحاصرة، تهدف، في جزء رئيس منها، للتعمية على التناقضات والمشكلات الاجتماعية الحادة التي تتفاعل في المجتمع الصهيوني، والتي مهما حاول قادة إسرائيل اخفائها، أيضا، تحت ستار سحب دخان كثيفة من التحريض العنصري، وإشاعة أجواء من الكراهية ضد الجماهير العربية والشعب الفلسطيني باسره، كما الشعوب العربية، الا انها اتساع نطاقها، وحدتها يجعلها تطفو على السطح بحيث تصبح محاولات اخفائها وطمسها عديمة الجدوى. إن انفجار هذه المشكلات الاجتماعية، ومنها اتساع نطاق ظاهرة الاتجار بالبشر، التي وصفتها هيلا شمير، الكاتبة والبروفيسورة في كلية الحقوق بجامعة “تل أبيب” في مقالة نشرتها في صحيفة “معاريف” بـ “ظاهرة العبودية العصرية”، وتشغيل العمال الأجانب الرجال والنساء في ظروف قاسية، تهبط الى ما دون الحد الأدنى من معايير العمل الدولية، تدحض الفكرة التي دأبت “إسرائيل” في الترويج لها عن نفسها، بأنها “واحة الديمقراطية في صحراء الاستبداد العربية”، وبأنها “دولة الخلاص والرفاهية لجميع يهود العالم”، وبأنها الوحيدة في المنطقة التي تستلهم قيم الحضارة الغربية وتطبقها على أرض الواقع. وقد كشف تقرير حديث نشره موقع “زمن إسرائيل” وترجمه موقع “عربي 21” تجنب الحديث عن مظاهر الاستغلال القاسي الذي يتعرض له العمال الفلسطينيون في سوق العمل الإسرائيلي، واقتصر الحديث فيه عن معاناة العمالة الأجنبية، عن توفر العديد من الشهادات التي تشير الى اجبار العشرات من العاملات الأجنبيات اللواتي وصلن الى “إسرائيل” قبل نحو عام على العمل على مدار الساعة، دون فترات راحة وإجازات، مع تعرضهن للإذلال والجوع، أسفر عن فقدانهن الكثير من أوزانهن، ولم يُسمح لهن بإغلاق غرفهن”، بالرغم من حصولهن على تصاريح عمل. وتضمن التقرير شهادات حية لمحاميات يهوديات أشرن الى تعرض عاملات مهاجرات للتحرش الجنسي من قبل أرباب عملهن الإسرائيليين، واعتبرن ان الحديث عن الجرائم الجنسية لأصحاب العمل الإسرائيليين بات أمرا مخزيا، وأن ظروف العمال الأجانب في إسرائيل تعتبر منصة ملائمة لظروف العبودية، وكورونا جعل ظروفهم أكثر صعوبة. وجاء في حديثهن أيضا أن الأمر يبدأ بالعمولات المرتفعة التي يدفعها العمال لأصحاب العمل مقابل العمل هنا، فالعمل هو ستة أيام في الأسبوع، و24 ساعة في اليوم، وأحياناً يُطلب من الممرضين عدم مغادرة منازل المرضى ودور رعاية المسنين حتى في يوم الإجازة”. ويورد التقرير شواهد عن تعرض العمال الأجانب لعملية خداع متعمدة من قبل ارباب العمل الصهاينة، حيث يتفاجؤوا لدى وصولهم الى “إسرائيل” ان قطاعات العمل التي بانتظارهم غير تلك التي تم تثبيتها في عقود العمل الموقعة معهم، مما يجعلهم عرضة للابتزاز ويضطرهم لقبول العمل في أي مجال وفي ظل ظروف عمل شديدة القسوة. فالممرضات اللواتي قدمن لمكافحة وباء كورونا أصبحن، على حد تعبير الدكتور عدنان أبو عامر الذي عكف على ترجمة التقرير، إماء، وكذلك الرجال الذين يأتون للعمل في قطاع البناء باتوا محتجزون في ظروف عبودية، ويقيمون في ملاجئ لضحايا الاتجار بالبشر. ومع أن ظاهرة الاتجار بالبشر ظاهرة عالمية، الا ما يميز الكيان الصهيوني العنصري أنه دأب على انكار تحولها من مجرد حالة فردية الى ظاهرة، آخذة في الاتساع. فإحدى المحاميات الاسرائيليات أشارت في هذا الصدد الى تلقي المنظمة التي تعمل فيها العديد من الشكاوى من العمال الذين تم توظيفهم في ظروف يرثى لها في إسرائيل. وأفادت بأنه حين يتم الاتصال بالشرطة لمتابعة قضايا الاتجار بالبشر فهي لا تلقي لنا بالاً، رغم أننا نتعامل مع عمال انهاروا جسديًا نتيجة لساعات العمل المتعددة، والظروف الصعبة، والمعيشية السيئة، حتى نصل إلى نقطة تتزايد فيها الجرائم”. وكشفت هذه المحامية أن “إسرائيل لديها اليوم ثلاثة أنواع من ظاهرة الاتجار بالبشر والعبودية، أولها النساء العاملات في مجال الدعارة، وثانيها العمال المهاجرون القادمون من دول أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا، وثالثها طالبو اللجوء من أفريقيا، خاصة من إثيوبيا والسودان وإريتريا، الذين يتم اختطافهم في سيناء، والمطالبة مقابلهم بدفع فدية، ويتم احتجازهم وتعرضهم للتعذيب الجسدي والجنسي والعقلي”. وفي ذات السياق تؤكد البروفيسورة هيلا شمير في مقالتها بأن مساعي الحكومة الاسرائيلية ضئيلة فيما يتعلق بمحاربة الاتجار بالبشر، وتشغيلهم في ظروفٍ تصل إلى العبودية، “والدليل على ذلك، تكليف شرطية واحدة، في شرطة “إسرائيل” برصد ضحايا الاتجار بالبشر، في حين لم يحكم القضاء الإسرائيلي منذ عام 2006م، إلا بإدانة شخصٍ واحد، بتشغيل عمال في ظروف عبودية”. وتضيف أن تجاهل سلطات إنفاذ القانون لظاهرة الاتجار بالبشر، يترافق مع تخلي النقابات العمالية عن دورها المفترض في هذه الإطار. وتؤكد أن “في العالم ثمة تفهم متعاظم لمسؤولية النقابات الكبرى في مواجهة استغلال العمال، يتجلى في تشريع قوانين وإصدار قرارات قضائية، لكن هذا الفهم في “إسرائيل” لم يتسع نطاقه بعد”.
السلام… حرب بين معسكرين
على وقع نتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، تصاعدت الجهود في منطقتنا لإعادة ترتيب بيت “السلام” العربي. لم يكن أشد المتشائمين في معسكر السلام الجديد، يتوقع خسارة ترامب في الانتخابات، وذلك بناء على الوهم العربي التاريخي القائل بأن “إسرائيل” هي من تصنع الرؤساء الأميركيين، وقد كان ترامب من أكثر الرؤساء جرأة في تاريخ التدخل الأميركي في منطقتنا بعد عام 1956، وانتهاء بحقبة الاستعمار القديم. اندفع معسكر السلام الجديد في الطريق التي عبّدها ترامب وأزال منها عوائق القضايا الرئيسية، المتضمنة وضع القدس والحدود في منطقتي غور الأردن والجولان، بحيث يكون الحل القادم اقتصاديا بحتا، دون تغييرات ديمغرافية تذكر تطال إسرائيل نتيجة لهذه الاتفاقيات. وبالطبع رحبت اسرائيل بشدة بهذا الخط التطبيعي الجديد الذي يعفيها من نصوصٍ وشروط، مثل الالتزام بقرارات الأمم المتحدة ووقف بناء المستعمرات وإطلاق سراح الأسرى، وغيرها من الشروط التاريخية لعملية السلام. ومع زوال الشروط التاريخية، غاب مثلث السلام التقليدي والتاريخي: مصر والأردن والسلطة الفلسطينية عن المشهد السياسي. ففي الوقت التي رحبت فيه مصر بالاتفاقيات بشكل مختصر وبعيد عن الأعراس الإعلامية المعتادة، أبدى الأردن موقفا متحفظا جدا تمثل في تمنياته أن تتمكن هذه الاتفاقيات من إرجاع إسرائيل إلى جادة “شروط السلام التاريخية”، أما السلطة الفلسطينية فأخذت موقفا متشنجا وعنيفا وأطلقت تصريحات تتهم المطبعين بخيانة القضية الفلسطينية، وجاءت هذه الخلافات لتتوج التوتر في العلاقات الفلسطينية الخليجية، وبشكل خاص دولة الإمارات التي سبق للسلطة الفلسطينية أن رفضت شحنة مساعدات طبية قدمتها الإمارات عن طريق إسرائيل في حزيران 2020. تعزز الانطباع بأن الخلافات أعمق مما تبدو عليه بعد عقد القمة الثلاثية المصرية– الأردنية– العراقية، حيث عكست تصريحات وزير الخارجية الأردنية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية عمق الخلاف في وجهات النظر بين معسكري “السلام”، إذ صرح قائلا: “أفق السلام لا يزال غائبا وهذا مدعاة لقلق الجميع”. وأضاف: كما جرى في القمة تناول التطورات الخاصة بالقضية الفلسطينية والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإقامة دولته على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، واستمرار دعم جهود التسوية السياسية على أساس المبادرة العربية والحوار والمفاوضات المباشرة بين أطراف الصراع”. بعد هذا التصريح بدت القمة وكأنها إعادة ترتيب لمعسكر السلام القديم في مواجهة المحاولة لتغييب دوره. لكن الرأسمالية قدمت لنا درسا جديدا بإسقاط ترامب وسياساته المحافظة اقتصاديا، واللجوء إلى خيار الديمقراطيين الأكثر توجها نحو التدخل في شؤون العالم، والأكثر انفتاحا على ملفات كثيرة وأهمها ملف التجارة مع الصين، والأزمة مع إيران، والنزاعات في المنطقة العربية وأميركا الجنوبية. هذا الانفتاح لا يعني أن الديمقراطيين أقل خطورة أو شراسة من ترامب، بل لعل العكس أكثر صحة. لكن الرأسمالية الأميركية أطلقت رسالة مفادها أن “أميركا أولا” وأن إسرائيل وغيرها من الحلفاء ليسوا سوى أدوات تُستعمل لتحقيق مصالح الرأسمالية حسب ظروف اللحظة التاريخية، مذكرين بالمقولة التاريخية للرئيس الفرنسي شارل ديغول “ليس للوطن أصدقاء ولكن للوطن مصالح”. مع عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، يعتقد كثيرون أن الأولوية ستكون لعودة المفاوضات حول الاتفاق النووي مع إيران، ومحاولة توسيع بنوده لتشمل الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وبالتالي العودة إلى مسار التفاوض التقليدي الفلسطيني– الإسرائيلي، في محاولة لاسترضاء إيران التي صرحت أكثر من مرة أن اتفاقيات التطبيع الإماراتية البحرينية تشكل تهديدا لأمنها الداخلي. هذه العودة للمفاوضات لا يمكن أن تتم إلا بمشاركة الطرف الفلسطيني، ما يجعل الحضور الأردني مهما في التعامل مع قضايا رئيسية مثل القدس واللاجئين. هنا لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن التغييرات التي أجرتها إسرائيل على الأرض جعلت حل الدولتين أمرا بعيد المنال، مما يزيد من أهمية الدور الأردني في حال أعيد طرح مشروع كونفدرالية الأراضي المقدسة، أو أي حل هجين يخلط بين حل الدولتين والتوطين، وينطوي على مشاركة الأردن في حل مشكلة السكان الفلسطينيين. هذا التغيير المتوقع في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة دفع معسكري “السلام” العربي إلى العمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي لدول السلام من خلال توزيع الأدوار لتحقيق سرعة الإنجاز. فكانت في البداية القمة الثلاثية الإماراتية– البحرينية-الأردنية، والتي أطلقت عليها صحيفة الاتحاد الإماراتية اسم “لقاء السلام”، والذي يمكن اعتباره لقاء رد الاعتبار للدور الأردني في عملية السلام والتطبيع. من جانب آخر جاء إعلان السلطة الفلسطينية عن عودة العلاقات والتنسيق الأمني مع إسرائيل، إلى ما كانت عليه قبل 19 أيار 2020، في محاولة فلسطينية للعودة إلى طاولة السلام الجديدة من البوابة الإسرائيلية. ثم كانت الزيارات المتكررة للملك عبدالله للإمارات وزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الأردن. وحدة معسكري السلام، أنتجت منظومة سلام جديدة “هجينة”، تكرس هيمنة إسرائيلية اقتصادية وسياسية وعسكرية. تجلت هذه الهيمنة في الصمت الذي ران على الأنظمة الرسمية العربية في مواجهة الهجمات الجوية الإسرائيلية المتكررة، التي عبرت طائراتها من أجواء الاردن، لتقصف سوريا، واقتحامات المستوطنين المتكررة للقرى والبلدات الفلسطينية وتوسيع المستوطنات، وإعادة إحياء داعش والاحتلال التركي لأراض شمال سوريا. نحن إذن أمام الكثير من المتغيرات التي تأخذ طريقها لتصبح وقائع جديدة على الأرض، تتطلب من القوى الوطنية الجذرية رفع سقف خطابها في مواجهة هذه التغيرات. الاستراتيجية المطلوبة اليوم هي المقاومة، ليس ببعدها العسكري فقط، ولكن المقاومة الاقتصادية بفضح الجهات والدول التي تتعامل مع العدو ومقاطعة منتجاتها. المقاومة السياسية بتنقية الصف الوطني من “المياعة الثورية” والخطاب الليبرالي المبطن. والمقاومة الثقافية بفضح المؤسسات الثقافية المتعاملة مع العدو ومقاطعة نشاطاتها. وهذه المقاومة لن تتحقق ولن تصل إلى أهدافها دون الاستعداد لدفع ثمنها مهما كان مرتفعا.
الغرب يُسخِّر نافالني لاحتواء روسيا
لا غرابة في أن يقفز أي خبر له علاقة بالمعارض الروسي نافالني الى صدارة التغطيات الصحفية والإعلامية الغربية، الأوروبية والأمريكية، لأن أي حدث يمكن أن يتسبب في زعزعة استقرار روسيا، ويحرف اهتمامها عن حل القضايا الملحة التي تواجهها يعتقد الغرب انه يصب في مصلحته ويخدم أهدافه قريبة وبعيدة المدى. وهنا تتجلى بصورة جلية المعايير المزدوجة التي تعتمدها دوائر صنع القرار في الغرب الامبريالي، والانتقائية الواضحة في التعاطي مع الاحداث، فهي تعمد الى تسليط بقع ضوء قوية على جوانب وتجاهل أخرى، حتى لو كانت الأولى قليلة او عديمة الأهمية، والثانية عكسها تماما. ففي ضوء هذه المعايير المزدوجة والانتقائية يصبح نافالني “مناضلا” من أجل الحرية و”ضحية” لاستبداد السلطات القمعية الروسية، ويجري تماما التغافل عن أن منظمي المظاهرات التي تطالب بإطلاق سراحه لم يتقدموا للسلطات الروسية بطلب الحصول على تصريح، كما تقتضي القوانين المرعية، وفي نفس الوقت توجيه انتقادات شديدة اللهجة للسلطات لقيامها بحظر هذه التظاهرات واعتقال قادتها ونشطائها. وفي الوقت الذي يتم فيه ابراز مظاهر العنف والقسوة من جانب رجال الامن، يتم تجاهل الاعتداءات المقصودة والمتكررة والتي سجلتها عدسات كاميرات ممثلي وسائل الاعلام المحايدة، وليس فقط القريبة من السلطة، من جانب بعض المتطرفين المشاركين في المظاهرات على رجال الامن. ومع ان الانتقادات لروسيا لسجلها غير الناصع في مجال حقوق الانسان وحرياته الأساسية ليست دائما بدون سند، غير أن حرية التعبير عن الرأي بشتى الوسائل ليس فقط مكفولة في التشريعات الروسية ذات الصلة، بل ويجري الالتزام بها الى حد بعيد. والانتهاكات الحاصلة في هذا المجال ليست على الاطلاق أكثر مما هو حاصل في ما يسمى بـ “العالم الحر” على مرأى ومسمع وسائل الاعلام المختلفة. طبعا الضجة المثارة حول نافالني ليست إعلامية فقط، بل تنطح، ولا زال يتنطح لتأجيجها أيضا رؤساء دول وحكومات البلدان الأوروبية الغربية الرئيسة وقادة حلف الناتو، الذين واصلوا التأكيد، منذ اليوم الأول بان نافالني تعرض للتسميم بغاز نوفيتشوك بتعليمات مباشرة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتخلص من معارض شرس له، دون تقديم أي دليل ملموس يعتد به يسند هذا الاتهام، ودون اعارة ادنى اهتمام لنفي المسؤولين الروس المتكرر له، ودون الالتفات لتقدير علمي أوضح أن صحة نافالني قد تكون تدهورت، اثناء تواجده بسبب نظامه الغذائي أو الضغط النفسي أو الإجهاد أو الحمى، وليس بالضرورة نتيجة تعرضه لغاز الاعصاب. إن مواصلة قادة نافذين في عواصم غربية، انضم اليهم وزير الخارجية الأمريكي الجديد بلينكن، النفخ في قضية نافالني، ومطالبة السلطات الروسية اطلاق سراحه فورا دون انتظار قرار المحكمة المختصة، ومواصلة توجيه الانتقادات اللاذعة لسلوك الحكومة الروسية بصورة تتصف بالتحامل والعدائية، يتجاوز مجرد السعي لإنصاف معارض تتعرض حقوقه وحرياته للانتهاك بسبب آرائه المعارضة، او لاحياء عدالة مغيبة في روسيا، كما يحلو لوسائل الدعاية الغربية التشدق بهذه الافتراءات وسواها، الى محاولة مكشوفة لاستغلال نافالني وما يتعرض له لأسباب ليس لها صلة بآرائه السياسية، بل بتهم تتعلق بالفساد سيبت القضاء في صحتها، لمواصلة التدخل في شؤون روسيا الداخلية وتوتير الأجواء معها والسعي لابتزازها في قضايا اقتصادية وسياسية منها، مشروع خط انابيب الغاز نورد ستريم-2 الذي سيوصل الغاز من روسيا الى المانيا وقارب العمل فيه على الانتهاء. وليس صدفة ان يدعو وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية، كليمان بون، ألمانيا إلى التخلي عن مشروع “نورد ستريم 2” المشترك مع روسيا على خلفية المظاهرات المتعلقة بالمعارض الروسي أليكسي نافالني. قضية نافالني لا تستحق، على ما نظن، كل هذه الضجة ما لم تكن تخدم اغراضا سياسية واقتصادية معينة. وهناك عشرات القضايا الساخنة والمشكلات الحادة التي تواجه العالم بأسره تقتضي من دوله التعاون والبحث عن حلول مشتركة لها، ومنها المشاكل المرتبطة والناجمة عن تفشي جائحة كورونا. وقضية نافالني، أيضا، لا تقترب في أهميتها من قضية الإعلامي اسانج الذي لولا سقوط ترامب في الانتخابات الرئاسية الامريكية لتم تسليمه للولايات المتحدة، وسط صمت مطبق من الحكومات والمسؤولين الغربيين، ومن دون ان تشعر بتأنيب ضمير من إمكانية تعرضه لغبن فاضح وللمكوث لسنوات طويلة مديدة في السجون الامريكية بسبب آرائه السياسية، وتجرؤه على كشف الجرائم التي ارتكبتها القوات العسكرية الامريكية ابان حروبها العدوانية في العديد من بقاع العالم. مصدر الاهتمام والرعاية الغربية لنافالني ولذلك الجناح من المعارضة الروسية الذي يقوده يكمن في أن هذا الجناح بالذات يجسد نقطة التقاء مصالح دوائر الاستخبارات الغربية مع مصالح ذلك التيار من الطغمة الروسية الحاكمة والدوائر المحيطة بها والقريبة منها، الذي لا تروق له التوجهات السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية للرئاسة الروسية، غير المستعدة لتسليم روسيا مجددا بالجملة والمفرق للاحتكارات الامبريالية عابرة القومية، وللتسليم مرة أخرى للحكومات التي تجسد مصالحها بحقوق وامتيازات ومواقع نفوذ تتعارض مع مبادئ الشرعية الدولية والندية والاحترام المتبادل والتكافؤ، ولا للتراجع تحت ضغط العقوبات الاقتصادية، والتمدد العسكري لحلف الأطلسي لمناطق كانت جزءا من الفضاء السوفياتي، والتهديد بالعودة الى سباق التسلح، والعسكرة والمواجهة الى حقبة تسعينيات القرن الماضي، حين تنكرت فيها القيادة الروسية للتراث الثقافي والحضاري للشعب الروسي ووضعت مقدراته الاقتصادية وثرواته الطبيعية تحت تصرف الشركات الاحتكارية العالمية وفي حوزة نهمها الشره للنهب والسرقة وتحقيق مزيد من الاثراء على حساب الشعب الروسي وجهده وانجازاته في مختلف المجالات على مدى عقود عديدة. تلتزم الدوائر الغربية التي تتبنى قضية نافالني الصمت المطبق حيال توجهاته وآرائه السياسية، ليس لانها تعارضها، بل لأن هذه الآراء لا تحظى في روسيا بأي شعبية، ولا تحظى في الغرب نفسه الا بدعم التيارات اليمينية الشعبوية وانصار الفاشيين والنازيين الجدد المعادين للمهاجرين من منطلقات عنصرية. فمن المعروف ان نافالني قد دعا في تصريحات علنية الى تشديد القيود على الهجرة من جمهوريات اسيا الوسطى الى روسيا، والى ترحيل أي شخص يثير المشاكل، كما طالب بإزالة القيود على حيازة الأسلحة في روسيا. وفي عام 2007 اصبح نافالني من دعاة “القومية الروسية الجديدة” وتبوأ لاحقا موقع الرئيس المشارك لحركة “الشعب” القومية الديمقراطية، وفي عام 2013 اعرب عن تأييده للتيار اليميني الذي شارك في اضطرابات ذات الدوافع العنصرية التي شهدتها احدة مناطق العاصمة الروسية موسكو. وهنا علينا مقاربة هذه الطروحات من زاوية حساسيتها الشديدة لدولة اتحادية متعددة القوميات والاعراق، وهناك العديد من القواسم المشتركة التي تربط بعض مكونات الشعب الروسي مع شعوب اسيا الوسطى التي طالتها تعبيرات النزعة القومية المتطرفة لنافالني وانصاره. بنى نافالني رصيده من الشعبية على طروحات متنوعة لم تكن كلها يمينية، وإن بقي على الدوام مخلصا ووفيا لها. ففي عام 2013 سعيا منه لاجتذاب الشباب الذين التزموا صفوف اليسار، خفف من نبرته اليمينية، وشاطر الشباب اراءهم بخصوص انتقاد الأوضاع السائدة في روسيا، وفي عام 2018 طرح برنامجا انتخابيا حمل طابعا ليبراليا، كخفض الضرائب على الشركات الصغيرة. ومؤخرا صعّد نافالني من انتقاداته للرئيس الروسي بوتين متهما إياه بأنه “يمتص دم روسيا” عبر “دولة اقطاعية” تحصر وتركز