على وقع نتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، تصاعدت الجهود في منطقتنا لإعادة ترتيب بيت “السلام” العربي. لم يكن أشد المتشائمين في معسكر السلام الجديد، يتوقع خسارة ترامب في الانتخابات، وذلك بناء على الوهم العربي التاريخي القائل بأن “إسرائيل” هي من تصنع الرؤساء الأميركيين، وقد كان ترامب من أكثر الرؤساء جرأة في تاريخ التدخل الأميركي في منطقتنا بعد عام 1956، وانتهاء بحقبة الاستعمار القديم. اندفع معسكر السلام الجديد في الطريق التي عبّدها ترامب وأزال منها عوائق القضايا الرئيسية، المتضمنة وضع القدس والحدود في منطقتي غور الأردن والجولان، بحيث يكون الحل القادم اقتصاديا بحتا، دون تغييرات ديمغرافية تذكر تطال إسرائيل نتيجة لهذه الاتفاقيات. وبالطبع رحبت اسرائيل بشدة بهذا الخط التطبيعي الجديد الذي يعفيها من نصوصٍ وشروط، مثل الالتزام بقرارات الأمم المتحدة ووقف بناء المستعمرات وإطلاق سراح الأسرى، وغيرها من الشروط التاريخية لعملية السلام. ومع زوال الشروط التاريخية، غاب مثلث السلام التقليدي والتاريخي: مصر والأردن والسلطة الفلسطينية عن المشهد السياسي. ففي الوقت التي رحبت فيه مصر بالاتفاقيات بشكل مختصر وبعيد عن الأعراس الإعلامية المعتادة، أبدى الأردن موقفا متحفظا جدا تمثل في تمنياته أن تتمكن هذه الاتفاقيات من إرجاع إسرائيل إلى جادة “شروط السلام التاريخية”، أما السلطة الفلسطينية فأخذت موقفا متشنجا وعنيفا وأطلقت تصريحات تتهم المطبعين بخيانة القضية الفلسطينية، وجاءت هذه الخلافات لتتوج التوتر في العلاقات الفلسطينية الخليجية، وبشكل خاص دولة الإمارات التي سبق للسلطة الفلسطينية أن رفضت شحنة مساعدات طبية قدمتها الإمارات عن طريق إسرائيل في حزيران 2020. تعزز الانطباع بأن الخلافات أعمق مما تبدو عليه بعد عقد القمة الثلاثية المصرية– الأردنية– العراقية، حيث عكست تصريحات وزير الخارجية الأردنية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية عمق الخلاف في وجهات النظر بين معسكري “السلام”، إذ صرح قائلا: “أفق السلام لا يزال غائبا وهذا مدعاة لقلق الجميع”. وأضاف: كما جرى في القمة تناول التطورات الخاصة بالقضية الفلسطينية والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإقامة دولته على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، واستمرار دعم جهود التسوية السياسية على أساس المبادرة العربية والحوار والمفاوضات المباشرة بين أطراف الصراع”. بعد هذا التصريح بدت القمة وكأنها إعادة ترتيب لمعسكر السلام القديم في مواجهة المحاولة لتغييب دوره. لكن الرأسمالية قدمت لنا درسا جديدا بإسقاط ترامب وسياساته المحافظة اقتصاديا، واللجوء إلى خيار الديمقراطيين الأكثر توجها نحو التدخل في شؤون العالم، والأكثر انفتاحا على ملفات كثيرة وأهمها ملف التجارة مع الصين، والأزمة مع إيران، والنزاعات في المنطقة العربية وأميركا الجنوبية. هذا الانفتاح لا يعني أن الديمقراطيين أقل خطورة أو شراسة من ترامب، بل لعل العكس أكثر صحة. لكن الرأسمالية الأميركية أطلقت رسالة مفادها أن “أميركا أولا” وأن إسرائيل وغيرها من الحلفاء ليسوا سوى أدوات تُستعمل لتحقيق مصالح الرأسمالية حسب ظروف اللحظة التاريخية، مذكرين بالمقولة التاريخية للرئيس الفرنسي شارل ديغول “ليس للوطن أصدقاء ولكن للوطن مصالح”. مع عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، يعتقد كثيرون أن الأولوية ستكون لعودة المفاوضات حول الاتفاق النووي مع إيران، ومحاولة توسيع بنوده لتشمل الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وبالتالي العودة إلى مسار التفاوض التقليدي الفلسطيني– الإسرائيلي، في محاولة لاسترضاء إيران التي صرحت أكثر من مرة أن اتفاقيات التطبيع الإماراتية البحرينية تشكل تهديدا لأمنها الداخلي. هذه العودة للمفاوضات لا يمكن أن تتم إلا بمشاركة الطرف الفلسطيني، ما يجعل الحضور الأردني مهما في التعامل مع قضايا رئيسية مثل القدس واللاجئين. هنا لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن التغييرات التي أجرتها إسرائيل على الأرض جعلت حل الدولتين أمرا بعيد المنال، مما يزيد من أهمية الدور الأردني في حال أعيد طرح مشروع كونفدرالية الأراضي المقدسة، أو أي حل هجين يخلط بين حل الدولتين والتوطين، وينطوي على مشاركة الأردن في حل مشكلة السكان الفلسطينيين. هذا التغيير المتوقع في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة دفع معسكري “السلام” العربي إلى العمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي لدول السلام من خلال توزيع الأدوار لتحقيق سرعة الإنجاز. فكانت في البداية القمة الثلاثية الإماراتية– البحرينية-الأردنية، والتي أطلقت عليها صحيفة الاتحاد الإماراتية اسم “لقاء السلام”، والذي يمكن اعتباره لقاء رد الاعتبار للدور الأردني في عملية السلام والتطبيع. من جانب آخر جاء إعلان السلطة الفلسطينية عن عودة العلاقات والتنسيق الأمني مع إسرائيل، إلى ما كانت عليه قبل 19 أيار 2020، في محاولة فلسطينية للعودة إلى طاولة السلام الجديدة من البوابة الإسرائيلية. ثم كانت الزيارات المتكررة للملك عبدالله للإمارات وزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الأردن. وحدة معسكري السلام، أنتجت منظومة سلام جديدة “هجينة”، تكرس هيمنة إسرائيلية اقتصادية وسياسية وعسكرية. تجلت هذه الهيمنة في الصمت الذي ران على الأنظمة الرسمية العربية في مواجهة الهجمات الجوية الإسرائيلية المتكررة، التي عبرت طائراتها من أجواء الاردن، لتقصف سوريا، واقتحامات المستوطنين المتكررة للقرى والبلدات الفلسطينية وتوسيع المستوطنات، وإعادة إحياء داعش والاحتلال التركي لأراض شمال سوريا. نحن إذن أمام الكثير من المتغيرات التي تأخذ طريقها لتصبح وقائع جديدة على الأرض، تتطلب من القوى الوطنية الجذرية رفع سقف خطابها في مواجهة هذه التغيرات. الاستراتيجية المطلوبة اليوم هي المقاومة، ليس ببعدها العسكري فقط، ولكن المقاومة الاقتصادية بفضح الجهات والدول التي تتعامل مع العدو ومقاطعة منتجاتها. المقاومة السياسية بتنقية الصف الوطني من “المياعة الثورية” والخطاب الليبرالي المبطن. والمقاومة الثقافية بفضح المؤسسات الثقافية المتعاملة مع العدو ومقاطعة نشاطاتها. وهذه المقاومة لن تتحقق ولن تصل إلى أهدافها دون الاستعداد لدفع ثمنها مهما كان مرتفعا.
الغرب يُسخِّر نافالني لاحتواء روسيا
لا غرابة في أن يقفز أي خبر له علاقة بالمعارض الروسي نافالني الى صدارة التغطيات الصحفية والإعلامية الغربية، الأوروبية والأمريكية، لأن أي حدث يمكن أن يتسبب في زعزعة استقرار روسيا، ويحرف اهتمامها عن حل القضايا الملحة التي تواجهها يعتقد الغرب انه يصب في مصلحته ويخدم أهدافه قريبة وبعيدة المدى. وهنا تتجلى بصورة جلية المعايير المزدوجة التي تعتمدها دوائر صنع القرار في الغرب الامبريالي، والانتقائية الواضحة في التعاطي مع الاحداث، فهي تعمد الى تسليط بقع ضوء قوية على جوانب وتجاهل أخرى، حتى لو كانت الأولى قليلة او عديمة الأهمية، والثانية عكسها تماما. ففي ضوء هذه المعايير المزدوجة والانتقائية يصبح نافالني “مناضلا” من أجل الحرية و”ضحية” لاستبداد السلطات القمعية الروسية، ويجري تماما التغافل عن أن منظمي المظاهرات التي تطالب بإطلاق سراحه لم يتقدموا للسلطات الروسية بطلب الحصول على تصريح، كما تقتضي القوانين المرعية، وفي نفس الوقت توجيه انتقادات شديدة اللهجة للسلطات لقيامها بحظر هذه التظاهرات واعتقال قادتها ونشطائها. وفي الوقت الذي يتم فيه ابراز مظاهر العنف والقسوة من جانب رجال الامن، يتم تجاهل الاعتداءات المقصودة والمتكررة والتي سجلتها عدسات كاميرات ممثلي وسائل الاعلام المحايدة، وليس فقط القريبة من السلطة، من جانب بعض المتطرفين المشاركين في المظاهرات على رجال الامن. ومع ان الانتقادات لروسيا لسجلها غير الناصع في مجال حقوق الانسان وحرياته الأساسية ليست دائما بدون سند، غير أن حرية التعبير عن الرأي بشتى الوسائل ليس فقط مكفولة في التشريعات الروسية ذات الصلة، بل ويجري الالتزام بها الى حد بعيد. والانتهاكات الحاصلة في هذا المجال ليست على الاطلاق أكثر مما هو حاصل في ما يسمى بـ “العالم الحر” على مرأى ومسمع وسائل الاعلام المختلفة. طبعا الضجة المثارة حول نافالني ليست إعلامية فقط، بل تنطح، ولا زال يتنطح لتأجيجها أيضا رؤساء دول وحكومات البلدان الأوروبية الغربية الرئيسة وقادة حلف الناتو، الذين واصلوا التأكيد، منذ اليوم الأول بان نافالني تعرض للتسميم بغاز نوفيتشوك بتعليمات مباشرة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتخلص من معارض شرس له، دون تقديم أي دليل ملموس يعتد به يسند هذا الاتهام، ودون اعارة ادنى اهتمام لنفي المسؤولين الروس المتكرر له، ودون الالتفات لتقدير علمي أوضح أن صحة نافالني قد تكون تدهورت، اثناء تواجده بسبب نظامه الغذائي أو الضغط النفسي أو الإجهاد أو الحمى، وليس بالضرورة نتيجة تعرضه لغاز الاعصاب. إن مواصلة قادة نافذين في عواصم غربية، انضم اليهم وزير الخارجية الأمريكي الجديد بلينكن، النفخ في قضية نافالني، ومطالبة السلطات الروسية اطلاق سراحه فورا دون انتظار قرار المحكمة المختصة، ومواصلة توجيه الانتقادات اللاذعة لسلوك الحكومة الروسية بصورة تتصف بالتحامل والعدائية، يتجاوز مجرد السعي لإنصاف معارض تتعرض حقوقه وحرياته للانتهاك بسبب آرائه المعارضة، او لاحياء عدالة مغيبة في روسيا، كما يحلو لوسائل الدعاية الغربية التشدق بهذه الافتراءات وسواها، الى محاولة مكشوفة لاستغلال نافالني وما يتعرض له لأسباب ليس لها صلة بآرائه السياسية، بل بتهم تتعلق بالفساد سيبت القضاء في صحتها، لمواصلة التدخل في شؤون روسيا الداخلية وتوتير الأجواء معها والسعي لابتزازها في قضايا اقتصادية وسياسية منها، مشروع خط انابيب الغاز نورد ستريم-2 الذي سيوصل الغاز من روسيا الى المانيا وقارب العمل فيه على الانتهاء. وليس صدفة ان يدعو وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية، كليمان بون، ألمانيا إلى التخلي عن مشروع “نورد ستريم 2” المشترك مع روسيا على خلفية المظاهرات المتعلقة بالمعارض الروسي أليكسي نافالني. قضية نافالني لا تستحق، على ما نظن، كل هذه الضجة ما لم تكن تخدم اغراضا سياسية واقتصادية معينة. وهناك عشرات القضايا الساخنة والمشكلات الحادة التي تواجه العالم بأسره تقتضي من دوله التعاون والبحث عن حلول مشتركة لها، ومنها المشاكل المرتبطة والناجمة عن تفشي جائحة كورونا. وقضية نافالني، أيضا، لا تقترب في أهميتها من قضية الإعلامي اسانج الذي لولا سقوط ترامب في الانتخابات الرئاسية الامريكية لتم تسليمه للولايات المتحدة، وسط صمت مطبق من الحكومات والمسؤولين الغربيين، ومن دون ان تشعر بتأنيب ضمير من إمكانية تعرضه لغبن فاضح وللمكوث لسنوات طويلة مديدة في السجون الامريكية بسبب آرائه السياسية، وتجرؤه على كشف الجرائم التي ارتكبتها القوات العسكرية الامريكية ابان حروبها العدوانية في العديد من بقاع العالم. مصدر الاهتمام والرعاية الغربية لنافالني ولذلك الجناح من المعارضة الروسية الذي يقوده يكمن في أن هذا الجناح بالذات يجسد نقطة التقاء مصالح دوائر الاستخبارات الغربية مع مصالح ذلك التيار من الطغمة الروسية الحاكمة والدوائر المحيطة بها والقريبة منها، الذي لا تروق له التوجهات السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية للرئاسة الروسية، غير المستعدة لتسليم روسيا مجددا بالجملة والمفرق للاحتكارات الامبريالية عابرة القومية، وللتسليم مرة أخرى للحكومات التي تجسد مصالحها بحقوق وامتيازات ومواقع نفوذ تتعارض مع مبادئ الشرعية الدولية والندية والاحترام المتبادل والتكافؤ، ولا للتراجع تحت ضغط العقوبات الاقتصادية، والتمدد العسكري لحلف الأطلسي لمناطق كانت جزءا من الفضاء السوفياتي، والتهديد بالعودة الى سباق التسلح، والعسكرة والمواجهة الى حقبة تسعينيات القرن الماضي، حين تنكرت فيها القيادة الروسية للتراث الثقافي والحضاري للشعب الروسي ووضعت مقدراته الاقتصادية وثرواته الطبيعية تحت تصرف الشركات الاحتكارية العالمية وفي حوزة نهمها الشره للنهب والسرقة وتحقيق مزيد من الاثراء على حساب الشعب الروسي وجهده وانجازاته في مختلف المجالات على مدى عقود عديدة. تلتزم الدوائر الغربية التي تتبنى قضية نافالني الصمت المطبق حيال توجهاته وآرائه السياسية، ليس لانها تعارضها، بل لأن هذه الآراء لا تحظى في روسيا بأي شعبية، ولا تحظى في الغرب نفسه الا بدعم التيارات اليمينية الشعبوية وانصار الفاشيين والنازيين الجدد المعادين للمهاجرين من منطلقات عنصرية. فمن المعروف ان نافالني قد دعا في تصريحات علنية الى تشديد القيود على الهجرة من جمهوريات اسيا الوسطى الى روسيا، والى ترحيل أي شخص يثير المشاكل، كما طالب بإزالة القيود على حيازة الأسلحة في روسيا. وفي عام 2007 اصبح نافالني من دعاة “القومية الروسية الجديدة” وتبوأ لاحقا موقع الرئيس المشارك لحركة “الشعب” القومية الديمقراطية، وفي عام 2013 اعرب عن تأييده للتيار اليميني الذي شارك في اضطرابات ذات الدوافع العنصرية التي شهدتها احدة مناطق العاصمة الروسية موسكو. وهنا علينا مقاربة هذه الطروحات من زاوية حساسيتها الشديدة لدولة اتحادية متعددة القوميات والاعراق، وهناك العديد من القواسم المشتركة التي تربط بعض مكونات الشعب الروسي مع شعوب اسيا الوسطى التي طالتها تعبيرات النزعة القومية المتطرفة لنافالني وانصاره. بنى نافالني رصيده من الشعبية على طروحات متنوعة لم تكن كلها يمينية، وإن بقي على الدوام مخلصا ووفيا لها. ففي عام 2013 سعيا منه لاجتذاب الشباب الذين التزموا صفوف اليسار، خفف من نبرته اليمينية، وشاطر الشباب اراءهم بخصوص انتقاد الأوضاع السائدة في روسيا، وفي عام 2018 طرح برنامجا انتخابيا حمل طابعا ليبراليا، كخفض الضرائب على الشركات الصغيرة. ومؤخرا صعّد نافالني من انتقاداته للرئيس الروسي بوتين متهما إياه بأنه “يمتص دم روسيا” عبر “دولة اقطاعية” تحصر وتركز
هل يلتزم جو بايدن بوعده الانتخابي باحترام حرية التعبير؟
تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، وقبل وصوله للحكم، بحماية حرية التعبير في ما يتعلق بالمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل. والآن، هل سيحقق ما قاله، أم كان الأمر مجرد “دعاية انتخابية” وحديث غير مجد عن “حرية التعبير”. وهل سيتراجع بايدن عن جهود إدارة ترامب لفرض عقوبات على المنظمات التي تناهض التجارة مع إسرائيل أو مستوطناتها غير الشرعية ؟. خلال السنوات الأربع الأخيرة، قلبت إدارة ترامب السياسة العالمية فيما يخص القضية الإسرائيلية-الفلسطينية. وفي 19 تشرين الثاني2020 أصبح مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي الأول الذي يزور مستوطنة إسرائيلية بصفة رسمية، بعد عام من إعلانه أن المستوطنات في الضفة الغربية لا تنتهك القانون الدولي. في اليوم نفسه، تعهد بأن يعدّ قائمة بالمنظمات غير الحكومية التي تدعم مقاطعة إسرائيل ويقطع التمويل عنها – هذا الدعم يجعل منها، برأي إدارة ترامب، معادية للسامية. لم يُصدر بومبيو هذه القائمة لأسباب غير معروفة. لكن تولي جو بايدن الرئاسة ليس من المتوقَّع أن ينهي المساعي الحكومية لشيطنة “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” (حركة المقاطعة)، بطرق منها ما يهدد حرية التعبير. تدعو حركة المقاطعة إلى مقاطعة إسرائيل سلميا حتى تنهي احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، وتمنح المواطنين الفلسطينيين حقوقا متساوية، وتسمح بعودة اللاجئين الفلسطينيين. لم يوصم بومبيو حركة المقاطعة بأنها بطبيعتها معادية للسامية فحسب، إنما جمع معها مجموعات دولية تعتمد القانون الدولي لتحفيز الشركات على قطع علاقاتها مع المستوطنات في الضفة الغربية، وهي غير قانونية بموجب “اتفاقية جنيف الرابعة”. هيومن رايتس ووتش” إحدى هذه المجموعات. وهي لا تتخذ موقفا مع مقاطعة إسرائيل أو ضدها، لكنها تحثّ الشركات، تماشيا مع مسؤولياتها المتعلقة بحقوق الإنسان، أن تبتعد عن المستوطنات تجنّبا للانتهاكات الحقوقية المؤكَّدة بسبب تعقيدات المستوطنات. دأبت الهيئات التشريعية في الولايات، قبل تولّي ترامب منصبه بمدة طويلة، على سنّ قوانين تحظر تعاقد الدولة مع شركات أو أفراد يدعمون مقاطعة إسرائيل. طبّقتها 25 ولاية على الأقل حتى الآن؛ غالبيتها تجرم حتّى الجهات التي تقاطع المستوطنات فقط. وقد أوشك “الكونغرس” الاتحادي على إقرار قوانين تعاقب الشركات والمجموعات غير الربحية التي تقاطع إسرائيل أو مجرد المستوطنات. بايدن، عندما كان مرشحا، ندد بحركة المقاطعة لأنها “تستفرد إسرائيل” و”تنزع الشرعية” عنها، لكنه لم يوصفها بأنها بطبيعتها معادية للسامية. تعهد بعض المسؤولين الذين اختارهم بايدن في حكومته بمكافحة حركة المقاطعة، إذ أعلنت السفيرة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، بشكل مقلق، أنّ الحركة “لامست معاداة السامية”. لكن وزير الخارجية أنطوني بلينكن، الذي جاهر خلال جلسة تعيينه بمناهضته حركة المقاطعة، في السياق نفسه، أضاف، “نحن نحترم تماما، وسنحترم دائما، التعديل الدستوري الأول الذي يعطي الأمريكيين الحق بقول ما يعتقدون ويفكرون”. على بايدن أيضا الدفاع عن حرية التعبير، التي تتضمن الحق بالدعوة إلى المقاطعة السلمية، حتى لو كان مناهضا لحركة المقاطعة. كما عليه التصدي للقوانين التي تجرم الشركات الساعية إلى النأي بنفسها عن انتهاكات حقوق الإنسان المتأصلة في المستوطنات الإسرائيلية. وينبغي أن ينبذ، علنا، إرث ترامب المتمثل بالوصف الزائف لأي انتقاد لإسرائيل بأنه معاداة للسامية. لكن بايدن داعمٌ قوي لإسرائيل، ويشير إلى نفسه بأنه صهيوني. وقد قاوم من قبلُ دعواتٍ لفرض شروط متعلقة بحقوق الإنسان على الدعم الموجه لإسرائيل، وتعهد بأن تبقى المساعدات تتدفق إليها بغض النظر عما تفعله، يقول موقع Middle East Eye البريطاني. وأي تحرك للتراجع عن سياسات ترامب الموالية لإسرائيل سيواجِه مقاومة على الأرجح، من الجمهوريين ومن أنصار إسرائيل داخل حزب بايدن. تجدر الإشارة إلى أن حركة مقاطعة إسرائيل تقول على صفحتها الإلكترونية إنها “حركة فلسطينية المنشأ عالمية الامتداد، تسعى إلى مقاومة الاحتلال والاستعمار- الاستيطاني الإسرائيلي، من أجل تحقيق الحرية والعدالة والمساواة في فلسطين”. وقد حققت حركة المقاطعة خلال السنوات الماضية العديد من الإنجازات على الصعيد العالمي، وهو ما دفع “إسرائيل” إلى إصدار قوانين تمنع نشطاء الحركة من الدخول إليها. ومن الإنجازات التي تحققت خلال العام الماضي دعم أكثر من 452 منظمة مدنية بالعالم للنداء الفلسطيني الذي يطالب الأمم المتحدة بالتحقيق في الفصل العنصري الإسرائيلي، مؤكدة أن هدفها في العام الحالي “إنهاء نظام الاحتلال والاستعمار- الاستيطاني الإسرائيلي”.
إيران تصنع والخليج يخضع
هيثم الصادق إعلان إيران عن اطلاق القمر الفضائي “زول خانة”، وتجربة اقوى محرك لصاروخ بقوة دفع تزيد على 750 طنا يطلق من منصة متحركة، ويمكنه حمل اقمار صناعية يصل وزنها الى 220 طنا ومداها الى مدار 500 كيلومترا فوق سطح الأرض، رغم العقوبات الجماعية التي فرضها الرئيس الامريكي المخلوع ترامب على ايران، يدعو للتساؤل عن حالة التصعيد النووي المتواصلة في المنطقة، في ظل اصرار امريكي- اسرائيلي على عدم اقرار يضمن الوصول الى شرق اوسط خال من السباق النووي، واصرار اسرائيل على الابقاء على تفوقها النووي في المنطقة وارهاب شعوبها. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر الماضي قد طالبت في قرار حظي بدعم 153 دولة عضوا في الهيئة الأممية ورفض 6 دول للقرار، وامتناع 25 دولة اخرى اسرائيل للتخلي عن سلاحها النووي والسماح بحملات تفتيش على مفاعلاتها، بعد ما اشيع عن امتلاك اسرائيل 90 رأسا حربيا نوويا، لكن اسرائيل وحلفاءها اصروا على رفض القرار، والابقاء على مبدأ “الغموض النووي”، الأمر الذي اوجد مسوغات لايران للانخراط في السباق النووي، خاصة بعد ان انقلبت سياسة ترامب المخلوع على الاتفاق النووي مع ايران. ازاء هذا السباق تتفاقم مخاوف دول الخليج العربي وتبحث عن غطاء حمائي قد تكشف عنهم بعد رحيل ادارة ترامب الذي كان يقايض ذلك المظلة الحمائية بمليارات الخليج ونفطها، هذا الوضع دفع دول الخليج لتجسير خلافاتها من خلال عقد القمة الخليجية 41 في محافظة العلا الأثرية. اسرائيل استغلت حالة القلق التي تشهدها دول الخليج فبادرت بالموافقة على نشر الأنظمة الدفاعية (القبة الحديدية) في القواعد الامريكية المنتشرة في دول خليجية، وذلك لسببين الضغط على تلك الدول لتعميق مسار التطبيع وجعل الأمن الخليجي مرتبطا بالأمن الاسرائيلي وبتمكين اسرائيل في المنطقة، اضافة لتحقيق حلم اسرائيلي بأن يكون شريكا أمنيا لدول الخليج وتسويق اسلحته وخدماته العسكرية واللوجستية عليها، الأمر الذي يجعل تلك الدول في حالة خنوع وتبعية مطلقة للسياسة الاسرائيلية وداعمة للتفوق الاقتصادي الاسرائيلي في المنطقة. ايران من جهتها لن تصمت أمام هذا الواقع الجديد بل ستلجأ الى دعم القوى الحليفة في دول الخليج مما سيؤدي الى زعزعة الأمن الداخلي في هذه الدول ويعرضها لحالة احتقان شعبي قد يعبر عن نفسه باشكال متعددة ترهب تلك الانظمة.
انتفاضة أممية ضد الحرب في اليمن
نظم ما يزيد على (200) منظمة دولية والعديد من السياسيين والأكاديميين والإعلاميين والحقوقيين حملة دولية ميدانية والكترونية تضامناً مع اليمن ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي واحتلت (الترند) العالمي وذلك بمناسبة اليوم العالمي من اجل اليمن (25 يناير 2021) وشارك في الحملة اتحادات طلابية على رأسها اتحاد طلاب الجامعات البريطانية. وعبر المتضامنون عن إدانتهم العدوان والحصار الوحشي على اليمن المستمر منذ 6 سنوات، الذي تسبب في أكبر كارثة إنسانية هي الأخطر في العالم، استخدمت فيها الأسلحة المحرمة دولياً وإرتكبت جرائم حرب ضد الأبرياء وصلت ضحاياها الى (250) الفاً من الأبرياء المدنيين أغلبهم من الأطفال والنساء وتجويع 24 مليون يمني ومنع أكثر من نصف مليون من المرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج بسبب حصار مطار صنعاء الدولي. ومنع دخول المشتقات النفطية الذي قتل الحياة بشكل كامل. وشهد اليوم التضامني مظاهرات ووقفات أمام مقر الأمم المتحدة في المانيا وبريطانيا وأمريكا واليمن و17 دولة تحمل رسالة إلى العالم والأمم المتحدة تحت شعار أوقفوا الحرب أوقفوا الحصار على اليمن، وطالبت هذه التحركات بتحييد المطارات والموانئ والمنافذ والخدمات الأساسية المتصلة بالإنسان، صرف رواتب الموظفين، إطلاق جسر طبي جوي لتمكين المرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج، تقديم التسهيلات للمرضى والرعاية. ويعود اليوم العالمي من أجل اليمن الى الفكرة التي بدأتها شخصيتان عالميتان عرفتا بوقوفهما إلى جانب اليمن وهما (جيرمي كوربن) الرئيس السابق لحزب العمال البريطاني و(بيرني ساندرز) المرشح السابق للانتخابات الأميركية وفي هذا السياق سلّطت كبريات الصحف والمواقع الغربية الضوء على هذه الصحوة العالمية. صحيفة (غلوب آند ميل) الكندية كتبت تحت عنوان (الكنديون يحتجون على مبيعات الأسلحة للسعودية ويطالبون بإنهاء الأزمة المستمرة في اليمن): إن العشرات في مدينة (فانكوفر) الكندية، تظاهروا، تنديداً باستمرار الحرب على اليمن. وطالب المحتجون الذين جابوا بسياراتهم شوارع (فانكوفر)، التحالف بإيقاف الحرب على اليمن في أسرع وقت ممكن. وشجبت تلك التحركات العقاب الجماعي للشعب اليمني من خلال الحصار المفروض على اليمن منذ قرابة 6 أعوام، داعين الأنظمة الأوروبية والنظام الأمريكي إلى إيقاف بيع الأسلحة للسعودية والإمارات. موقع ديلي (هامبتشر غاتزيت) الأمريكي سلّط الضوء على التظاهرة التي شهدتها مدينة (نورثمبتون) الأمريكية تحت عنوان (المتظاهرون في نورثمبتون يطالبون بوقف الحرب على اليمن)، وقال الموقع: إن المتظاهرين تجمعوا خارج مكتب النائب الديموقراطي (جيم ماكغفرن) للمطالبة بإنهاء الحرب في اليمن. وأشار الموقع الى أن (ماكغفرن) تحدث إلى المتظاهرين عبر الهاتف بعد أن اتصلوا بمكتبه في (ورسستر) مؤكداً لهم أنه يشرف على مشروع قانون في الكونجرس من شأنه أن يوقف بيع الأسلحة للسعودية التي تقصف اليمن. الموقع البريطاني الشهير والمهتم بشؤون الشرق الاوسط كتب تحت عنوان (تزايد الضغوط على بايدن لإنهاء دعم الحرب التي تقودها السعودية في اليمن): إن مظاهرات حدثت في مدن أمريكية عديدة – بما في ذلك (نيويورك ونيوارك) المجاورة و(سان فرانسيسكو)- في حين حضر الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني (جيريمي كوربين) والممثل والناشط (داني جلوفر) والأكاديمي البارز (كورنيل ويست) مسيرة عبر الإنترنت.. وقالت المنظمة الرئيسية للجنة التحالف اليمني في مدينة نيويورك (كوثر عبد الله): إن ما يحصل في اليمن هو دمار مستمر وهي كارثة من صنع الإنسان وقد حان الوقت لانهاء الحرب. الأكاديمي (كورنيل ويست)، متحدثاً في تجمع على الإنترنت أقيم عبر Zoom))، أنه يريد أن يعرف اليمنيون أن إنسانيتهم لن تصبح أبداً غير مرئية بغض النظر عما تقوله وسائل الإعلام الغربية. واحتشد عشرات من النشطاء خارج مكتب عضو الكونجرس (جريجوري ميكس)، الرئيس الجديد للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب مطالبين إياه بتفعيل قانون سلطات الحرب، والذي من شأنه أن يجبر إدارة بايدن على سحب الجيش الأمريكي وينهي دعم التحالف السعودي من أجل إنهاء الحرب في اليمن. (كومون دريم) الأمريكي هو الآخر سلّط الضوء على الحدث تحت عنوان (كنديون ضد الحرب على اليمن يمنعون شحن مركبات مدرعة متجهة إلى السعودية).. الموقع ذكر أن المئات من الكنديين تجمعوا للمطالبة بإنهاء الحرب على اليمن وإيقاف شحن الآليات المدرعة المباعة إلى السعودية وأشار الى أن المظاهرات الكندية وصلت إلى أبعد من ذلك حيث وضع نشطاء مناهضون للحرب في جنوب (أونتاريو وهاميلتون) جثثهم أمام شاحنات تابعة لشركة (باددوك ترانسبوت انترناشيونال) الكندية لتعطيل ما وصفوه أنه نقل أسلحة تفاقم الحرب على اليمن وتزيد من معاناته. وشكلت هذه الانتفاضة العالمية والاستنكار الدولي الواسع للحرب والابادة الجماعية للشعب اليمني الذي تزامن مع استلام ادارة بايدن للبيت الابيض ضغطا على الادارة الجديدة لوضع الملف اليمني على رأس أولويات السياسة الخارجية للبيت الابيض، دفع بايدن لتعيين تيموثي ليندركينغ صاحب الخبرة العريقة في العلاقات الامريكية مع ايران والشرق الاوسط مبعوثا له الى اليمن، واستشعرت السعودية ابعاد هذا القرار فبادرت للترحيب به والاعراب عن استعدادها لوقف عملياتها العسكرية في اليمن التي واصلتها على امتداد الفترة الرئاسية لترامب.