الإجراءات التي اتُخذت بحق نقابة المعلمين وقبلها بحق نقابة الأطباء، على فرض أنها جاءت متسقة مع نص القانون، الاّ أنها، في ظننا، تعارضت مع روحه. فالقانون يُسن لتنظيم ممارسة الناس لحقوقهم الدستورية وليس لتعطيلها، ولضبط أي تصرف يتفق سواد الناس على أنه ينتهك حقوق الآخرين الفردية أو الجماعية أو يؤدي الى اخلال بالمصلحة العامة للدولة والمجتمع.كما جاءت الإجراءات لتعطل الحوار الذي كان من المفروض أن يتواصل بين النقابة والوزارة، الأمر الذي من شأنه تغذية عوامل الاحتقان ليس بين قطاع المعلمين والحكومة فحسب، بل بين الحكومة وأوساط شعبية واسعة في مختلف مناطق البلاد.وتقدير المصلحة العامة لا يمكن أن يكون حقاً حصرياً للحكومات فقط، بل يجب أن يكون (التقدير) من صلاحيات الهيئات القضائية، لأن مؤسسة القضاء هي معقل العدل والانصاف والنزاهة والحرص على الاحتفاظ بمسافة واحدة عن جميع الأطراف المتخاصمة، حتى لو كانت الحكومة وأجهزتها هي أحد الفرقاء المتخاصمين. ولا يساورنا أدنى شك في أن القضاء، الذي استلهم دوماً روح الدستور، وأّوّل نصوص القوانين تأويلاً عصرياً، يتوافق مع مصالح الدولة والمجتمع، وصدرت عنه أحكام انتصرت دائماً للحريات العامة ولتعزيز الديمقراطية وحقوق الانسان، لن يفرط في هذه التقاليد، وسيقاوم أيّ ضغوط إذا ما حاول أحد ممارستها عليه، وسيصدر حكمه العادل الذي نجزم أنه سيكون متوافقاً مع إرادة الناخبين الذين عبروا بحرية عن قناعاتهم عبر انتخابات حرة، ديمقراطية ونزيهة. والهيئة الناخبة وحدها من يحق لها محاسبة من لم يبرروا ثقتها وخالفوا التفويض الذي منحتها لهم بعدم إعادة انتخابهم في الانتخابات القادمة.لسنا مع أن يحل الجهاز الحكومي محل الإدارات المنتخبة، ولا أن يتولى هو الحسم والفصل في القضايا الخلافية، خاصة عندما يكون الجهاز الإداري متهماً بالتسبب في نشوء هذه القضايا وفي التقاعس عن حلّها وفي عدم تنفيذ مضمون الاتفاقيات التي تم التوصل اليها بجهود مضنية تترتب عليها حقوقاً وامتيازات مهنية ووظيفية يتفق الجميع على عدالتها وراهنيتها.إننا من كل هذا لا نهدف لتبرئة أحد من أي مسؤولية عما آلت اليه الأمور في نقابة المعلمين، بل ننطلق من حرص شديد وأكيد على وقف هذا التراجع المضطرد في منسوب الحريات الديمقراطية والعامة، وفي ممارسة الناس لحقوقهم الدستورية، وخاصة حرية التعبير عن الرأي والتنظيم، مؤكدين في ذات الوقت، على أن معالجة الأخطاء التي تُرتكب في سياق الممارسة الديمقراطية لن يتم بتقليص هوامشها، بل على العكس بتوسيعها، وأن التصعيد في ظل الظروف الصعبة التي يجتازها بلدنا في هذه الأيام، أياً كانت دوافعه، يجب تجنبه، وأن الخلاف مع أي رأي مخالف لن يحسم إذا ما وضع صاحبه خلف القضبان أو فُرض عليه حجر من أي نوع، بل يحسم بالاستدلال العقلي والمنطقي وعبر الجدل والسجال الذي في سياقهما تتبدى الحقيقة.
الجماهير عدد 560
لقراءة العدد 560 اضغط هنا
النهج الحكومي يفشل في وقف التدهور الاقتصادي
من المعروف أن الأردن كان يعاني من أزمة اقتصادية عميقة طوال الأعوام السابقة، وجاءت جائحة كورونا لتعمق هذه الأزمة وتعطيها أبعاداً شديدة السلبية. هناك شبه اجماع بين العديد من الخبراء الاقتصاديين في البلاد وبين بعض ممثلي القطاعين العام والخاص على ضرورة إعادة النظر في السياسة الاقتصادية من جهة ووضع خطة اقتصادية شاملة لمواجهة افرازات كورونا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي من جهة ثانية. التقديرات الأولية لأهم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، تفترض بسبب خطورتها اللجوء الى إجراءات وسياسات فعالة واستثنائية للتصدي لتداعياتها. وكما هو الحال في بقية أنحاء العالم يتوقع أن ينخفض النمو الاقتصادي في بلادنا، ويتوقع أن يبلغ الانكماش ما يزيد عن 3.5 % من اجمالي الناتج المحلي لهذا العام 2020 حسب تقديرات مؤسسات دولية متعددة، مع زيادة كبيرة جداً في عجز الموازنة قد تصل 2.5 مليار دينار، علماً ان انخفاض الإيرادات بلغ في الربع الأول من العام الحالي حوالي 602 مليون دينار. وتوجد تقديرات إيجابية تشير الى أن حملة مقاومة الفساد والتهرب الضريبي قد تعوض جزءاً هاماً من هذا التراجع حتى نهاية العام. إن الوضع الاقتصادي الناشئ من أزمة كورونا بمختلف تعقيداته يتطلب التمويل الضروري لمواجهة المتطلبات الجديدة، وتوفير الانفاق الضروري في عدة مجالات، الأمر الذي يؤكد ضرورة اللجوء الى الاقتراض، والذي قد يرفع الدين العام الى حوالي 110 % من الناتج المحلي الإجمالي، مع ما يترتب على ذلك من زيادة في خدمة الدين، الأمر الذي يتطلب محاولة عدم تسديد خدمة الدين لهذا العام واللجوء الى الاقتراض بفوائد متدنية ولآماد زمنية طويلة. وتشير مختلف التوقعات الى أن معدل البطالة قد يصل الى 30 % هذا مع زيادة أخرى قد تنجم عن فقدان العديد من الأردنيين لفرص العمل في الخارج. ويعتقد أنه يوجد ما يقارب من 700 ألف أردني يعملون في الخارج ومعظمهم في الدول الخليجية التي بدأت تتخذ إجراءات لتقليص حجم العمالة الوافدة لديها. ولا يتوقف الأمر عند الزيادة الجديدة في معدل البطالة من هذه الناحية، ولكنه سيؤدي الى تقليص حوالات العاملين في الخارج، والتي تشكل مع الدخل السياحي مصدراً هاماً للعملة الصعبة في البلاد. ويتوقع أن يرتفع معدل الفقر كثيراً، ويقدر البعض أنه سيزيد عن 25 % هذا مع العلم أن ما يزيد عن 50 % من قوة العمل تعمل في القطاع غير النظامي وهي بدون أية ضمانات معيشية وفي غالب الأحوال تعيش على دخلها كل يوم بيومه الأمر الذي يهدد بزيادة معدل الفقر واحتمال انتشار حالات من المجاعة، علماً أن الجهات الدولية تقدر أن ما يزيد عن 300 مليون انسان سيعانون من المجاعة على الصعيد العالمي، وأن أكثر من 200 مليون سيعانون من البطالة بينهم أكثر من خمسة ملايين في البلاد العربية. وبجانب كل ذلك فان تكاليف المعيشة سترتفع وسيعاني المواطنون من الغلاء في ظل تراجع الدخل الفردي وركود أو تراجع الأجور والرواتب، وسينخفض الطلب الكلي في البلاد الأمر الذي سيساهم في تعميق أزمة الانكماش الاقتصادي وهناك قضايا شديدة التأثير على المواطنين والتي من أهمها ارتفاع تكاليف التعليم على مختلف المستويات وخاصة الجامعي، وارتفاع تكاليف الطبابة مع ارتفاع أسعار الأدوية، خاصة وإن نسبة كبيرة من المواطنين ليست مشمولة بالتأمين الصحي، علماً أن آلاف العائلات تعاني من الفقر وتتلقى حالياً دعماً حكومياً. أما القضية الهامة والمؤثرة في الوضع الاقتصادي هي العمل على استعادة الاقتصاد نشاطه ومعالجة أوضاع مختلف القطاعات كل على حدة ولكن في إطار خطة شاملة للخروج من الحالة الاستثنائية الصعبة التي أوصلتنا اليها أزمة كورونا. فاستعادة الحياة الاقتصادية الطبيعية تستلزم بالضرورة الوقوف عند النواقص التي كشفتها الأزمة والاستفادة بشكل عام من التجربة الصعبة التي عاشتها البلاد ويأتي في مقدمة القضايا الملحة إجراء تقييم شامل للمتطلبات الضرورية لاستدامة النشاط الاقتصادي واستمرار المنشآت في نشاطها. وهذا يتطلب توفير السيولة المالية بالدرجة الأولى للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي تشكل الركن الأهم في الاقتصاد الوطني وذلك من خلال تقديم تسهيلات مالية لها بمعدلات فائدة منخفضة وتقديم حوافز ضريبية وتسهيلات بنكية، إذ من الضروري أن يلعب الجهاز المصرفي دوراً فعالاً بهذا الخصوص باشراف وتوجيه البنك المركزي. ولا شك أن البنك المركزي لعب دوراً هاماً حتى الآن لجهة توفير المساعدة والسيولة لبعض المنشآت وكذلك من خلال الاتفاق مع الجهاز المصرفي على العديد من الخطوات بهذا الخصوص، وبغض النظر عما إذا تم تنفيذ هذه الاتفاقات بشكل مناسب، إلا أنه لا بد من التأكيد على دور الجهاز المصرفي باتخاذ إجراءات إضافية بمراقبة البنك المركزي كتخفيض أسعار الفائدة بنسبة كبيرة وضخ السيولة الإضافية الكافية لتنشيط حركة الإنتاج والأسواق. ولا شك ان الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والبنك المركزي والجهاز المصرفي والضمان الاجتماعي للتعامل مع الوضع الحالي الصعب، لعبت دوراً هاماً رغم الكثير من الملاحظات حولها. ولكنها ساهمت في البداية بتوفير إمكانيات لدفع أجور ورواتب العاملين، وإعادة النشاط الاقتصادي ولو بشكل تدريجي. ولكن الأمر يتطلب إعادة النظر ببنود الموازنة العامة على قاعدة ان الكثير من التوقعات التي تم البناء عليها قد تغيرت ولا سيما انخفاض الإيرادات العامة وتعطل عجلة الاقتصاد. الأمر الذي يتطلب إعداد موازنة جديدة يتم بحثها وبالسرعة الممكنة مع اللجان المختصة في البرلمان وبمشاركة الخبراء والاختصاصيين والقطاع الخاص، ويتم اعتمادها كخطة طوارئ بديلة. ولا بد من التوقف عند حالة بعض القطاعات والإجراءات المستعجلة لمعالجة مشاكلها. وقد بينت الأزمة أن هناك قطاعات أثبتت قدرتها على الاستمرار وإنها تستحق الدعم والمساندة كالصناعات الدوائية والطبية والصناعات الغذائية والحيوانية وخاصة توفير الدعم المالي لها بشروط ميسرة كتخفيض الضرائب على القطاع الخاص ومدخلات الإنتاج. والبحث في كيفية مواجهة قروض والتزامات هذه الجهات. ولكن من الواضح أن هناك قطاعات تعاني من عدم القدرة على التأقلم وفي مقدمتها قطاع السياحة المتضرر بشكل واسع وحوالات العاملين في الخارج وتراجع الصادرات. ويحتل الموقف من قطاع الزراعة مكانة خاصة إذ أن لهذا القطاع أهمية كبيرة في تأمين معدل مرتفع للأمن الغذائي، خاصة وإن الأردن يستورد نسبة عالية من الغذاء. ولذلك يجب إيلاء هذا القطاع أهمية خاصة من أجل زيادة مختلف المنتجات الزراعية وفي الدرجة الأولى تأمين الحاجة من القمح ومختلف الاعلاف. وثانياً لزيادة استثمار الأراضي الزراعية وتوفير منتجات زراعية للتصنيع. ومع ضرورة وضع خطة خاصة بهذا القطاع، الا أنه من الأهمية بمكان الغاء ديون المزارعين وتوفير فرص الاقتراض بشروط ميسرة مع ضرورة انشاء محطة زراعية في مختلف المحافظات تحتوي على آليات زراعية كالتراكتورات للحراثة والحصادات مع وجود جهاز للإرشاد الزراعي، الأمر الذي يسهل للمزارعين تنفيذ الخطة الزراعية من جهة واستئجار الآلات الزراعية بأسعار مناسبة من جهة ثانية. ونؤكد مرة أخرى أن مواجهة تداعيات كورونا اقتصادياً تتطلب وضع خطة شاملة للمدى القصير والمتوسط وتوسيع دور الشعب بمختلف فئاته بهذه العملية وذلك من خلال إطلاق الحريات العامة والاستفادة من الكفاءات الوطنية أينما كانت، لأن تأثير هذه الأزمة سيمتد لسنوات
مدخل لفهم واقع القطاع الزراعي
مما لا شك فيه أن القطاع الزراعي في الأردن يمثل قيمة إضافية كبيرة للاقتصاد ككل والحياة الاجتماعية، وأن العديد من الحوارات والندوات والمؤتمرات المتخصصة خلال العقود الماضية لتؤكد أن حلول إشكاليات القطاع الزراعي ممكنة لا بل متوفرة. إلاّ أن هذا القطاع وللأسف لم يأخذ الأهمية التي يستحق وواجه الكثير من التجاهل على مدى العقود الماضية بشكل عام نتيجة للاستقصاء السياسي من جانب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وما اصطلح على تسميته بالانفتاح الاقتصادي. فمنذ عام 1989 وحتى الآن شهد قطاع الزراعة في الأردن تحولاً من شكل انتاجي يعتمد على تدخل الحكومة في آلية انتاج القطاع الى شكل آخر رفعت فيه يده عنه، الاّ فيما يخص عملية الاشراف والتنظيم “دور رقابي اشرافي” الى حد كبير وهذه التحولات تمثلت في جوانب مؤثرة بشكل مباشر على معيشة وعمل المزارعين وانتاجية القطاع بكل عام. وهذا التحول لم يجر بسبب تغيير أولويات الحكومات بل جاء في سياق برامج التصحيح الاقتصادي والهيكلي التي بُنيت على أساس توجهات صندوق النقد الدولي والتي لم تتوافق مع الواقع في كثير من الأحيان، والتي أدت الى “تأثيرات عكسية” على برامج الاستثمار في القطاع أهمها: تقليص الدعم، وتحولات العمالة الزراعية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، تعاملت الحكومة مع القطاع الزراعي بوصفه أحد الموارد الرئيسية للاقتصاد الوطني، وكان هدفها تنمية هذا القطاع وتطويره. حيث أشارت في “خطة السنوات السبع 1964-1971” إلى أن الزراعة كانت تؤمن فرص عمل لحوالي نصف القوى العاملة في الخمسينيات، وحوالي 35% من القوى العاملة في مطلع الستينيات. وحتى مطلع التسعينيات، كانت الحكومة تتكفل بتقديم البذور المدعومة، وتؤمن المياه بتكلفة مناسبة للمزارعين، حيث أن المياه كانت تتلقى الدعم الحكومي. والأهم أن الدولة كانت تحمي المنتج المحلي بفرضها جمارك على المنتجات المستوردة، مما مكّن المزارع من تسويق منتجاته في الأسواق المحلية، وتصديرها بمساعدة الحكومة. تجلت هذه المساعدة في تأسيس مؤسسة التسويق الزراعي عام 1987، نظرًا لحاجة القطاع لمؤسسة تنظم توزيع وتسويق منتجاته، وأصبحت هذه المؤسسة رسميًا مسؤولة عن “وضع السياسات التسويقية الخاصة بالمنتوجات الزراعية داخل المملكة وخارجها”، وورثت صلاحيات مؤسسات حكومية سابقة اختصت بالتسويق الزراعي. وبحسب قانون مؤسسة التسويق الزراعي لعام 1987، فقد شملت مسؤوليات المؤسسة “وضع الخطط الخاصة بتصدير واستيراد المنتوجات الزراعية ومراقبة تنفيذها”، و”تحديد أصناف وكميات المنتوجات الزراعية المسموح بتصديرها أو استيرادها ومواعيد التصدير والاستيراد”، و”وضع المواصفات الواجب توفرها في المنتوجات الزراعية المصدرة أو المستوردة أو المعروضة للبيع في الأسواق المحلية ومتابعة التقيد بتلك المواصفات”، و”المشاركة في إجراءات تحديد أسعار المنتوجات الزراعية”، و”إجراء الدراسات والأبحاث المتعلقة بتسويق المنتوجات الزراعية في داخل المملكة وخارجها بقصد تنظيم العملية التسويقية وتطويرها”. كانت هذه السياسات متناقضة مع توصيات صندوق النقد الدولي في تقليص الدعم الذي اعتبره تبذيرًا في الإنفاق العام وليس من مهام الحكومة، وطالب الأردن برفع الدعم عن البذور والمبيدات والأسمدة. كما كانت متناقضة مع توصيات البنك الدولي الذي اعتبر وجود مؤسسة التسويق الزراعي “تشوهًا اقتصاديًا”. ظلت الحكومة حتى منتصف التسعينيات متحفّظة في تعاملها مع صندوق النقد والبنك الدوليين في هذا القطاع. إذ ظلت تقيم الوضع الزراعي تبعًا لمشكلات القطاع محليًا، وأهمها تقلب المواسم المطرية بين القلة والكثرة وتأثر هذا القطاع بهذه التقلبات كون الأردن شحيح بالمصادر المائية، وقلة الأراضي الصالحة للزراعة نتيجة لطبيعة الأرض نفسها، وتأثر الأسواق الخارجية بالتقلبات السياسية، خاصة حرب الخليج الأولى والثانية، الأمر الذي تسبب بإغلاق هذه الأسواق أمام المنتج الزراعي الأردني. لكن هذا الوضع تغير في النصف الثاني من التسعينيات، حيث بدأ الأردن فعليًا بتطبيق هذه التوجيهات، “وكان أولها قرار حكومي يقضي برفع رسوم المياه وإلغاء دعم أعلاف المواشي والبذور وتخلي الحكومة عن دورها في التسويق بإغلاق مؤسسة التسويق الزراعي، مما أدى لأزمة كبيرة في الريف ككل” صعّبت هذه القرارات تأمين بعض أهم مدخلات إنتاج القطاع الزراعي، أي الماء والبذور، إضافة إلى الأعلاف، بحيث أصبحت كلفتها مرتفعة على صاحب الأرض. والأمر الأكثر تأثيرًا كان انتقال وظيفة التسويق من الحكومة للفلاح نفسه الذي لا يمتلك مهارات التسويق والدعاية، مما ألجأه لتجار معروفين باسم الوسطاء في القطاع الزراعي، وهم مجموعة من المستثمرين الذين يديرون شركات للمنتجات الزراعية. هذه القرارات أدت لحصول تغير جوهري أحال العمل في الزراعة من عمل ينخرط فيه بشكل رئيسي صاحب الأرض نفسه، من خلال مزارعين أردنيين من أفراد عائلته أو يعملون معه بالأجرة، إلى عمل تنخرط فيه بشكل رئيسي الشركات الخاصة وتتكفل به العمالة الوافدة. وفضلًا عن تقليص الدعم على المدخلات، وتحويل مسؤولية التسويق للمزارع أو الشركة الزراعية، فقد قلصت الحكومات المتعاقبة الامتيازات التي وفرتها المؤسسات الائتمانيّة المختصة بالزراعة، التي وسبق أنْ أتاحت لصغار المزارعين الوصولَ إلى ائتمان رخيص ومدعوم. كان ذلك بتشجيع من البنك الدوليّ الذي دعا إلى تحرير أسعار المنتجات الزراعيّة والتسويق التجاري، معتبرًا أن هذه السياسات كانت ضرورية “للتغلب على بعض التشوهات التي مثلتها هذه المؤسسات المتخصصة، التي احتكرت أنشطة معيّنة في السوق وتخصصت في بعض أنشطة الاقتراض والإقراض”. بالتالي “حلّ التجار (..) محل مؤسسة التسويق التي جرى إلغاؤها، في توفير البذور والأسمدة ورأس المال لفقراء المزارعين، بتكلفة أعلى بكثير”. كل هذه التحولات ساهمت في التضييق أكثر على المزارعين، الذين أخفَق الكثير منهم في سداد المبالغ المتراكمة عليهم وصولاً للقضاء والمحاكم والسجن، خاصة أثناء فترات الجفاف في التسعينيات، لتصادر محاصيل البعض، وتصادر أراضي قلة منهم. ومع ارتفاع تكلفة الإنتاج مقابل نسبة الربح، باتت الزراعة غير مجدية ماديًا بالنسبة للكثير من المزارعين، ليعزف أهل الريف تدريجيًا عن الزراعة، وتصبح الشركات التي تمتلك رأس المال اللازم وآليات التوزيع والتسويق هي وحدها القادرة على استدامة عملها في القطاع، خاصة مع دخول العمالة المهاجرة والوافدة وتبين أرقام دائرة الإحصاءات العامة هذا التحول نحو العمالة المهاجرة في القطاع الزراعي. إلى جانب ذلك، فقد وجهت الدولة جهودها منذ السبعينيات نحو توظيف أبناء الريف في مؤسساتها. بدأ أبناء الريف بهجرة الأرض لصالح الوظيفة الحكومية عن طريق ديوان الخدمة المدنية، وزاد عدد الساعيين لها واتجهوا للدراسة الجامعية بتخصصات تمكنهم من ذلك. وتبعًا لإحصاءات ديوان الخدمة المدنية، فإن نسبة الذين يتم تعيينهم إلى نسبة المتقدمين لطلب الوظيفة قلت بشكل واضح عامًا بعد عام، في مؤشر على تحول شكل الاقتصاد من إنتاجي إلى خدمي، وتزاحم أبناء الريف إما للالتحاق بالجيش أو الوظيفة في القطاعات الحكومية. هذا التزايد في التوجه نحو الوظيفة عبر التعليم الجامعي، ساهم في ظهور مشكلة جديدة وهي تقسيم ملكية الأرض التي لجأ أصحابها إلى بيعها بغية سداد ديونهم أو إلحاق أبنائهم بالجامعات. فتفتت الملكيات الزراعية حولها إلى وحدات إنتاج صغيرة تصبح الزراعة فيها غير مجدية اقتصاديًا. كما ساهم في ذلك سماح الحكومة بتقسيم الملكيات خارج حدود البلديات إلى مساحات صغيرة. حيث تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن عدد الملكيات الزراعية الصغيرة من فئة عشرة دونمات فأقل ازداد
ضرورة احترام العمل المؤسسي
أصدر تجمع العمل المهني – القائمة الخضراء في نقابة المهندسين الاردنيين بياناً حول الأجواء غير الصحية التي تسود نقابة المهندسين الأردنيين، والمتعلقة بصورة خاصة بصناديق النقابة وحول الحوار المعطل بين مجلس النقابة والحسم النقابي. وفيما يلي نص البيان: مازالت ازمة صندوق التقاعد تلقي بظلالها على مجمل العمل النقابي وبشكل سيء، وهذا متوقع لانها ازمة مستحكمة وعميقة تحتاج الى جهد استثنائي للخروج من المستنقع الذي وصلت اليه بعد عهود من سوء الادارة والاستثمار والهدر وربما أكثر. طريق الخلاص واضح، أشرنا عليه مرار يتلخص في تشكيل لجنة من الهيئة العامة كاملة الصلاحيات تعمل تقييم للحاضر والماضي وتضع خطة خروج من المأزق بعيدا عن الضغوطات المختلفة، وهذا ما تجنبته كل المجالس، ربما لأنه شاق يتطلب عمل جراحي في العمق، هو مؤلم غير شعبوي لذلك لم يسلكه أحد، وهذا احد اسباب تعمق الازمة بحيث اخذت تتفاقم وصولا الى نقطة اللاعودة، لاسمح الله. ثم جاءت الكورونا لتمنع الاتصال وتعطل اليات العمل والاستثمار لتزيد الطين بلة، وبدل ان نتعامل مع الموضوع بما يجب من حيث استغلال فترة التعطل لدراسة وتقييم الاوضاع، من نواحي الاستثمار والادارة والهدر ورسم طريق للخروج من الاستثمارات الفاشلة ومعالجة عدم الكفاءة ومواقع الهدر ووضع اسس لخطة استثمار تضمن عدم تكرار اخطاء الماضي وتعمل على انتعاش الصندوق وديمومتة. بدل خرج علينا المجلس ومعه الدارس الاكتواري الذي واكب فترة التراجع، دون ان يفعل شيء جوهري في النصح والارشاد، بمقترح يتجاهل امر معالجة الخلل في الصندوق واستثماراته وادارته والهدر فيها، عاد مرة اخرى للاتكاء على كاهل المشترك، حيث تم الغاء شرائح واستحداث شريحة للشباب لمدة 5 سنوات وتقليص المنافع ومنها موضوع عمل المتقاعد. وهذه تشكل معالجة جزئية لا تسمن ولا تغني من جوع وربما يكون تأثيرها سلبي ان لم يتم معالجة جوهر الموضوع بما يضمن خطة انقاذ وتعافي للصندوق يستعيد ويعزز الثقة فيه ويجعل المشترك يقبل بحماس للمشاركة في الدعم والانقاذ. في ظل هذه الظروف يأتي التفكير في تجاهل هيئات النقابة والذهاب في مقترحات تعديل النظام الى رئاسة الوزراء من اجل اقرارها، رغم اننا نستبعد امكانية حدوث هذا لانها ان حدثت فانها ستكون عرضة للطعن امام القضاء. الا ان مجرد التفكير فيها وربما ان حدث العمل بها، فانها تشكل سابقة خطيرة في العمل النقابي تساهم في المزيد من اهتزاز الثقة المتدنية اصلا بين جمهور المهندسين، وهي قد تسمح للمزيد من التدخل والتغول على النقابة ومؤسساتها. وهذا واضح من حجم الاعتراضات على هذا العمل. لذلك وبالرغم من اقتناعنا بعدم جدوى مقترحات التعديل الا انه ان اراد المجلس السير فيها معتقدا انها العلاج السحري لمشكلة الصندوق، فانه كان يجدر به توسيع نطاق التشاور للخروج بحلول تتفق مع احترام العمل النقابي المؤسسي ولا تتجاوز على القانون والنظام، ومن هذه المقترحات قد تكون دراسة عقد الاجتماع عن بعد. وهذا ممكن لانه لا يوجد في القانون والنظام ما يمنع او يعارض هذا، لكن نحتاج الى وضع اسس لإدارة الاجتماع والنقاش والتأكد من شخصية المشتركين وطرق التصويت على القرارات، من اجل ضمان عدم الطعن فيها. وهذه ان حدثت فانها تشكل نقلة نوعية في العمل النقابي يضمن للزملاء المشاركة عن بعد حتى في بلاد الاغتراب ويضمن توسيع المشاركة والانتماء. ان وجد المجلس صعوبة في هذه، يمكن اجراء الترتيب مع الحكومة للسماح بعقد الهيئة العامة ضمن ظروف تتفق مع متطلبات الوضع الصحي، مثلا يمكن استعمال ساحة الكراج الشمالية وتغطيتها كاملة مما يسمح بوضع المقاعد متباعدة ضمن جو مفتوح وتهوية طبيعية. ان توفرت الارادة لا يعجز الانسان اجتراح الحلول المنطقية التي تحافظ على حسن ادارة المجتمع ومؤسساته، وهذا واجب وطني ملزم.