تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، وقبل وصوله للحكم، بحماية حرية التعبير في ما يتعلق بالمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل. والآن، هل سيحقق ما قاله، أم كان الأمر مجرد “دعاية انتخابية” وحديث غير مجد عن “حرية التعبير”. وهل سيتراجع بايدن عن جهود إدارة ترامب لفرض عقوبات على المنظمات التي تناهض التجارة مع إسرائيل أو مستوطناتها غير الشرعية ؟. خلال السنوات الأربع الأخيرة، قلبت إدارة ترامب السياسة العالمية فيما يخص القضية الإسرائيلية-الفلسطينية. وفي 19 تشرين الثاني2020 أصبح مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي الأول الذي يزور مستوطنة إسرائيلية بصفة رسمية، بعد عام من إعلانه أن المستوطنات في الضفة الغربية لا تنتهك القانون الدولي. في اليوم نفسه، تعهد بأن يعدّ قائمة بالمنظمات غير الحكومية التي تدعم مقاطعة إسرائيل ويقطع التمويل عنها – هذا الدعم يجعل منها، برأي إدارة ترامب، معادية للسامية. لم يُصدر بومبيو هذه القائمة لأسباب غير معروفة. لكن تولي جو بايدن الرئاسة ليس من المتوقَّع أن ينهي المساعي الحكومية لشيطنة “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” (حركة المقاطعة)، بطرق منها ما يهدد حرية التعبير. تدعو حركة المقاطعة إلى مقاطعة إسرائيل سلميا حتى تنهي احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، وتمنح المواطنين الفلسطينيين حقوقا متساوية، وتسمح بعودة اللاجئين الفلسطينيين. لم يوصم بومبيو حركة المقاطعة بأنها بطبيعتها معادية للسامية فحسب، إنما جمع معها مجموعات دولية تعتمد القانون الدولي لتحفيز الشركات على قطع علاقاتها مع المستوطنات في الضفة الغربية، وهي غير قانونية بموجب “اتفاقية جنيف الرابعة”. هيومن رايتس ووتش” إحدى هذه المجموعات. وهي لا تتخذ موقفا مع مقاطعة إسرائيل أو ضدها، لكنها تحثّ الشركات، تماشيا مع مسؤولياتها المتعلقة بحقوق الإنسان، أن تبتعد عن المستوطنات تجنّبا للانتهاكات الحقوقية المؤكَّدة بسبب تعقيدات المستوطنات. دأبت الهيئات التشريعية في الولايات، قبل تولّي ترامب منصبه بمدة طويلة، على سنّ قوانين تحظر تعاقد الدولة مع شركات أو أفراد يدعمون مقاطعة إسرائيل. طبّقتها 25 ولاية على الأقل حتى الآن؛ غالبيتها تجرم حتّى الجهات التي تقاطع المستوطنات فقط. وقد أوشك “الكونغرس” الاتحادي على إقرار قوانين تعاقب الشركات والمجموعات غير الربحية التي تقاطع إسرائيل أو مجرد المستوطنات. بايدن، عندما كان مرشحا، ندد بحركة المقاطعة لأنها “تستفرد إسرائيل” و”تنزع الشرعية” عنها، لكنه لم يوصفها بأنها بطبيعتها معادية للسامية. تعهد بعض المسؤولين الذين اختارهم بايدن في حكومته بمكافحة حركة المقاطعة، إذ أعلنت السفيرة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، بشكل مقلق، أنّ الحركة “لامست معاداة السامية”. لكن وزير الخارجية أنطوني بلينكن، الذي جاهر خلال جلسة تعيينه بمناهضته حركة المقاطعة، في السياق نفسه، أضاف، “نحن نحترم تماما، وسنحترم دائما، التعديل الدستوري الأول الذي يعطي الأمريكيين الحق بقول ما يعتقدون ويفكرون”. على بايدن أيضا الدفاع عن حرية التعبير، التي تتضمن الحق بالدعوة إلى المقاطعة السلمية، حتى لو كان مناهضا لحركة المقاطعة. كما عليه التصدي للقوانين التي تجرم الشركات الساعية إلى النأي بنفسها عن انتهاكات حقوق الإنسان المتأصلة في المستوطنات الإسرائيلية. وينبغي أن ينبذ، علنا، إرث ترامب المتمثل بالوصف الزائف لأي انتقاد لإسرائيل بأنه معاداة للسامية. لكن بايدن داعمٌ قوي لإسرائيل، ويشير إلى نفسه بأنه صهيوني. وقد قاوم من قبلُ دعواتٍ لفرض شروط متعلقة بحقوق الإنسان على الدعم الموجه لإسرائيل، وتعهد بأن تبقى المساعدات تتدفق إليها بغض النظر عما تفعله، يقول موقع Middle East Eye البريطاني. وأي تحرك للتراجع عن سياسات ترامب الموالية لإسرائيل سيواجِه مقاومة على الأرجح، من الجمهوريين ومن أنصار إسرائيل داخل حزب بايدن. تجدر الإشارة إلى أن حركة مقاطعة إسرائيل تقول على صفحتها الإلكترونية إنها “حركة فلسطينية المنشأ عالمية الامتداد، تسعى إلى مقاومة الاحتلال والاستعمار- الاستيطاني الإسرائيلي، من أجل تحقيق الحرية والعدالة والمساواة في فلسطين”. وقد حققت حركة المقاطعة خلال السنوات الماضية العديد من الإنجازات على الصعيد العالمي، وهو ما دفع “إسرائيل” إلى إصدار قوانين تمنع نشطاء الحركة من الدخول إليها. ومن الإنجازات التي تحققت خلال العام الماضي دعم أكثر من 452 منظمة مدنية بالعالم للنداء الفلسطيني الذي يطالب الأمم المتحدة بالتحقيق في الفصل العنصري الإسرائيلي، مؤكدة أن هدفها في العام الحالي “إنهاء نظام الاحتلال والاستعمار- الاستيطاني الإسرائيلي”.
إيران تصنع والخليج يخضع
هيثم الصادق إعلان إيران عن اطلاق القمر الفضائي “زول خانة”، وتجربة اقوى محرك لصاروخ بقوة دفع تزيد على 750 طنا يطلق من منصة متحركة، ويمكنه حمل اقمار صناعية يصل وزنها الى 220 طنا ومداها الى مدار 500 كيلومترا فوق سطح الأرض، رغم العقوبات الجماعية التي فرضها الرئيس الامريكي المخلوع ترامب على ايران، يدعو للتساؤل عن حالة التصعيد النووي المتواصلة في المنطقة، في ظل اصرار امريكي- اسرائيلي على عدم اقرار يضمن الوصول الى شرق اوسط خال من السباق النووي، واصرار اسرائيل على الابقاء على تفوقها النووي في المنطقة وارهاب شعوبها. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر الماضي قد طالبت في قرار حظي بدعم 153 دولة عضوا في الهيئة الأممية ورفض 6 دول للقرار، وامتناع 25 دولة اخرى اسرائيل للتخلي عن سلاحها النووي والسماح بحملات تفتيش على مفاعلاتها، بعد ما اشيع عن امتلاك اسرائيل 90 رأسا حربيا نوويا، لكن اسرائيل وحلفاءها اصروا على رفض القرار، والابقاء على مبدأ “الغموض النووي”، الأمر الذي اوجد مسوغات لايران للانخراط في السباق النووي، خاصة بعد ان انقلبت سياسة ترامب المخلوع على الاتفاق النووي مع ايران. ازاء هذا السباق تتفاقم مخاوف دول الخليج العربي وتبحث عن غطاء حمائي قد تكشف عنهم بعد رحيل ادارة ترامب الذي كان يقايض ذلك المظلة الحمائية بمليارات الخليج ونفطها، هذا الوضع دفع دول الخليج لتجسير خلافاتها من خلال عقد القمة الخليجية 41 في محافظة العلا الأثرية. اسرائيل استغلت حالة القلق التي تشهدها دول الخليج فبادرت بالموافقة على نشر الأنظمة الدفاعية (القبة الحديدية) في القواعد الامريكية المنتشرة في دول خليجية، وذلك لسببين الضغط على تلك الدول لتعميق مسار التطبيع وجعل الأمن الخليجي مرتبطا بالأمن الاسرائيلي وبتمكين اسرائيل في المنطقة، اضافة لتحقيق حلم اسرائيلي بأن يكون شريكا أمنيا لدول الخليج وتسويق اسلحته وخدماته العسكرية واللوجستية عليها، الأمر الذي يجعل تلك الدول في حالة خنوع وتبعية مطلقة للسياسة الاسرائيلية وداعمة للتفوق الاقتصادي الاسرائيلي في المنطقة. ايران من جهتها لن تصمت أمام هذا الواقع الجديد بل ستلجأ الى دعم القوى الحليفة في دول الخليج مما سيؤدي الى زعزعة الأمن الداخلي في هذه الدول ويعرضها لحالة احتقان شعبي قد يعبر عن نفسه باشكال متعددة ترهب تلك الانظمة.
انتفاضة أممية ضد الحرب في اليمن
نظم ما يزيد على (200) منظمة دولية والعديد من السياسيين والأكاديميين والإعلاميين والحقوقيين حملة دولية ميدانية والكترونية تضامناً مع اليمن ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي واحتلت (الترند) العالمي وذلك بمناسبة اليوم العالمي من اجل اليمن (25 يناير 2021) وشارك في الحملة اتحادات طلابية على رأسها اتحاد طلاب الجامعات البريطانية. وعبر المتضامنون عن إدانتهم العدوان والحصار الوحشي على اليمن المستمر منذ 6 سنوات، الذي تسبب في أكبر كارثة إنسانية هي الأخطر في العالم، استخدمت فيها الأسلحة المحرمة دولياً وإرتكبت جرائم حرب ضد الأبرياء وصلت ضحاياها الى (250) الفاً من الأبرياء المدنيين أغلبهم من الأطفال والنساء وتجويع 24 مليون يمني ومنع أكثر من نصف مليون من المرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج بسبب حصار مطار صنعاء الدولي. ومنع دخول المشتقات النفطية الذي قتل الحياة بشكل كامل. وشهد اليوم التضامني مظاهرات ووقفات أمام مقر الأمم المتحدة في المانيا وبريطانيا وأمريكا واليمن و17 دولة تحمل رسالة إلى العالم والأمم المتحدة تحت شعار أوقفوا الحرب أوقفوا الحصار على اليمن، وطالبت هذه التحركات بتحييد المطارات والموانئ والمنافذ والخدمات الأساسية المتصلة بالإنسان، صرف رواتب الموظفين، إطلاق جسر طبي جوي لتمكين المرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج، تقديم التسهيلات للمرضى والرعاية. ويعود اليوم العالمي من أجل اليمن الى الفكرة التي بدأتها شخصيتان عالميتان عرفتا بوقوفهما إلى جانب اليمن وهما (جيرمي كوربن) الرئيس السابق لحزب العمال البريطاني و(بيرني ساندرز) المرشح السابق للانتخابات الأميركية وفي هذا السياق سلّطت كبريات الصحف والمواقع الغربية الضوء على هذه الصحوة العالمية. صحيفة (غلوب آند ميل) الكندية كتبت تحت عنوان (الكنديون يحتجون على مبيعات الأسلحة للسعودية ويطالبون بإنهاء الأزمة المستمرة في اليمن): إن العشرات في مدينة (فانكوفر) الكندية، تظاهروا، تنديداً باستمرار الحرب على اليمن. وطالب المحتجون الذين جابوا بسياراتهم شوارع (فانكوفر)، التحالف بإيقاف الحرب على اليمن في أسرع وقت ممكن. وشجبت تلك التحركات العقاب الجماعي للشعب اليمني من خلال الحصار المفروض على اليمن منذ قرابة 6 أعوام، داعين الأنظمة الأوروبية والنظام الأمريكي إلى إيقاف بيع الأسلحة للسعودية والإمارات. موقع ديلي (هامبتشر غاتزيت) الأمريكي سلّط الضوء على التظاهرة التي شهدتها مدينة (نورثمبتون) الأمريكية تحت عنوان (المتظاهرون في نورثمبتون يطالبون بوقف الحرب على اليمن)، وقال الموقع: إن المتظاهرين تجمعوا خارج مكتب النائب الديموقراطي (جيم ماكغفرن) للمطالبة بإنهاء الحرب في اليمن. وأشار الموقع الى أن (ماكغفرن) تحدث إلى المتظاهرين عبر الهاتف بعد أن اتصلوا بمكتبه في (ورسستر) مؤكداً لهم أنه يشرف على مشروع قانون في الكونجرس من شأنه أن يوقف بيع الأسلحة للسعودية التي تقصف اليمن. الموقع البريطاني الشهير والمهتم بشؤون الشرق الاوسط كتب تحت عنوان (تزايد الضغوط على بايدن لإنهاء دعم الحرب التي تقودها السعودية في اليمن): إن مظاهرات حدثت في مدن أمريكية عديدة – بما في ذلك (نيويورك ونيوارك) المجاورة و(سان فرانسيسكو)- في حين حضر الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني (جيريمي كوربين) والممثل والناشط (داني جلوفر) والأكاديمي البارز (كورنيل ويست) مسيرة عبر الإنترنت.. وقالت المنظمة الرئيسية للجنة التحالف اليمني في مدينة نيويورك (كوثر عبد الله): إن ما يحصل في اليمن هو دمار مستمر وهي كارثة من صنع الإنسان وقد حان الوقت لانهاء الحرب. الأكاديمي (كورنيل ويست)، متحدثاً في تجمع على الإنترنت أقيم عبر Zoom))، أنه يريد أن يعرف اليمنيون أن إنسانيتهم لن تصبح أبداً غير مرئية بغض النظر عما تقوله وسائل الإعلام الغربية. واحتشد عشرات من النشطاء خارج مكتب عضو الكونجرس (جريجوري ميكس)، الرئيس الجديد للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب مطالبين إياه بتفعيل قانون سلطات الحرب، والذي من شأنه أن يجبر إدارة بايدن على سحب الجيش الأمريكي وينهي دعم التحالف السعودي من أجل إنهاء الحرب في اليمن. (كومون دريم) الأمريكي هو الآخر سلّط الضوء على الحدث تحت عنوان (كنديون ضد الحرب على اليمن يمنعون شحن مركبات مدرعة متجهة إلى السعودية).. الموقع ذكر أن المئات من الكنديين تجمعوا للمطالبة بإنهاء الحرب على اليمن وإيقاف شحن الآليات المدرعة المباعة إلى السعودية وأشار الى أن المظاهرات الكندية وصلت إلى أبعد من ذلك حيث وضع نشطاء مناهضون للحرب في جنوب (أونتاريو وهاميلتون) جثثهم أمام شاحنات تابعة لشركة (باددوك ترانسبوت انترناشيونال) الكندية لتعطيل ما وصفوه أنه نقل أسلحة تفاقم الحرب على اليمن وتزيد من معاناته. وشكلت هذه الانتفاضة العالمية والاستنكار الدولي الواسع للحرب والابادة الجماعية للشعب اليمني الذي تزامن مع استلام ادارة بايدن للبيت الابيض ضغطا على الادارة الجديدة لوضع الملف اليمني على رأس أولويات السياسة الخارجية للبيت الابيض، دفع بايدن لتعيين تيموثي ليندركينغ صاحب الخبرة العريقة في العلاقات الامريكية مع ايران والشرق الاوسط مبعوثا له الى اليمن، واستشعرت السعودية ابعاد هذا القرار فبادرت للترحيب به والاعراب عن استعدادها لوقف عملياتها العسكرية في اليمن التي واصلتها على امتداد الفترة الرئاسية لترامب.
قرار قضائي أممي يدشن مرحلة جديدة لمساءلة الاحتلال
اتخذت المحكمة الابتدائية لمحكمة الجنايات الدولية قرارا يقضي بانطباق ولايتها القانونية على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس، وهو ما يشكل مرحلة جديدة لمساءلة الاحتلال، وانجازا للقانون الدولي وانتصارا للحق والعدالة ومنع الافلات من العقاب. وبموجب هذا القرار باتت ممكنا فتح تحقيقات بكافة الجرائم المتصلة المرتكبة من الاحتلال خاصة قضية الأسرى، وجريمة الاستيطان المتواصلة وما يتصل بها من جرائم التطهير العرقي، الى جانب جريمة العدوان على قطاع غزة الذي تعرض ويتعرض لحصار إسرائيلي ظالم، وما يرافقه من جرائم ومعاناة لأبناء الشعب العربي الفلسطيني والتي تصل لجرائم الابادة الجماعية. وقد وصل “الجماهير” نص التصريح الصحفي الصادر عن حزب الشعب الفلسطيني، الذي تضمن ترحيب الحزب الشقيق بقرار الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية على الاراضي الفلسطينية كافة بما فيها الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة. واعتبر الحزب في تصريحه أن هذا القرار خطوة مهمة تفتح الطريق للتحقيق الجدي في جرائم الحرب والاعتداءات العسكرية بمختلف اشكالها التي ارتكبتها دولة الاحتلال الصهيوني بحق شعبنا الفلسطيني. وختم الحزب تصريحه بدعوة القيادة السياسية الفلسطينية للتعامل بجدية مع هذا الإنجاز واستثماره لصالح ملاحقة ومحاكمة الاحتلال وقادته على جرائمهم بحق شعبنا الفلسطيني. بدوره تساءل المناضل تيسير الزبري إن كان سيجري تفعيل القرار الأممي أم سيجري وضعه على لوحة الحركات السياسية التفاوضية والتكتيك الفاشل ؟!!
مغزى تغيير نتنياهو لهجته تجاه الجماهير العربية
نضال مضيه شكلت ولادة القائمة المشتركة نقطة انعطاف نوعية في المسيرة الكفاحية لجماهير يوم الأرض الخالد ضد سياسات التهميش والاقصاء والتمييز التي لم تتوقف عن ممارستها الطغمة الصهيونية الحاكمة منذ النكبة ولغاية الآن. وولد نجاح الأحزاب العربية الوطنية والإسلامية في ان تتعالى على خلافاتها واختلافاتها وتوحيد صفوفها لمواجهة محاولات اقصائها عن الحلبة البرلمانية صدمة للأحزاب الصهيونية التي راعها أن تتحول الجماهير العربية في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة الى قوة سياسية يصعب تجاهلها، تتزايد قدرتها في التأثير على توجهات وقرارات الأوساط الصهيونية الحاكمة المتعلقة بحقوقها ومجالات حياتها المختلفة. تشكيل “القائمة المشتركة” لم يؤد فقط الى رفع نسبة الاقتراع في الوسط العربي، والى زيادة مقاعد النواب العرب في الكنيست، بل وفي سد كثير من المنافذ التي كانت تتسلل من خلالها الأحزاب الوسط واليمين واليسار الصهيونية لاقتناص أصوات من الناخبين العرب، وزيادة فرص حضورها في الكنيست، دون ان يسهم ذلك في حل أي من المشاكل الملحة والمزمنة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية، التي تعترض الجماهير العربية في مدنها وقراها ولو بصورة جزئية. الرعب الذي انتاب الأحزاب الصهيونية من نجاح “القائمة المشركة” في حصد 15 مقعدا من مقاعد الكنيست الأخيرة من إمكانية ان يتحول هذا النجاح الى نموذج قابل لأن يتكرس، ويتعزز في أي انتخابات قادمة عبر رفع نسبة المقترعين، وبالتالي ارتفاع عدد مقاعد النواب العرب، دفع قادة الأحزاب الصهيونية، بما فيها اليمينية، الى إعادة النظر في التكتيكات المتبعة تجاه الوسط العربي، وتجاه التعاطي مع مطالبه ومشكلاته، والتخلي، مؤقتا، عن اللهجة العدائية الصريحة والتحريض الارعن ضد الجماهير العربية. ولم يكن أحد أكثر أقطاب اليمين الصهيوني العنصري خبثا ودهاء وكذبا، بنيامين نتنياهو، بمنأى عن هذه التوجهات. فهو كان سباقا لبذل مساعي وجهود محمومة لإحداث شرخ في “القائمة المشتركة”، والعمل على شقها واستمالة بعض أطرافها عبر اغداق الوعود الكاذبة والمخادعة، وفي نفس الوقت مواصلة “التحريض على القائمة المشتركة واتهامها بفقدان ثقة الجماهير العربية” وقد انزلقت، للأسف، الحركة الإسلامية الجنوبية برئاسة منصور عباس، الى هذا المنزلق الخطر، ووقعت في المحذور، وأبدت استعدادا عمليا للتساوق مع نتنياهو، دون ان تتنبه، أو تنصت للتحذيرات الآتية من شركائها في “القائمة المشتركة” ومن مصادر صديقة من مغبة هذا الانزلاق مع ما يحمله من مخاطر على وحدة “القائمة”، وتراجع قوتها التصويتية وحضورها في الكنيست القادمة. تفرط الحركة الإسلامية الجنوبية بوحدة “القائمة المشتركة”، وتسلم مصيرها ومصير من يدعمها لنتنياهو وتحقق له ولحزبه اليميني المتطرف فرصة يتوق اليها للتسلل مجددا الى الوسط العربي، دون ان يردعها مثلا ما قاله المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الامريكية جون برينان في لقاء صحفي عن نتنياهو بانه “سياسي ماكر ولديه فهم ماكر للسياسة، وهو ليس رجل مبادئ وليس شخصا أخلاقيا، قابل لأن يغير رأيه وموقفه ولن يحترم وعوده، اذا كان ذلك في مصلحته السياسية”. ويضيف برينان أن نتنياهو “كذب عليّ شخصيا”. تتزلق الحركة الإسلامية الجنوبية للوقوع في احابيل نتنياهو وتوجهاته الماكرة والمخادعة متغافلة عن سجله الحافل بالتحريض والتفوهات العنصرية، وعن الدور الحاسم الذي اضطلع به في تعزيز الطابع العنصري للحكومة ومؤسساتها واذرعها الاستيطانية وسياساتها، وعن مسؤوليته في إقرار منظومة كاملة متكاملة من القوانين العنصرية، منها قانون كامينيتس لتسريع هدم البيوت العربية، وقانون القومية الذي يفتخر به القطب اليميني المتطرف ولا ينكر دوره في سنّه، والذي يعتبر إسرائيل” ليس دولة جميع مواطنيها بل دولة قومية للشعب اليهودي وحده”. وبعد ان كان نتنياهو لا يتردد خلال الحملات الانتخابية الثلاث الماضية بوصم العرب بعبارات تعتبر “عنصرية” و”تحريضية” بحقهم، ولم يتورع عن وصفهم بـ “داعمي الإرهابيين:”، فاجأ سكان مدن الناصرة وام الفحم والطيبة بزيارتهم وتفقد مراكز التطعيم ضد فايروس كورونا، وتقدم منهم باعتذار عن تصريحاته (العنصرية والتحريضية) السابقة، وصرح في الحضور قائلا: ” ان عرب إسرائيل يجب أن يكونوا جزءا كاملا يتساوى مع المجتمع الإسرائيلي”. كما لم يكن متحفظا في اغداق الوعود للجمهور الفلسطيني “بالقضاء على الجريمة في المجتمع العربي مثلما تم القضاء عليها في المجتمع اليهودي”، وبالحديث “عن زيادة الميزانيات للمجالس البلدية والمحلية للعرب. لا يحتاج المرء الى فطنة ليدرك ان نتنياهو في ضوء صفاته الشخصية والسلوكية، ومنها ما سبق الاشارة اليه، يرمي من كل هذه الوعود والاقوال اقتناص جزء من أصوات المواطنين الفلسطينيين، بما يجنبه الخسارة المتوقعة في الانتخابات القادمة. فبدلا من التحريض على الجمهور العربي بات مرغما على اتباع تكتيك جديد يستهدف “الاحتواء والاحتضان”. وقد كان لافتا أن يخرج نتنياهو من جولته في الناصرة بإعلان صريح من جانب رئيس بلدية الناصرة علي سلام بالاستعداد لتقديم الدعم له ولليكود، بعد ان كان هذا الدعيّ (سلام) قد انقلب منذ بضع سنوات على قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة لانتخابات مجلس بلدية الناصرة التي كان عضوا فيها وتنكر لها. بحسب استطلاع للرأي أجرته صحيفة “معاريف” مؤخرا من المتوقع أن يحصل معسكر اليمين على 60 مقعد، وهو لا يحتاج الا الى صوت واحد ليشكل حكومة بمفرده. وهذا المقعد يجهد نتنياهو في انتزاعه من الجمهور العربي. ويبني نتنياهو آماله على الحركة الإسلامية الجنوبية التي نجح في دفعها للانسحاب من “القائمة المشتركة”، وعلى تودد رئيسها منصور عباس لليمين ودفاعه المتكرر عن دور الشرطة في مواجهة العنف المتفشي في المدن والبلدات العربية. وقد دعّمت الحركة الإسلامية الجنوبية مواقفها اللفظية بخطوة عملية تمثلت بامتناع نواب الحركة في الكنيست عن التصويت على اسقاط حكومة نتنياهو في اخر تصويت لحل الكنيست، مما شكل اول شرخ فعلي داخل “القائمة المشتركة”. وحتى لو لم ينجح نتنياهو في كسب أصوات المواطنين العرب، فهو على الأقل يطمح لإحداث ارباك في صفوفهم يدفعهم للانكفاء من جديد والركون الى اللامبالاة المعهودة بالامتناع عن التصويت، وهو ما يشكل بحد ذاته ضربة للجهود المبذولة والتي نجحت في انتخابات الكنيست السابقة لزيادة نسبة الاقتراع في الوسط العربي، لأن هذا يصب في مصلحة الأحزاب المؤتلفة في اطار “القائمة المشتركة”. ورغم الخسارة التي تكبدتها “القائمة المشتركة” بانسحاب الحركة الإسلامية الجنوبية منها، الا أن الأحزاب الثلاثة (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة العربية للتغيير) واصلوا العمل الحثيث للمحافظة على المكتسب الهام الذي تحقق وأثمر قوة اضافية للجماهير العربية، وتأثيرا أوسع كانت هناك آمالا بأن يتنامى ويتسع لولا انتهازية “الاخوان المسلمين” بقيادة عباس منصور. وقد أمكن التوصل الى اتفاق لخوض انتخابات الكنيست في 23 من آذار القادم ضمن “القائمة المشتركة”، الامر الذي قد يجعل الخسائر المتوقعة ضمن الحدود الدنيا. اقتبس من الرفيق برهوم جرايسي بعد الإعلان عن توقيع الاتفاق فجر الخميس، ننطلق للعمل لتعزيز الحامية الوطنية، لصد الاحزاب الصهيونية بجميع تشكيلاتها وتسمياتها. ولنعزز القائمة المشتركة بحلتها الجديدة على أسس وطنية ثابتة ذات بوصلة واضحة: دولة وعودة، كرامة وحقوق وطنية، وحقوق مدنية ترتكز على أننا أهل البلاد، ولا نستجديها من بني صهيون…هيّا للعمل هيّا للفلاح…