كانت البطالة وما زالت أحد الهموم الكبيرة التي تعاني منها البلاد، وقد زاد معدلها في السنوات الأخيرة وبلغ ما يزيد عن 19 % في نهاية العام الماضي. وجاء في تقرير دائرة الإحصاءات العامة أن المعدل بلغ 23 % في الربع الثاني من العام الحالي. وبلغ معدل البطالة للذكور 21.5 % مقابل 28.6 % للإناث. وكان معدل البطالة مرتفعاً بين حملة الشهادات الجامعية، الذين يحملون شهادة بكالوريوس فما فوق، حيث بلغ 26.6 % مقارنة بالمستويات التعليمية الأخرى. وجاء في تقرير الإحصاءات العامة أن 51.6 % من اجمالي المتعطلين هم من حملة الشهادة الثانوية فأعلى بينما كانت المؤهلات التعليمية لـ48.4 % أدنى من ذلك. وسجل أعلى معدل البطالة في الفئتين العمريتين 15 – 19 سنة و20 – 24 سنة. وكانت البطالة بين الاناث من حملة البكالوريوس فما فوق 78.2 % بينما كانت لدى الرجال 26.5 %.وكان معدل البطالة الأعلى في محافظة العاصمة حيث بلغ 25.8 % وأما الأدنى فكان في محافظة الكرك حيث بلغ 14.7 %. وبلغت نسبة المشتغلين من السكان 15 سنة فأكثر 26 %. وتركز 58.6 % من المشتغلين من الذكور في الفئة العمرية 20 – 39 سنة في حين بلغت بالنسبة للإناث 60.1 %. وأشارت النتائج الى أن 68.7 % من مجموع قوة العمل من النساء كان مستواهن التعليمي بكالوريوس فأعلى مقارنة مع 24.9 % بين الذكور.وتشير هذه النتائج الى أن معدل البطالة مرتفعاً في أوساط الشباب للرجال والإناث، وخاصة حملة الشهادات الجامعية، الأمر الذي يشكل حالة شديدة التعقيد. فاذا ما علمنا أن العديد من الباحثين والمتابعين يتوقعون أن يرتفع معدل البطالة حتى نهاية العام الى ما يقرب من 30 % وإن غالبية المتعطلين سيكونون من الشباب حملة الشهادة من الثانوي فما فوق. وفي ظل الانكماش الاقتصادي واحتمالات تراجع معدل النمو الى حوالي 5 % حتى نهاية العام، فانه من المتوقع أن يزداد عدد العاطلين عن العمل رجالاً ونساءً. فمن المعروف أن العديد من العاملين حالياً يتقاضون حوالي نصف الراتب بسبب الكساد، هذا مع العلم أنه ليس بمقدور الاقتصاد الوطني توفير فرص عمل للذين سيدخلون سوق العمل حتى نهاية العام.وتشير بعض التقديرات الى أن الآلاف من العاملين في خارج البلاد، وخاصة في دول الخليج سيعودون الى البلاد، ناهيك عن احتمالات تسريح بعض العاملين جراء كساد النشاط الاقتصادي. وتوقع منتدى الاستراتيجيات الأردني فقدان 46 % من العمالة السياحية لوظائفهم عام 2020 أي ما يعادل 23500 وظيفة من أصل حوالي 54 ألفاً.إن التصدي لقضية البطالة ومختلف أبعادها كالفقر والجوع وغيرها يتطلب التدقيق في السياسة الاقتصادية وخاصة قضية الاستثمارات بهدف تشجيع الاستثمارات المولدة لفرص العمل بالدرجة الأولى.
الاقتصاد العالمي بعد كورونا!
شكلت جائحة كورونا أكبر زلزال هز العالم منذ الحرب العالمية الأولى، وهي تهدد العالم بأزمة اقتصادية أعمق بكثير من أزمة الركود العالمي في نهاية عشرينيات القرن الماضي. وشملت الأزمة جميع دول العالم بلا استثناء، وكان وقعها شديد الوطأة وكارثياً في العديد من الدول لا سيما الدول النامية الفقيرة. وسيعاني العالم من ركود اقتصادي غير مسبوق.ويرى المختصون في صندوق النقد والبنك الدوليين أن الدول النامية منخفضة الدخل ستعاني من صعوبات تعيق قدرتها على مواجهة تداعيات الأزمة. وإن هذه الدول تعاني من الصدمات الخارجية فضلاً عن معاناتها من انكماش داخلي. ويرجح أن يتوقف النمو في هذه البلدان هذا العام او حتى يتراجع خاصة في ظل غياب جهود دولية لدعمها. فقد كان نصف هذه البلدان يعاني من مستويات الدين العام المرتفعة ومن انخفاض الصادرات وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية والانخفاض الحاد في تحويلات العاملين في الخارج وانخفاض عائدات السياحة. وتشير مسوح أجريت مؤخراً في 20 بلداً افريقياً الى أن أكثر من 70 % من المجيبين مهددون بنفاذ الغذاء إذا استمرت حالات الاغلاق.سجلت عدة دول تراجعاً غير مسبوق في اجمالي الناتج المحلي في الربع الثاني من العام الحالي، إضافة الى الانكماش الذي سجل في الأشهر السابقة. فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم بنسبة 9.5 % في الربع الثاني بعد تراجع 1.3 % في الربع الأول. وتجنبت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم الدخول في ركود، حيث سجلت نمو في الناتج المحلي بلغ 11.5 % في الربع الثاني بعد تراجع بلغ 10 % في الربع الأول. ويبقى معدل النمو في الصين متدنياً قياساً للعقود السابقة. وتراجع الناتج الإجمالي بنسبة 7.8 % في الربع الثاني وتراجع اجمالي الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنسبة 12.1 % مقابل 3.6 % في الربع الأول، وسجلت المانيا أكبر اقتصاد أوروبي أكبر انكماش بنسبة 1.1 % في الربع الثاني. وفي فرنسا سجل الناتج المحلي الإجمالي انكماشاً بنسبة 13.8 %. ودخلت إيطاليا في انكماش كبير بنسبة 12.4 % في الربع الثاني، فيما تراجع الاقتصاد الاسباني بنسبة 18.5 % في الربع الثاني. وتشهد المملكة المتحدة أكثر الدول الأوروبية تضرراً من حيث عدد الوفيات والركود الأسوأ في القارة بنسبة 20.4 % في الربع الثاني وانكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 8.5 % في الربع الثاني علماً ان روسيا عانت من تداعيات أزمة النفط.900 مليار دولار خسائر قطاع السياحةودعت الأمم المتحدة الى تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول للحد من الوطأة المدمرة للقطاع السياحي الذي يشكل مصدر العائدات الرئيس لبعض الدول.وقال أمين عام الأمم المتحدة انه خلال الخمسة أشهر الأولى من هذا العام تراجعت حركة وصول السياح الأجانب الى الدول بأكثر من النصف وتمت خسارة حوالي 320 مليار دولار من عائدات السياحة. وقد تصل الخسائر الى أكثر من 900 مليار دولار حتى نهاية هذا العام. وحذر أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش بأن 120 مليون وظيفة مهددة. وقال ان الأزمة تشكل صدمة كبرى للاقتصادات المتطورة غير ان الوضع شديد الخطورة بالنسبة للدول النامية.وقال خبراء صندوق النقد الدولي أنه برغم الجهود التي تبذلها حكومات الدول النامية منخفضة الدخل، فان وقوع الضرر الدائم يبدو حتمياً في غياب المزيد من الدعم الدولي. ومما يثير القلق احتمال حدوث آثار كبيرة كزيادة معدل الوفيات وتدهور الصحة العامة والتعليم واستنزاف المدخرات واضطرابات الإنتاج التي يتعذر إصلاحها وزيادة أعباء المديونية العامة. ومن شأن هذه الأمور أن تسبب انتكاسات حادة لجهود التنمية بما في ذلك ضياع المكاسب المحققة سابقاً.وطالب الخبراء أن يدعم المجتمع الدولي البلدان النامية منخفضة الدخل لكي تتعافى وضمان الامدادات الصحية لها وكذلك امدادات الغذاء والدواء. ومن الأولويات أيضاً تعديل خصائص الديون وإعادة هيكلتها لإعادة القدرة على الاستمرار في تحمل الديون والعمل على تخفيف أعباء الديون بشكل عام.
النهج الحكومي يفشل في وقف التدهور الاقتصادي
من المعروف أن الأردن كان يعاني من أزمة اقتصادية عميقة طوال الأعوام السابقة، وجاءت جائحة كورونا لتعمق هذه الأزمة وتعطيها أبعاداً شديدة السلبية. هناك شبه اجماع بين العديد من الخبراء الاقتصاديين في البلاد وبين بعض ممثلي القطاعين العام والخاص على ضرورة إعادة النظر في السياسة الاقتصادية من جهة ووضع خطة اقتصادية شاملة لمواجهة افرازات كورونا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي من جهة ثانية. التقديرات الأولية لأهم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، تفترض بسبب خطورتها اللجوء الى إجراءات وسياسات فعالة واستثنائية للتصدي لتداعياتها. وكما هو الحال في بقية أنحاء العالم يتوقع أن ينخفض النمو الاقتصادي في بلادنا، ويتوقع أن يبلغ الانكماش ما يزيد عن 3.5 % من اجمالي الناتج المحلي لهذا العام 2020 حسب تقديرات مؤسسات دولية متعددة، مع زيادة كبيرة جداً في عجز الموازنة قد تصل 2.5 مليار دينار، علماً ان انخفاض الإيرادات بلغ في الربع الأول من العام الحالي حوالي 602 مليون دينار. وتوجد تقديرات إيجابية تشير الى أن حملة مقاومة الفساد والتهرب الضريبي قد تعوض جزءاً هاماً من هذا التراجع حتى نهاية العام. إن الوضع الاقتصادي الناشئ من أزمة كورونا بمختلف تعقيداته يتطلب التمويل الضروري لمواجهة المتطلبات الجديدة، وتوفير الانفاق الضروري في عدة مجالات، الأمر الذي يؤكد ضرورة اللجوء الى الاقتراض، والذي قد يرفع الدين العام الى حوالي 110 % من الناتج المحلي الإجمالي، مع ما يترتب على ذلك من زيادة في خدمة الدين، الأمر الذي يتطلب محاولة عدم تسديد خدمة الدين لهذا العام واللجوء الى الاقتراض بفوائد متدنية ولآماد زمنية طويلة. وتشير مختلف التوقعات الى أن معدل البطالة قد يصل الى 30 % هذا مع زيادة أخرى قد تنجم عن فقدان العديد من الأردنيين لفرص العمل في الخارج. ويعتقد أنه يوجد ما يقارب من 700 ألف أردني يعملون في الخارج ومعظمهم في الدول الخليجية التي بدأت تتخذ إجراءات لتقليص حجم العمالة الوافدة لديها. ولا يتوقف الأمر عند الزيادة الجديدة في معدل البطالة من هذه الناحية، ولكنه سيؤدي الى تقليص حوالات العاملين في الخارج، والتي تشكل مع الدخل السياحي مصدراً هاماً للعملة الصعبة في البلاد. ويتوقع أن يرتفع معدل الفقر كثيراً، ويقدر البعض أنه سيزيد عن 25 % هذا مع العلم أن ما يزيد عن 50 % من قوة العمل تعمل في القطاع غير النظامي وهي بدون أية ضمانات معيشية وفي غالب الأحوال تعيش على دخلها كل يوم بيومه الأمر الذي يهدد بزيادة معدل الفقر واحتمال انتشار حالات من المجاعة، علماً أن الجهات الدولية تقدر أن ما يزيد عن 300 مليون انسان سيعانون من المجاعة على الصعيد العالمي، وأن أكثر من 200 مليون سيعانون من البطالة بينهم أكثر من خمسة ملايين في البلاد العربية. وبجانب كل ذلك فان تكاليف المعيشة سترتفع وسيعاني المواطنون من الغلاء في ظل تراجع الدخل الفردي وركود أو تراجع الأجور والرواتب، وسينخفض الطلب الكلي في البلاد الأمر الذي سيساهم في تعميق أزمة الانكماش الاقتصادي وهناك قضايا شديدة التأثير على المواطنين والتي من أهمها ارتفاع تكاليف التعليم على مختلف المستويات وخاصة الجامعي، وارتفاع تكاليف الطبابة مع ارتفاع أسعار الأدوية، خاصة وإن نسبة كبيرة من المواطنين ليست مشمولة بالتأمين الصحي، علماً أن آلاف العائلات تعاني من الفقر وتتلقى حالياً دعماً حكومياً. أما القضية الهامة والمؤثرة في الوضع الاقتصادي هي العمل على استعادة الاقتصاد نشاطه ومعالجة أوضاع مختلف القطاعات كل على حدة ولكن في إطار خطة شاملة للخروج من الحالة الاستثنائية الصعبة التي أوصلتنا اليها أزمة كورونا. فاستعادة الحياة الاقتصادية الطبيعية تستلزم بالضرورة الوقوف عند النواقص التي كشفتها الأزمة والاستفادة بشكل عام من التجربة الصعبة التي عاشتها البلاد ويأتي في مقدمة القضايا الملحة إجراء تقييم شامل للمتطلبات الضرورية لاستدامة النشاط الاقتصادي واستمرار المنشآت في نشاطها. وهذا يتطلب توفير السيولة المالية بالدرجة الأولى للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي تشكل الركن الأهم في الاقتصاد الوطني وذلك من خلال تقديم تسهيلات مالية لها بمعدلات فائدة منخفضة وتقديم حوافز ضريبية وتسهيلات بنكية، إذ من الضروري أن يلعب الجهاز المصرفي دوراً فعالاً بهذا الخصوص باشراف وتوجيه البنك المركزي. ولا شك أن البنك المركزي لعب دوراً هاماً حتى الآن لجهة توفير المساعدة والسيولة لبعض المنشآت وكذلك من خلال الاتفاق مع الجهاز المصرفي على العديد من الخطوات بهذا الخصوص، وبغض النظر عما إذا تم تنفيذ هذه الاتفاقات بشكل مناسب، إلا أنه لا بد من التأكيد على دور الجهاز المصرفي باتخاذ إجراءات إضافية بمراقبة البنك المركزي كتخفيض أسعار الفائدة بنسبة كبيرة وضخ السيولة الإضافية الكافية لتنشيط حركة الإنتاج والأسواق. ولا شك ان الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والبنك المركزي والجهاز المصرفي والضمان الاجتماعي للتعامل مع الوضع الحالي الصعب، لعبت دوراً هاماً رغم الكثير من الملاحظات حولها. ولكنها ساهمت في البداية بتوفير إمكانيات لدفع أجور ورواتب العاملين، وإعادة النشاط الاقتصادي ولو بشكل تدريجي. ولكن الأمر يتطلب إعادة النظر ببنود الموازنة العامة على قاعدة ان الكثير من التوقعات التي تم البناء عليها قد تغيرت ولا سيما انخفاض الإيرادات العامة وتعطل عجلة الاقتصاد. الأمر الذي يتطلب إعداد موازنة جديدة يتم بحثها وبالسرعة الممكنة مع اللجان المختصة في البرلمان وبمشاركة الخبراء والاختصاصيين والقطاع الخاص، ويتم اعتمادها كخطة طوارئ بديلة. ولا بد من التوقف عند حالة بعض القطاعات والإجراءات المستعجلة لمعالجة مشاكلها. وقد بينت الأزمة أن هناك قطاعات أثبتت قدرتها على الاستمرار وإنها تستحق الدعم والمساندة كالصناعات الدوائية والطبية والصناعات الغذائية والحيوانية وخاصة توفير الدعم المالي لها بشروط ميسرة كتخفيض الضرائب على القطاع الخاص ومدخلات الإنتاج. والبحث في كيفية مواجهة قروض والتزامات هذه الجهات. ولكن من الواضح أن هناك قطاعات تعاني من عدم القدرة على التأقلم وفي مقدمتها قطاع السياحة المتضرر بشكل واسع وحوالات العاملين في الخارج وتراجع الصادرات. ويحتل الموقف من قطاع الزراعة مكانة خاصة إذ أن لهذا القطاع أهمية كبيرة في تأمين معدل مرتفع للأمن الغذائي، خاصة وإن الأردن يستورد نسبة عالية من الغذاء. ولذلك يجب إيلاء هذا القطاع أهمية خاصة من أجل زيادة مختلف المنتجات الزراعية وفي الدرجة الأولى تأمين الحاجة من القمح ومختلف الاعلاف. وثانياً لزيادة استثمار الأراضي الزراعية وتوفير منتجات زراعية للتصنيع. ومع ضرورة وضع خطة خاصة بهذا القطاع، الا أنه من الأهمية بمكان الغاء ديون المزارعين وتوفير فرص الاقتراض بشروط ميسرة مع ضرورة انشاء محطة زراعية في مختلف المحافظات تحتوي على آليات زراعية كالتراكتورات للحراثة والحصادات مع وجود جهاز للإرشاد الزراعي، الأمر الذي يسهل للمزارعين تنفيذ الخطة الزراعية من جهة واستئجار الآلات الزراعية بأسعار مناسبة من جهة ثانية. ونؤكد مرة أخرى أن مواجهة تداعيات كورونا اقتصادياً تتطلب وضع خطة شاملة للمدى القصير والمتوسط وتوسيع دور الشعب بمختلف فئاته بهذه العملية وذلك من خلال إطلاق الحريات العامة والاستفادة من الكفاءات الوطنية أينما كانت، لأن تأثير هذه الأزمة سيمتد لسنوات