تشارف إسرائيل إنجاز مشروعها في فلسطين؛ بلغ توسعها الاستيطاني وتهويد القدس وضم المناطق حدا باتت التجمعات المدنية الفلسطينية حياله جزرا متناثرة ومحاصرة بالمستوطنات، لا قبل لها بالتطور وتلبية حاجات سكانها العرب. وأصدق رمز يختزل به الاحتلال الإسرائيلي في مرحلته الراهنة المياه العادمة لمجمع مستوطنات كفرعصيون تفيض على كروم العنب الخاصة ببلدة بيت امر، شمالي الخليل، شلت الأشجار وماتت واقفة.يعلن قادة إسرائيل بلا مواربة إصرارهم على منع قيام دولة غربي نهر الأردن بجانب دولتهم، وعدم الإقرار بحق للفلسطينيين في وطنهم التاريخي؛ وتتردد على نطاق واسع دعوات التهجير حلا استراتيجيا للصراع حول فلسطين. في هذه الأثناء تستجير القيادة الفلسطينية بالمجتمع الدولي، وما من مجير؛ بينما تقوم الأنظمة الأبوية العربية بواجب الاستنكار لتواصل حياتها الرتيبة . تحظى سياسات إسرائيل ونظام الأبارتهايد، بدعم غير متحفظ من قبل الولايات المتحدة التي تضع كامل ثقلها بجانب إسرائيل ، وتمارس الضغوط على الدول العربية كي تطبع مع إسرائيل ، وهي في أوج عدوانيتها ضد الشعب الفلسطيني. نقل السفارة الأميركية الى القدس وصفقة القرن، ثم تأييد ضم الجولان لدولة إسرائيل وكذلك تأييد العدوان الإسرائيلي المتكرر على سوريا دلائل دعم توسيع النفوذ الإسرائيلي بالمنطقة ضمن الهيمنة الأميركية. مشروع إسرائيل الكبرى، التوسعية على حساب دول عربية مجاورة مكون عضوي في مخطط الولايات المتحدة الأميركية محوره برنامج القرن الأميركي، الذي وضعه المحافظون الجددلم تخف الامبرياللية ولا الحركة الصهيونية يوما تشابكهما في ائتلاف؛ لكنها النظم الأبوية العربية دست رؤوسها بالرمال مداراة لعجزها الناجم عن لاعقلانيتها. في إطار دورها الوظيفي إسرائيل إما أن تُدخِل مجتمعات عربية بيت الطاعة لتدور في فلكها، أو تؤجج الفتن الطائفية والعرقية سعيا لإبقاء الدول الأخرى مستنزفة مواردها ومشغولة بهمومها عاجزة عن التنمية وتطبيق قواعد الديمقراطية؛ ومثال لبنان صارخ في الحالتين. في هذه الأُثناء تستفرد إسرائيل بشعب فلسطين. يتوجب الإقرار بأن إسرائيل نجحت بامتياز حتى وقت قريب في أداء دورها الوظيفي. والامبريالية الأميركية لا تخفي إعجابها بخدمات إسرائيل وتغدق عليها المساعدات المالية وتمدها بما لا تزود به حلفاءها في الأطلسي من المعدات الحربية المتطورة؛ ولا تتوانى في الدفاع بشراسة عن جرائمها في مجلس الأمن ومختلف المحافل الدولية.هذا التلاحم العضوي بين إسرائيل والولايات المتحدة تتجاهله القيادة الفلسطينية، التي استمرت حتى وقت قريب تعول على وساطة أميركية تنتزع لها الحقوق الوطنية. فالرئيس ترمب، حين أمر بنقل السفارة الأميركية الى القدس، وعين صهاينة متعصبين لتقرير وتنفيذ سياسته بالمنطقة، إنما أزاح قناع التمويه عن السياسات الأميركية تجاه الصراع على فلسطين. السياسة الأميركية “خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية زعزعت أسس السلام في الشرق الأوسط بدل تسهيله او العمل على إقراره”؛ هذا ما توصل إليه المؤرخ رشيد الخالدي بعد الاطلاع على وثائق كانت مقيدة وأفرج عنها بتقادم الزمن، الى جانب معطيات جمعها طلبة الدراسات العليا التي أشرف عليها وأوردها في مؤلفه ” عرابو الخداع: كيف قوضت الولايات المتحدة فرص السلام في الشرق الأوسط”.الصهيونية وضعت لها استراتيجية وراحت تنفذها بتخطيط وتنظيم علميين على مراحل متدرجة تقربها باضطراد من الهدف الاستراتيجي؛ بينما المقاومة الفلسطينية تخبطت وبدلت الأهداف والخطط ضمن حركات اعتباطية وردود أفعال عفوية انفعالية، وشغلتها التناقضات البينية عن التناقض الرئيس والجوهري؛ فتورطت في مواجهات غير متكافئة وخاسرة بالنتيجة.أنجز بن غوريون التطهير العرقي في الجزء الأكبر من فلسطين، ووضع هدف تحويل فلسطين بكاملها دولة يهودية قضية واجبة التنفيذ. استطاع تمويه مشروعه ، متوجسا من أن تنقض الأنظمة الأبوية على مشروعه؛ وانتقد مرارا جابوتينسكي وهو يُفصح في عشرينات القرن الماضي عن الهدف الصهيوني، و إرغام الفلسطينيين بالأمر الواقع على قبول دولته الإقتلاعية الإحلالية . في أواخر عقد الثلاثينات طفق بن غوريون يخطط ويعد، ثم شرع العمليات الإرهابية بتعاون تام بين منظمته العسكرية-هاغاناه- ومنظمتي شتيرن والإرغون . أتقن الصهاينة تكتيك الوحدة كضرورة رغم الاختلافات وتجاوزت المنظمات الصهيونية التناحرات البينية السابقة. دشنت الميليشيات الصهيونية إرهابها بتفجير سوق في حيفا علم 1938 ذهب ضحيته العشرات من الفلسطينيين، بقصد الاستفزاز وإثارة الصراعات المسلحة. طالت عمليات الاغتيال منذ الدورة الأولى للإرهاب الصهيوني عام 1938، العرب الى جانب جنود الجيش والبوليس البريطاني واليهود غير المؤازرين. دوّن بن غوريون في مذكراته عام 1941 ، ” من الصعب تصور عملية ترحيل تامة بدون إكراه ، وإكراه وحشي من أجل ذلك”.كان التوحش الصهيوني ضرورة محتمة لإنجاز مشروع الدولة الصهيونية. لم يراع بن غوريون قرار التقسيم، وضع بالتعاون مع لجنة مصغرة من أعوانه المقربين، خطة دالت لتنفيذ الترحيل بالإكراه المتوحش. وفي إحدى جلسات اللجنة أعطي فايتس ، وكان يشغل منصب مدير الصندوق القومي اليهودي( الكيرن كاييميت) ، إذنا ” بإنشاء زمرة تابعة له تحت الاسم ‘ لجنة الترانسفير’ ؛ واتي الى الاجتماع التالي وبيده خطة تنفيذ الترانسفير”[1/73]. في 18ديسمبر /كانون اول 1947، ولما يمض شهر على قرار التقسيم، ولم تتخذ إجراءات من جانب العرب، “هاجم إرهابيو البالماخ بقيادة ييغئال آلون، ، قرية “كانت من أجمل قرى فلسطين ، وهي قرية الخصاص التي يقطنها سكان مسيحيون ومسلمون، وتقع على هضبة تشرف على بحيرة الحولة. بدأ الهجوم الساعة التاسعة مساء، عندما قاد أفراد من الهاغاناة شاحنتهم عبر القرية ونسفوا المنازل على رؤوس النيام ‘حيث دفن الضحايا تحت الركام ، ولم تكتشف جثثهم إلا بعد بحث أجرته الشرطة’، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في اليوم التالي”[2/ 279]. جرت مجزرة د ير ياسين والجيش البريطاني موجود بكثافة في فلسطين. في مظاهرة استعراضية تفاخر ميناحيم بيغن ، الذي قاد العملية، إنها “حسمت الصراع”. “كان من بين الشهود الأوائل على المجزرة جاك دي رينيير، رئيس الوفد الدولي للصليب الأحمر، فسجل مشاهداته: ‘كانوا شبابا بل معظمهم في مرحلة المراهقة، ذكورا وإناثا ، مدججين بالسلاح ، وكان بعضهم ما يزال ملطخا بالدماء’… أصر رينيير على دخول بعض البيوت..‘نظرْتُ في كل اتجاه وقلبتُ الأجساد، فوجدت في آخر المطاف قدما صغيرة ما تزال حية .. المنظر نفسه يتكرر في كل مكان…المجزرة نفذت بدم بارد، ذلك ان هذه العصابة، كما لاحظتُ بنفسي، شديدة الانتظام ، ولا تعمل الا وفق ما تتلقاه من أوامر’. بعد أيام ثلاثة على الحادث ضمت الهاغانا عصابة إرغون تحت جناحها، وينسب للحاخام الأكبر، هيرتسوغ، فضل ترتيب التزاوج” [2/294] . نبهت تقارير المخابرات البريطانية والأميركية ان الصهاينة يضمرون عدم الالتزام بقرار التقسيم، وحيثما تصل ميليشياتهم ستكون حدود دولتهم، وهي حدود مؤقتة؛ فهي الوجبة الأولى .اما الأنظمة الأبوية فقد أثمرتدخلها في الصراع عام 1948 بتعطيل إقامة الدولة الفلسطينية. وأول شاغل للقوات العسكرية المتدخلة لإنقاذ فلسطين كان وقف المقاومة الفلسطينية ومطاردة عناصر عصبة التحرر الوطني الفلسطينية.لم يدر بخلد الحركة القومية الفلسطينية، ممثلة في الهيئة العربية العليا، ان تقيّم القوة العسكرية والاقتصادية التي راكمها الاستيطان اليهودي، وأغفلت العلاقة العضوية للصهيونية مع الامبريالية؛ فكان اشتباكها معها في صراع مسلح مغامرة ومقامرة. تسلحت بالتصريحات الطنانة تصب الماء في طاحونة بن
كوارث وانتكاسات حصاد تغييب الوعي العلمي كورونا ذكر البشرية بأهمية الوعي العلمي -5
يرى جمهرة الفقهاء المستنيرين أن كل ما ورد بالقرآن الكريم من أوامر ونواه تعتبر فرائض يتوجب مراعاتها والعمل بمقتضياتها. غير أن بني أمية ارتأوا ان جانب المعاملات بالشريعة يزعزع حكمهم، ولذلك امروا فقهاءهم بتغييبها والتركيز على بند العبادات وفرائضها الخمسة. شطب من فرائض الدين قيم اجتماعية إنسانية أساس هي من مقاصد الشريعة، تحض على التسامح وتنهي عن التعصب المقيت، ومن هذه القيم:العدالة الاجتماعية والعدالة الربانية فالإنسان مؤهل بالعقل ، ومحاسب على أفعالهأشاع معاوية الجبرية( لو أراد الله غير هذا- سطوته على الحكم- لفعل!)؛المجادلة بالتي هي أحسن؛الدعوة الى التعارف بين الشعوب،عدم الإكراه في الدين وإقرار التعددية ( ولو شاء ربك آمن من في الأرض جميعا)الاعتراف بالديانات السماوية المغايرة وتقدير أنبيائها والسماح لمعتنقيها بالاستمرار في عقائدهم وشعائرهم.غيبت قيم التسامح حقبة طويلة من التاريخ العربي –الإسلامي، ليسود التعصب وربيبته الطائفية في الثقافة لعربية –الإسلامية؛ ذلك أن جميع الأنظمة التي تعاقبت على المجتمعات الإسلامية خضعت للنظم الأبوية بشتى تلاوين التعسف والظلم وقمع الرأي الآخرواختضان العصبيات. تفرع عن التعصب السياسي تعصب في الفكر وتعصب ديني وتعصب اجتماعي حيث سادت علاقات ثابتة للإكراه والجبر داخل البنية الأبوية الهرمية ، ثم التعصب الثقافي تعمم الجمود والإقصاء المفضي الى العداوات والفتن. جمح التعصب وأفضى الى الطائفية. نشأت في العصر الحديث شريحة أمراء الطوائف ممن اغتصبوا لأنفسهم امتيازات باسم الطائفة أو بزعم تمثيلها، أو التنظير لكيانيتها تحت أسماء مختلفة، سواءً كانت أقاليم أو فيدراليات أو كانتونات لا فرق في ذلك؛ فأمراء الطوائف باستطاعتهم إيجاد ما شاءوا من الذرائع والمبررات لإدامة هيمنتهم.على نهج التعصب الذميم، المجافي للعقلانية والرشاد مضت الممارسات في مجالات السياسة عبر تتالي القرون .”لم يواز الاستبداد السياسي للحكام الذين تعاقبوا في القرون المتأخرة من الحضارة العربية الإسلامية سوى التعصب الفكري الديني الذي لم يتوقف ، وأدى الى خنق روح الإبداع والتفكير الخلاق في الحضارة التي انتهى ازدهارها الى انحدار كامل في الأزمنة التي أطلق عليها ‘عصور الانحطاط’.[4/195] تواصلت مسيرة سلفية العصر الوسيط سيرورة انحطاط حتى نهاية القرن الثامن عشر؛ “وحتى القرن التاسع عشر كان الوطن العربي مؤلفا من تجمعات مدن متناثرة ومنعزلة وأحيانا مندثرة وقرى متخلفة وفلاحة فقيرة وبدو غزاة. ما زال وعي هذه الطبقة ( مركبة جديدة غير واضحة المعالم) تستقطبها بصورة متزايدة نخبة سلطوية متزايدة ، ما زال وعيها أبويا لا يتحكم في في مقولة الطبقة او الأمة ، بل الإيمان المتوارث والقيم التقليدية بما تنطوي عليه من طاعة وخضوع من جهة، ورفض وكفاح من جهة اخرى”.. وجاء المستشرقون ” وفسروا حالة الركود والتخلف في العالمين العربي والإسلامي بردها الى ‘العقيدة’” [3/43]، ولم يبحثوا الموضوع بكونه ظاهرة اجتماعية تاريخية.مع شيوع الاستهلاكية ورديفها الفساد الإداري في الأبوية المستحدثة تحولت شرائح الحكم الى برجوازية بيروقراطية، ثبت أنها أكثر فئات الحكم عداء للديمقراطية والتسامح. ومن ثم “اتجه المجتمع الجديد أكثر فأكثر نحو الاستهلاك بدل الاشتراكية، وانجذب الى المادية الغربية والرأسمالية الاستهلاكية أكثر من انجذابه الى الاشتراكية السوفييتية او اشتراكية العالم الثالث ، واتبعت القمع السياسي… في سياق الولاء والخضوع لا يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي، خضوع الأفراد يتم لأصحاب الجاه والنفوذ؛ فالقانون ليس في خدمة المجتمع ، بل انه حسب تصرف النظام الاجتماعي / السياسي القائم، والعقاب هدفه استعادة حرمة العلاقات الاجتماعية وحمايتها. بدل المعارضة يغدو التآمر والتمرد وسيلة متبعة.[1/65].في النصف الثاني من القرن العشرين أخذت الجماهير العريضة تكتسب الوعي السياسي وتندمج في الحياة السياسية متأثرة بالنكبة الفلسطينية وخذلان الأنظمة الأبوية للشعب الفلسطيني. ساهم أيضا في ارتفاع الوعي الشعبي العام اتساع التعليم والخدمة العسكرية وثورة المواصلات والاتصالات. غير ان الأنظمة الأبوية لم تتتوقف عنند حجب الديمقراطية أو الحرمان من الحقوق؛ بل فرضت علاقة مختلفة تقوم على “اختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى ‘الرعية’، التي تعني لغويا القطيع من الأكباش والأغنام.[2 /29] ارتدّت الى “أشكال تشبه السلطنات القديمة، تقوم على سلطة فرد بلا كابح. غدت الأنظمة الاستبدادية قلاعا حصينة بفضل ما توفر لها من وسائل الهيمنة ، خاصة نظم الاتصال الجماهيري”[1/ 158]. في هذا السياق أحدثت الليبرالية الجديدة وعولمتها ردة في العالم عن الديمقراطية الليبرالية، شجعت البلدان النامية، ومنها البلدان العربية على التشبث بنظم الاستبداد. المجتمع الأميركي شهد خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين انحسار الديمقراطية، وما زال يضيَق عليها الحصار. اندمج الرأسمال المالي بالسلطة السياسة، وهيمن بواسطة المال السياسي على الهيئات التمثيلية. تراجع التعليم ، خاصة التعليم الجامعي، من حيث المضمون، الى وضعية تماثل العالم الثالث. مهدي عامل، المناضل الشيوعي الراحل، ” ميز بين الهيمنة والسيطرة الطبقيتين: الحزب البرجوازي أداة الهيمنة الطبقية ، في الوقت الذي يعتبر فيه جهاز الدولة أداة السيطرة الطبقية. سلطة الدولة في خدمة الفئة او الطبقة المهيمنة التي تملكها؛ أما جهاز الدولة فأداة سياسية في خدمة الطبقة المسيطرة او التحالف الطبقي المسيطر.الأحزاب البرجوازية الممثلة للفئات الطبقية تمارس الديمقراطية بصفتها أداة هيمنة طبقية مرتبطة في جوهرها بالجهاز الذي يؤمن للطبقة المسيطرة سيطرتها الطبقية، اعني جهاز الدولة. اما إذا تأزم الوضع بإخفاق الفئة المهيمنة( وهذا ما يجري الآن) في فرض هيمنتها على الفئات الأخرى في داخل الطبقة المسيطرة بما يحقق هذه السيطرة، فإن جهاز الدولة المنوط به الحفاظ على هذه السيطرة يتدخل بصورة مباشرة، ويتراجع دور الأحزاب لصالحه، فيعمل على تعليق الديمقراطية الليبرالية لصالح فرض هيمنة الفئة المهيمنة بالقوة والقمع الفاشي المباشر ، بما يضمن تجديد سيطرة الطبقة البرجوازية بوصفها كلا[5/151].حيال الرثاثة الأبوية كان لابد من ان تنتهي جميع المبادرات السياسية التي أقدمت عليها سلطات الحكم او انجرت اليها، بحكم عفويتها وانفعاليتها، الى الفشل والعجز عن إنجاز المقاصد، رغم ادعاء بعضها بالثورية، وما هي بثورية. لم يبلغ وعيها إدراك أن الثورة تتجلى في إحداث تغيير جذري بالوعي الاجتماعي يحيله وعيا علميا منقّى من آثار هدر القرون، وقائما على إدراك قوانين تطور المجتمع وتحرير العقل من الخرافات والأوهام ومن المزاجية؛ هذا، الى جانب تحرير الإرادة. جميع الأنظمة جانبت العقلانية واتبعت الشعوذات في إدارتها للحياة الاجتماعية. الأنظمة الأبوية المستحدثة حكمت مباشرة وبالقهر والإكراه. “كانت هزيمة حزيران الكارثية نتيجة من نتائج غياب الديمقراطية . ولم يكن من قبيل الصدفة انه بعد سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة من كارثة 1967، أقام السادات تحالفا مع الإخوان وحلفائهم الذين أصبح يطلق عليهم اسم ‘تيار الإسلام السياسي’، ويبدأ زمن جديد يجمع ما بين الاستبداد السياسي والاتّباع الديني… وازداد الأمر صعوبة خصوصا بعد ان ازداد التيار الاتباعي التقليدي عنفا وتحول عدد من شباب الإخوان الى العنف، واستبدلوا بصفة الدعاة القديمة صفة القضاة التي كانت تعني تكفير المخالفين”[4/6،7] .التيار الديني “أرجع سر التخلف والانحطاط الى البعد عن الإسلام…وأخفق الخطاب الديني إخفاقا مذهلا في إنتاج وعي علمي بالدين وبالتراث… وجدت السلفية في خطاب النهضة ذاته ‘إسلامها’ القديم ، كما هو لم يمس”[3/25]. شاب التأويل
تنمية التخلف بإهدار سلطة العقل كورونا ذكّر البشرية بقيمة الوعي العلمي -4
في الحلقات الثلاث السابقة جرى الحديث عن تخلف المجتمعات العربية، واقعا ليس من شأن التستر عليه إلا أن يفاقم المشاكل الاجتماعية ويضاعف مصاعب الحياة ويغري بالمزيد من هدر الكرامة الوطنية والقومية. فالتخلف يستقوي بالتبعية للامبريالية . اماط باحثون عرب في العلوم الاجتماعية اللثام عن مظاهر التخلف، لكن جرى التعتيم عليها من قبل الثقافة الأبوية وإعلامها، كما تجاهلها التيار العلماني الوطني. فقد مضت القوى الوطنيية العلمانية في بيات شتوردي ردحا من الزمن وتركت الساحة خالية للأصولية الدينية. تم في الحقيقة تنمية التخلف، واستعيض بالشعوذة بدل المقاربة العلمية للظواهر والأحداث.لدى التجوال الكاشف في ثنايا التخلف العربي امسك الباحث الماركسي هشام شرابي وكوكبة من الباحثين العرب، وفق أسس المادية الديالكتيكية، بمختلف جونب التخلف العربي المادية والنفسية. اتصفت الثقافة الأبوية المحدّثة بالتملق في العلم والدين والسياسة؛ ونظرا لطبيعتها اللاعلمية فقد عجزت عن حل أي مشكلة واجهتها. من جانب آخر “بقي النقد العلماني (للأبوية المحدثة) موجها الى البنى الفوقية والأصعدة العليا في حياة المجتمع العربي (فكر ثقافة ، تشريع، إيديولوجيا غيبية وصنمية). إلا أن أحدا من هؤلاء لم يقم بنقد الذهنية الدينية الغيبية التي يرفضها ، على أساس من المراجعة العقلانية العلمية المباشرة لنماذج حية ملموسة من إنتاجها ومزاعمها وتفسيراتها للأحداث[1/138].بلغ الأمر حد إصدار فتوى بالتخلي عن “معاناة” البحث العلمي، تحت غطاء “الإعجاز العلمي في القرآن”. عمليا يعني هذا أن” ينتظرالآخر الأوروبي غالبا-الضال ، المنحرف على مستوى العقيدة والسلوك- لكي ينتج له المعرفة، فيساعده بذلك على اكتشاف إعجاز النصوص الدينية علميا . هذا الاعتماد على عرق الأغيار، دون إحساس بالخجل، ربما يمتد في بنية هذا الخطاب إلى إحساس بالتفوق… تعويضا عن الإحساس بالدونية والضعف..”[5/145]لاحظ شرابي ” خلال مرحلة النضال لتحقيق الاستقلال لم تتحول أية انتفاضة تقودها الزعامة الوطنية الى حركة جماهيرية دون أن تستلهم الباعث العقائدي للثورة من التراث الإسلامي. ولذلك فإن النضال الوطني ضد المستعمر استمد وحيه وقوته من العرف الأبوي، وليس من العقائد العلمانية. وهذه حقيقة يمكن في ضوئها تفسير عدم إحداث تحول اجتماعي جذري عقب الثورات الوطنية الكبرى خلال نصف القرن الأخير”[1/93]. من حيث الالتفاف الجماهيري يمكن استثناء حركة القومية العربية بقيادة عبد الناصر ، فقد فجرت ينابيع الحماس الوطني والقومي لدى أوسع الجماهير العربية . وفي جميع المدن العربية ما بين المحيط والخليج كانت المحلات- وأصحابها يشكلون قوام البرجوازية الصغيرة- تقفل مساء اليوم المقرر لإلقاء خطاب عبد الناصر ويسارع الجميع للإصغاء لكلام القائد القومي عبر المذياع. غير أن الحماس للناصرية لم يردف بإدراك عقلاني لملابسات النضال التحرري ولدور الجماهير الحيوي في إنجاز التحرر الوطني والاجتماعي. بالنتيجة تواصل الارتباط السُري بالعصر الوسيط ونظامه الأبوي، فبقي الوعي الاجتماعي قابلا للتجاوب مع خطاب الأصولية المسفّه للوعي العلمي. عبر تتالي القرون عطلت سياسات الاستبداد الطاقة الذهنية وكل الطاقات الحيوية في الفرد والجماعة عن الفعل، وأحلت البلادة والخضوع. هدرت التفكير والإرادة لدى الغالبية الساحقة من الجماهير الشعبية. قوضت نظم الاستبداد الأبوية إنسانية البشر وهدرت طاقتهم الحيوية الإبداعية. هذا الإرث سهل على الأصولية تمرير دعوتها الدينية وقلب المفاهيم السائدة والاستحواذ على وعي الجماهير. تحجّم الخطاب العقلاني تحت ضربات تهمة الإلحاد وفقد العلمانيون نفوذهم بين الجماهير ، خاصة إثر هزيمة حزيران التي جيرت مسئوليتها على التيار العلماني العربي بأجمعه. قبِل التيار العلماني ، اليساريون والناصريون، تحمل المسئولية، طووا رايات النضال، وانطووا في بيات شتوي.“ما ان كانت نهاية عقد السبعينات (من القرن الماضي) حين بلغت العقيدة العلمانية نهاية مداها ، وأصبحت عاجزة سياسيا او هامشية ، حتى اتضح وجود خيارين بموازاة الحداثة العلمانية : الانطوائية او الأصولية “الأصولية الإسلامية تعد بحلول فورية لكافة القضايا التي عجزت عن حلها الحركات العلمانية والأنظمة القائمة . ومن هذا المنطلق فإن كافة المصاعب التي بدت مستعصية على الحل تبدو الآن بسيطة ، وأن التغيير في النهاية مسألة حتمية[1/160].لتناول أولا بزوغ حركة حماس في فلسطين. نؤكد سلفا ان مؤسسي حماس لم يدر بخلدهم أن تستقر أمورهم عند حالة الحصار الراهنة ، كما ان الاسترتيجيين في إسرائيل، بكل مهاراتهم ومهارات استراتيجيي الامبريالية التي تنسق معهم، لم يستشرفوا تثبيت عدوانيتهم، بحيث لم تعد حروبهم نزهة وتحفة جمالية، كما تباهوا من قبل . نقل التيار الديني الصراع مع الصهيونية الى صراع ديني، مضى في البداية ضد اليهودية كديانة. هاجم خالد مشعل “شيوعيي الثورة الفلسطينية هم أول من فرق بين من هو يهودي ومن هو صهيوني من منطلق مناهج شيوعية كافرة”[4/82]؛ عاد بنفسه واقترف “الكفر”، إذ أعلن في العاصمة القطرية، ضمن توجه جديد، التمييز بين اليهودية والصهيونية كي يدرأ عنه وعن حركته تهمة اللاسامية في محاولة للتقرب من الامبريالية. وورد في البند الرابع من ميثاق حركة حماس ” تحرير فلسطين قضية دينية”. رفضت الحركة علمانية منظمة التحرير نظرا لكونها ” مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة ، كما أنها جاءت نتيجة للغزو الفكري الغربي”[4/81]. وفي كتابات خالد مشعل، مستوحيا عنفوان الأصولية برسالتها “الخلاصية”، طلب من المسلمين ان يفهموا “كيف مارس أصحاب الفكر الشيوعي والماركسي دورهم الخياني على أرض فلسطين ، وكيف خان البعثيون قضية فلسطين ، وكيف باعت القومية العربية فلسطين بثمن بخس لليهود، وكيف ان الاتجاه الوطني لن يقدم للقضية أي شيء . إن كثيرا من أصحاب هذه الاتجاهات قد استخدموا قضية فلسطين واستثمروها من أجل نشر أفكارهم الجاهلية الفاسدة”[4/80]. ماذا يختفي خلف هذا القول؟ مؤسسو حماس بيتوا خطف القضية الفلسطينية من أيدي المنظمة؛ لكن ملابسات حركة التاريخ وجهت الأمور نحو شق المقاومة الفلسطينية ، وبات الانشقاق عاهة تشوه وجه المقاومة الفلسطينية. تفض بالتدريج التضامن معها. وسوف نتوسع في الموضوع في حلقة خاصة عن العفوية وغياب التفكير الاستراتيجي في المقاومة الفلسطينية.هكذا كان دخول الأصولية الحلبة السياسية بمثابة الداء في زجاجة دواء. ناصبت الأصولية جميع إرهاصات الثقافة الوطنية البازغة في مرحلة النهوض الوطني ضد السيطرة الاستعمارية المباشرة. سفهت مفاهيم الوطنية والقومية والديمقراطية، تلك الفرائض المغيبة في الثقافة الأبوية المستحدثة وفي برامج التعليم الأبوية؛ فاقمت جميع جوانب التخلف في الحياة الاجتماعية، إذ ركزت الهجوم ضد العقلانية وغيبت عمدا إشكاليات التخلف في المجتمعات العربية.” يتم التغلب على الإذلال القومي بحذف مفهوم القومية وإحلاله بالدين (مصدر الهوية) ، العالم الإسلامي ليس هو الوطن العربي ، ولا يهم إن كانت الأمة مجزأة ومستضعفة والحركة القومية مبعثرة. الفشل والضعف والتجزئة وكافة الأمراض الأخرى لهي عوارض ناجمة عن هجر الدين وعبادة الأصنام القومية والعلمانية والاشتراكية والليبرالية”[1/161]!!الاستهانة بمكائد العدو وجبروته وإغفال تحالفاته الدولية عاد بعواقب وخيمة على المقاومة الفلسطينية. “الأصولية تدعو الى التصالح مع الواقع الراهن والتعايش معه، وتعد بتغيير جذري تطمئن اليه النفوس..وهنا توجز طبيعة النزعات المتناقضة في جوهر الأصولية البرجوازية المستحدثة. تدعو للمحافظة وللثورة؛ وفي كلتا الحالتين هي قادرة على تعبئة الجماهير بشكل لم يعرفه المجتمع الأبوي المستحدث من قبل[1/159]. تختزل جهودها في
المجتمع العربي متخلف لم يألف العلم ولم ينشد الحداثة كورونا ذكر البشرية بقيمة الوعي العلمي – 2
سعيد مضيةفي الحلقة الأولى بينت فضل العلم في احتواء وباء الكورونا ثم القضاء علية بجهود العلماء الباحثين. وكان للصين قصب السبق في احتواء الوباء ومحاصرته نظرا لنجاحها من قبل في تحديث مجتمعها على قاعدة العلم وأدخلت العلم في الإنتاج وفي جميع جوانب الحياة الاجتماعية، وبفضل العلم أنجزت مهمتها بشرف. اما المجتمعات العربية، التائهة في بيداء الجهل والتخلف والتبعية، فليس لها إلا أن تنتظر ثمار العلم معلبة من الخارج، حيث تعيش المجتمعات في حقبة ما قبل التحديث. كشف الباحثون العرب في مجال العلوم الإنسانية عن عوامل التخلف العربي من النواحي السياسية – الاجتماعية والفكرية – الثقافية والنفسية، لم تدخل نتائج أبحاثهم مجال الحياة الثقافية والسياسية العربية وبعضها ضرب حوله جدار سميك من الصمت، مثل مؤلف “البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي؛ فقد ألقى الضوء على النخب الحاكمة أصل الداء .كشف الأكاديمي الباحث هشام شرابي عن النظام الأبوي محور التخلف العربي. النظام الأبوي، كما عرفه الباحث، “ليس مجرد تخلف اقتصادي أو إداري ؛ فلو كان التخلف العربي مجرد تخلف في التنمية الاقتصادية او الإصلاح الإداري لكان التغلب عليه في متناول اليد، ولا يتطلب الا الوقت والجهد والمال. ان التخلف الذي نجابهه هو من نوع آخر، انه يكمن في أعماق الحضارة الأبوية المستحدثة ويسري في كل أطراف بنية المجتمع والفرد ، وينتقل من جيل الى جيل كالمرض العضال؛ وهو ايضا مرض لا تكشف عنه الفحوص وتعجز عن تفسيره الأرقام والإحصاءات.انه حضور لا يغيب لحظة واحدة عن حياتنا الاجتماعية، نتقبله من غير وعي ، ونتعايش معه ونتقبله كما نتقبل الموت نرفضه ونتناساه في آن”[1/14].يضبط الباحث بدقة علمية مفهوم “محدث” ، الذي اختاره للتعريف بالبنية الاجتماعية المحددة للمجتمعات العربية الحالية. نقل عن ماركس مفهوم “الوضع الأبوي .. مرحلة التطور التي سبقت التطور الكامل لأسس المجتمع الصناعي ، وهو يشير بذلك الى الإقطاعية الأوروبية”[1/34]: يستطيع المرء أن يعبر عن ثقافة “محدثة” او مجتمع “محدث” او أفراد “محدثين” او نخبة “محدثة” أو شريحة “محدثة” وهكذا ؛ ينهض هذا التعريف عن نقطة ارتكاز أساسية هي ان “محدث” دلالة على توفر عامل خارجي يؤثر في تطور داخلي ، فيدفعه الى التحول. فما ان تنطلق عملية التحديث حتى يتشوه التطور الذاتي الداخلي ، فيتخذ شكلا لم يكتمل نضوجه”[40]. لم تتشكل في البنية الأبوية برجوازية ناضجة ولا طبقة عاملة حادة، بل هجانة اجتماعية تستعصي على التقدم والتحديث ولا تتقبل العلم.“العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الوالد والابن هي علاقة عمودية : ففي الحالتين تقف إرادة الأب على انها المطلقة ، ثم إن أكثر النواحي فعالية وتقدما في الدولة ذات النظام الأبوي المحدث هي جهاز الأمن الداخلي ، أي المخابرات ؛ ففي سائر الأنظمة ذات البنية الأبوية المحدثة (أو المستحدثة) يهيمن جهازان متوازيان، عسكري بيروقراطي وبوليس سري. يتحكم هذا الأخير بشئون الحياة اليومية ، فيقوم بضبط مجريات الأمور المدنية والسياسية؛ وتبعا لذلك فإن المواطنين ليسوا محرومين فعليا من بعض حقوقهم فحسب، بل إنهم أيضا سجناء الدولة وعرضة لحكمها الطاغي وقهرها الدائم ، تماما كما كان واقع مواطني الدولة العثمانية. وكما سنرى لاحقا فان الدولة ذات النظام الأبوي المحدث ن وبغض النظر عن بناها التشريعية والسياسية وأشكالها ، ليست سوى نسخة محدثة عن السلطنة الأبوية التقليدية”[1/25].نجد تعريفا معمقا للتخلف في ميدان أخر من بحوث التخلف الاجتماعي العربي. فقد حلل الباحث في التراث الإسلامي، نصر حامد أبوزيد، مبدأ الحاكمية في الفقه المتداول منذ العصر الوسيط، ” ليس مقصورا على الدلالة السياسية ، بل يمتد عميقا في بنية الوعي الاجتماعي، فيصبح مبدأُ حاكما لكل المؤسسات الاجتماعية بدءًا من الأسرة، فتتركز الحاكمية بيد الذكر في علاقته بالأنثى، وفي يد الأب في علاقته بالأبناء والأكبر في علاقته بالأصغر، والرئيس بالمرؤوس؛ ويتحول الأمر الى كارثة حين نرى للمبدأ حضورا في المؤسسات الفكرية والعلمية، فتتحول المؤسسة الدينية – الأزهر- الى حكَم في شؤون الفكر والإبداع العقلي والأدبي والفني. ان وجود جهاز للرقابة على الكتاب والمصنفات الفنية والأدبية كارثة في حد ذاته؛ فما بالنا حين يسيطر على هذا الجهاز المؤسسة الدينية ، فتصادر الكتب وتتدخل بالحكم على بعض الإنتاج الفني”[2/144]منذ القرن التاسع عشر ، وخاصة في مطلع القرن العشرين تبلورت الامبريالية الثقافية بجناحها المركزي الأوروبي كركيزة أولى ، لا بل الركيزة الأقوى والأكثر فاعلية وتأثيرا على الثقافات العالمية الأخرى؛ فاجتذبت اليها بأشكال مختلفة ، أعدادا كبيرة من المثقفين العرب . وبدلا من صياغة مشروع نقيض للمشروع الامبريالي الثقافي، الغازي تمت المصالحة معه أيضا على نفس القاعدة التبعية التي ظهرت في المجالات الاقتصادية والسياسية . تجدر الملاحظة ان الاستتباع الثقافي قد تم في مرحلة تاريخية فقدت الثقافة الأوروبية بعدها الإنساني والليبرالي الذي عرفته في عصر التنوير[3/27].”ومن وجهة نظر علم النفس الاجتماعي اعتبر “التخلف جزءًا من النظام الاقتصادي العالمي، ولا يخدم قضية الخلاص من ربقة التخلف والتبعية إخفاء الرابطة العضوية بينهما. ويترتب على الهيمنة الاقتصادية مقاومة للتغيير تنبع من تضافر نظرة رضوخية الى العالم الطبيعي مع بنى اجتماعية ذات نمط تسلطي تنشئ شخصية ذات بنية تسلطية، مما يخلق ويعمم نظاما من العلاقات يتصف بالسيطرة – الرضوخ[4/27]. العلاقة عدائية تناحرية في المجتمع الأبوي المستحدث، “بمقدار ما تتضخم ذات المتسلط تفقد ذات التابع المسود أهميتها واعتبارها ، حتى لكأن إنسانيتها تتلاشى كليا . والواقع ان السيد لا ينظر الى الآخر المقهور كإنسان فعلي ، انه يفقد التعاطف معه والإحساس بمعاناته وآلامه، ومخاوفه وحاجاته . من هنا تنبع تلك القسوة البادية في تصرفاته تجاه من يخضعون له ، تلك اللامبالاة تجاه معاناته[4/37] وبمقدار ما يبخس الإنسان المقهور ويفرض عليه الانحطاط والشقاء ، يصبح مستضعفا اتكاليا مستكينا . وهذا بدوره يؤكد في ذهن المتسلط أسطورة تفوقه وخرافة وغباء الإنسان المستضعف وعدم آدميته [4/38]. مرحلة الرضوخ “لونت بخصائصها وصبغت بسماتها البارزة الأفكار الشائعة من التخلف بكل ما فيه من سلبية وجمود وخرافة وانحطاط . وهي التي شجعت الأحكام التبخيسية التي كونها المستعمر والمتسلط المحلي عن الشعوب المقهورة، جاعلا من خصائص مرحلة واحدة طبيعة ثابتة لتلك الشعوب[4/39]. ومن ثم “تحدث عملية اجتياف [ابتلاع] للتبخيس تكيل النعوت السيئة للنفس متهمة إياها بالتقصير والتخاذل والجبن[4/40].وأبرز مظاهر التبخيس الذاتي هو ” الإعجاب بالمتسلط والاستسلام له في حالة من التبعية الكلية. بمقدار ما ينهار اعتباره لذاته ، يتضخم تقديره للمتسلط يرى فيه نوعا من الإنسان الفائق(41).الأبوية نظام يعود الى النظم القبلية في عصر ما قبل الإسلام، ووحد الدين الإسلامي القبائل في الجزيرة العربية في أمة دون أن يغير من العلاقة العمودية داخل المجتمع والدولة. استمر الحال على هذا المنوال حتى حدث الاصطدام مع الامبريالية فتشكل نظام أبوي محدّث او مستحدث. غدت “الأبوية والامبريالية موضوعيا حليفان متآزران يعيقان تقدم أي تغيير اجتماعي وسياسي طبيعي. القهر و تبخيس الإنسان معلم بارز في النظام
الشعوذة في غياب العلم كورونا ذكّر العالم بقيمة الوعي العلمي – 3
تجارب التنمية الناجحة في كل بقاع المعمورة أكدت دور العلم قوة إنتاج رئيسة بدونها يستحيل الخلاص من إرث التخلف وما يترتب عنه من تبعية لقوى الامبريالية. لم يشهد مجتمع عربي تجربة جادة في التنمية الوطنية هُيِئت لها عوامل النجاح، خاصة الشعب المعبأ في مناخ ديمقراطي. نتيجة للوصاية المفروضة من قبل الأنظمة الأبوية على الجماهير، وتجميد مشاركتها في النشاط السياسي الوطني ” لم تتجذر بعد في الشخصية العربية العقلية العلمية التي تفسر الظواهر بأسباب موضوعية تخضع للدرس والتجربة . ولم تنظم العقلانية النشاطات الفردية الاجتماعية والسياسية” [1/60]. أما تجرية التنمية في الصين فتشير الى واقع مضاد تماما ؛ كانت الصين في عداد الدول النامية أنجزت ما كان قبل عقود أربعة فقط مشروعا خياليا لنهضة وطنية. أنجزت الصين مشروعها التنموي بنجاح لأن قاطرته هو العلم ونمط التربية النقدية، وبيئته السياسية الديمقراطية الاشتراكية. فحسب إدراك القيادة الصينية وتخطيطها وتنفيذها ” يلزم في المقام الأول إدراك بان العلوم والتقاني قوى إنتاج . وبصورة مثابرة تعاملت الماركسية مع العلوم والتقاني جزءا من القوى المنتجة. وقال ماركس ان التوسع في استخدام الآلات في الإنتاج يتطلب التطبيق الواعي للعلوم الطبيعية. ولينين أيضا دمج العلوم، طبقا لماركس، ضمن القوى المنتجة. أن تطور العلوم والتقاني الحديثة قد ادخل العلوم والإنتاج في وحدة اندماجية متينة. ويتضح باضطراد ان العلوم والتقاني تنطوي على أهمية هائلة كقوى منتجة. ما الذي أنجز التقدم الهائل في القوى المنتجة والزيادة الكبيرة في إنتاجية العمل ؟ بصورة رئيسة قوة العلم ، قوة التكنولوجيا…. بمقدورنا فقط تحسين مستويات المعيشة بالتدريج على قاعدة الإنتاج الموسع.. من الخطأ توسيع الإنتاج بدون رفع مستوى معيشة الشعب ؛ ولكن من الخطأ أيضا – في الحقيقة مستحيل- رفع مستويات حياة الناس بدون توسيع الإنتاج. الديمقراطية هي الشرط الرئيس لتحرير الدماغ”[2]المجتمعات العربية حرمت من مشروع تنموي جاد، مصحوب بترقية العلوم والعملية التعليمية. أحجمت الأنظمة الأبوية العربية عن تطوير اقتصاد وطني إنتاجي ، واستعاضت عنه بالانجراف مع النمط الاستهلاكي في الاقتصاد والثقافة. اتبعت شعوذات الاقتصادية فرضها صندوق النقد الدولي في ظروف أزمات اقتصادية ناجمة عن عجز في ميزان المدفوعات وفي الموازنات المالية السنوية، شعوذات اقتصادية تشعبت أفرعها شعوذات في مجالات الحياة الاجتماعية كافة، في التربية والسياسة والثقافة والعلوم الاجتماعية. الذهنية الأبوية المستحدثة، علمانية كانت ام دينية ،لا تقبل المشورة المحلية وتفرض مواقفها،إذ لا تعرف ولا تريد ان تعرف الا حقيقتها ولا تريد الا فرضها على الآخرين بالعنف والجبر ان لزم الأمر. في مصر، على سبيل المثال ، حيث الوتيرة العالية للتنامي السكاني تفرض تركيز الاهتمام على التنمية، وأقرت، بناء على خطة للتنمية المستدامة، استراتيجية “طرحت من بين أهم أهدافها القضاء على الفقر فى مصر بحلول 2030″؛ لكن ” نجد أن نطاق الفقر قد تضاعف خلال جيل واحد- من 16.7% عام 1999 إلى 32.5% عام 2018. و في ظل برنامج الإصلاح، الذى طبقته الحكومة بتمويل من صندوق النقد الدولي خلال 2016-2019، فقد قفز معدل الفقر من 27.8% في 2015 إلى 32.5% في 2018!”[4].الحكم العربي استمد شرعيته من الحق الإلهي وليس من رضى الرعية؛ اعتبرت الثورة على الحاكم امرا غير مبرر مهما بلغ ظلمه ؛ غير ان القاعدة انتهكت مرارا؛ وحدثت تمردات وثورات أعادت إنتاج الاستبداد وظلم الرعايا. “الحداثة البطريركية وعي منمط، يعتمد على مثقفين يحافظون على قيم النظام منعكس عن الخارج، تعوزه الاستقلالية والإبداع والنقد. والذي جعل من قيام الدولة أمرا طبيعيا بالنسبة إلى المجتمع الأبوي المستحدث هو أن تلك الدولة لم تكن غير السلطنة القديمة في ثوب حديث. فالخاصية المميزة للدولة ، مثل الاستثمار الشخصي (شرعا وجورا)بالسلطة الذي يتمثل في أداة الدولة القمعية القسرية، والذي يستمد شرعيته ليس من مصدر قانوني (دستوري أو حتى تقليدي) ولكن من موقع القوة والتفرد بها. في هذا الواقع يصبح الفرد العادي فاقدا لفعاليته ـ يتحول الى ذات بلا مواطنة، ويتجرد حتى من حقوقه الإنسانية والمدنية. ويفقد القدرة على التأثير في القرارات ذات العلاقة بمجتمعه الأوسع” [1/37].الشكل الوحيد للرأسمالية الممكن نشوؤها تاريخيا إثر تنامي الرأسمالية الأوروبية وفي سوق عالمية يهيمن عليها الغرب، هي الرأسمالية التابعة ، لم يأت على ذكرها ماركس. ومن ثم استحال بروز طبقة عاملة أصيلة ولا طبقة رأسمالية ناضجة. نظرا لطبيعة النظام الأبوي وتشكله بدافع خارجي -الامبريالية – فهو ينطوي على تناقضات مزمنة حادة ومنهكة. الأبوية تتميز باللاعلمية والعجز. فهي طاردة للعلم وعاجزة بالنتيجة عن تحقيق المهمات المطروحة. “يعاني المجتمع الأبوي المستحدث من الانفصام ، حقيقته الخفية تقع مباشرة تحت مظهره الحديث؛ فينشأ عنهما تنافر وتناقض . في المجتمعات الأبوية المحدثة يصعب الوقوع على فرد او مؤسسة حديثين حقا او تقليديين حقا وبالطبع فإن هذين النوعين شاذان سواء في الدول المحافظة أو في الدول ” التقدمية” في العالم العربي. . لقد أدى هذا التطور بدوره الى تشكل اجتماعي ‘مثقفون محدّثون’ . هذا التشكل يمكن العثور فيه ، بصورة جلية، على ثنائية المجتمع الأبوي وتناقضاته. وكما سنرى لاحقا فانه ليس للأبوية المحدثة حليف أكثر منه قوة ، وعدو ليس أشد بأسا للحداثة الأصيلة. هذا التشكل الاجتماعي يعاني تناقضا حضاريا. مقاربته للفكر الغربي تقليد غير محكم / وعي صنمي يحول النماذج الثقافية الى أصنام – ترجمات طبق الأصل عن النماذج الأوروبية ، بدون نقد او وعي ذاتي. لا يصدق على الأفكار والمؤسسات ” المستوردة” فحسب ، بل ينسحب على الأفكار والمؤسسات التي تبدو انها محلية او ناشئة ذاتيا. الوعي التبعي يرتبط ارتباطا وثيقا بنماذج الفكر اكثر من ارتباطه بمحتويات النماذج. الاستقلالية شرط للاستيعاب الحديث النقدي[ 1/41]النظام الأبوي هو نظام القهر والاستلاب. سبق أن حلل المنور عبد الرحمن الكواكبي طبائع الاستبداد ، ومن قبله بقرون عدة دان عبد الله بن المقفع الاستبداد في “كليلة ودمنة”، واوجب على العلماء التصدي للحكام الظلمه. ومن وجهة نظر علم النفس الاجتماعي فإن ” عالم الإنسان المقهور أشبه ما يكون بغابة ذئاب ، عليه أن يعبئ نفسه ويظل في يقظة طوال الوقت لمجابهة الأخطار.. من هنا تأخذ كل مظاهر القوة الجسدية والنارية أهميتها المفرطة. وتتحكم قيمة الذكورة والرجولة بعد اختزالها في بعدها العضلي والحركي، وتوكيد قدرته على مجابهة الأخطار المادية”[3/186]. ” تستفحل الظاهرة، ” وينشأ توتر وجودي عام يشهد تدهور الخطاب اللفظي بسرعة الى المهاترة والتحدي والوعيد”[3/ 184].الأبوية العربية تختلف عن نظائرها في اوروبا والبلدان غير الأوروبية؛ توغل في الاستبداد والتعالي على “الرعية”. استمدت من الخلافة مزية الإمام المعصوم يستمد سلطته من الله وليس من الشعب. وحتى القرن التاسع عشر كان العالم العربي مناطق متناثرة بدون أي رابطة. “في العصر الوسيط كان الريف وليس المدينة مشهد حركة التاريخ التي تطورت لتغذية التناقض الناشئ بين المدينة والريف. وبالنسبة لماركس فان المدينة “الآسيوية” لم تكن تماما مثل نظيرتها في العصر القديم او في المراحل الأخيرة