على مدى عقود طويلة شكلت الديمقراطية الغربية بشقيها الأمريكي والأوروبي نقطة جذب واستقطاب للعديد من دول العالم، وخاصة في ما يسمى بـ دول “العالم الثالث” التي استلهمت أو سعت لاستلهام منظومة القيم التي جسدتها في مجال الحريات والانتخابات الدورية وإرساء قواعد تسمح بتداول السلطة وانتقالها بسلاسة من حزب او ائتلاف حزبي الى آخر.ومع أننا لحظنا على الدوام أوجه القصور العديدة الماثلة في هذا النموذج من الديمقراطية التي اتسمت بطابع طبقي وكانت مسخرة بصورة أساسية في خدمة مصالح الأثرياء وضمان احكام قبضتهم على الدولة والمجتمع مع المحافظة على جوهر نظام الاستغلال المتوارث من تشكيلات اقتصادية – اجتماعية سابقة.وحتى مبدأ تداول السلطة فقد كان في التطبيق العملي محصوراً بين أحزاب أو ائتلاف حزبي تعبر وتجسد بصورة أساسية مصالح البورجوازية الكبيرة والاحتكارية، من دون أن تسمح بطبيعة الحال لأي أحزاب تمثل مصالح الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية النقيضة لها من الحصول على أغلبية تمكنها من تشكيل الحكومة وتطبيق برنامجها الاقتصادي والاجتماعي البديل.وبالرغم من أوجه القصور الأساسية هذه وأخرى غيرها، الاّ أن النموذج الذي طبق في الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية “الليبرالية السياسية” وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية في إطار مفاهيم كان ذا فائدة بغياب أي نموذج للديمقراطية في عدد كبير من دول ما يسمى بـ “العالم الثالث” بما فيها غالبية بلدان عالمنا العربي، وتفشي نماذج من الديكتاتورية العسكرية والمدنية فيها.لذا فنحن هنا حصراً نعقد مقارنة بين ما هو سائد أو ما كان سائداً حتى وقت قريب في العديد من بقاع العالم، ومنها عالمنا العربي، وبين ما هو قائم او كان قائماً في البلدان الأوروبية وأمريكا. غير أن ما تشهده العديد من دول ما كان يسمى بـ “العالم الحر”، بما فيها زعيمة هذا العالم – الولايات المتحدة الامريكية – من ظواهر غير مألوفة في سياق الانتخابات الرئاسية او البرلمانية بات يطرح علامات استفهام كبيرة على مدى الجاذبية التي لا زالت تتمتع بها الديمقراطية البورجوازية / نمط الليبرالية السياسية وفق المفهوم الغربي، تماماً كما هو الحال بالنسبة للنموذج الاقتصادي الرأسمالي الذي بات يعاني من أزمات دورية متقاربة زمنياً قوية كشفت عن أوجه قصور عديدة وأضعفت من جاذبيته في أعين غالبية شعوب الدول النامية التواقة الى نموذج اقتصادي ينتشلها من التخلف والفقر والبطالة ويكفل لها معدلات نمو مرتفعة، ويطور قطاعات إنتاجية ذات قدرة عالية على توفير الدخل للمالية العامة وتأمين فرص عمل بشكل مطرد.وقد كشفت الانتخابات التي جرت خلال الأعوام القليلة الماضية في عدد من الدول الغربية، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، ان الديمقراطية الغربية وليس فقط نظم الانتخابات باتت تعاني من أزمة، من أبرز مظاهرها تزايد القناعة لدى الجماهير الغفيرة بأن المجالس النيابية لم تعد هي الفاعل الحقيقي في إدارة شؤون البلاد، وان نموذج الشركات الاحتكارية العابرة للقارات المعولمة هي – على حد تعبير الدكتور جلال أمين – استلبت من الدولة الوطنية مقدراتها وجعلت من هياكلها الإدارية آليات لتنفيذ نزعاتها للهيمنة والتوسع داخلياً وخارجياً. وهكذا انخفضت الاعداد المشاركة في الانتخابات انخفاضاً كبيراً ولم تعد الجماهير الشعبية شغوفة بمسألة التصويت والاقتراع.وقد ظهرت في الأعوام الأخيرة إشارات تشير الى تدهور الليبرالية السياسية في الدول الغربية. وهذه الاشارات تمثلت في ظهور القومية والشعبوية اليمينية وفي تعامل أوروبا مع ازمة المهاجرين او خروج بريطانيا الفوضوي من الاتحاد الأوروبي.لقد توقعت تقارير مجلس الاستخبارات القومية الامريكية الأخيرة تفكك النظام الليبرالي العالمي خلال السنوات المقبلة. وهذا ما يؤكد ان الديمقراطية الامريكية في مأزق والليبرالية من ورائها تترنح.تتجلى أزمة الديمقراطية في الولايات المتحدة في تزايد الدور الذي يضطلع به الجنرالات وعلو أصواتهم على صوت الرئيس وعلى سائر رجال السياسة. كما لا يمكن فهم، كيف لرئيس منتخب مثل ترامب أن يواصل رفض التسليم بنتائج الانتخابات واصراره على انها مزورة رغم دحض هذه المزاعم من قبل المحاكم وحكام ولايات ولجان فرز إعادة عدد الأصوات أكثر من مرة. وكذلك كيف لرئيس منتخب مثل بايدن أن يهدد بإخراج الرئيس من البيت الأبيض باستخدام الجيش.وحتى قبل نتائج الانتخابات الرئاسية، فقد كشفت الديمقراطية الامريكية عن اختلالات جوهرية، منها السياسات التي طبقها ترامب بعد فوزه قبل أربع سنوات والتي تعارض بعضها مع مفاهيم الحرية والمساواة وحقوق الانسان التي يتغنى بها الامريكيون على أنها قيم أمريكية خالصة. فقد هاجم ترامب المسلمين والأفارقة وتوعد المهاجرين غير الشرعيين بترحيلهم من أمريكا، وواصل دون انقطاع الثرثرة المليئة بالأكاذيب والمعلومات المضللة، واستمر في التهجم على وسائل الاعلام والمحاكم والمعارضة السياسية، واساء استخدام سلطته الرئاسية والتقديرية لتحقيق مكاسب سياسية ومالية وميثاق بدعم الجماعات اليمينية والعنصرية المتطرفة.لقد التزم ترامب بهذه السياسات وطبقها من دون أن تقوى الديمقراطية الامريكية ومؤسساتها على ردعه وضبط سلوكه.ومن غرائب الأمور أن هذا الرئيس رغم كل ما ارتكبه من أخطاء وخطايا يحصل على أكثر من 75 مليون صوت، أي أكثر من الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات التي فاز بها، رغم فشله الذريع في مكافحة جائحة كورونا، وتسببه من خلال الإهمال والاستخفاف بتفشي الجائحة وسقوط ضحايا بمئات الآلاف.علامات الاضمحلال السياسي تتمثل في تنامي الاستقطاب وانعدام الثقة والتعصب بين انصار الأحزاب المتعارضة الرئيسة، وحدوث تداخل بين الانتماءات الحزبية والهويات العرقية او الدينية والافتقار الى القدرة على صياغة تسويات سياسية وتنظيم استجابات سياسية فعالة تجاه القضايا الوطنية.لقد انحدرت الديمقراطية الامريكية والغربية عموماً خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل إدارة ترامب الى درك لم تعد معه قابلة لأن تحتذى، وعلى شعوب العالم أن تستلهم نموذجاً جديداً تقترن فيه الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية، تبنى على أفضل ما في نماذج الديمقراطية التي عرفتها البشرية واختبرتها لبناء صرح من الديمقراطية الشعبية تحترم إنسانية الانسان وتوفر له احتياجاته الأساسية المادية والروحية، وتصون كرامته وتسمح له بأن يفجر طاقاته الخلاقة وامكاناته وبدون بناء هذا الانسان، لا يمكن تصور مجتمع ديمقراطي مدني حر ومتحرر.
الحركة التقدمية الكويتية تنتقد التوجهات الحكومية
انتقدت الحركة التقدمية الكويتية التشكيل الأخير للحكومة والتوجهات التي تضمنها الخطاب الأميري الذي ألقاه رئيس مجلس الوزراء، واعتبرته خروجاً عن الرسالة الشعبية المتمثلة في نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة والتي عبّرت عن الرغبة بالتغيير واحداث الإصلاحات ومعالجة المشكلات الرئيسة، وتجاوز حالة الأزمة السياسية المهيمنة على البلاد منذ عام 2011.وأكدت الحركة استياءها من توزير عناصر تأزيمية واشخاص تدور حولهم ملاحظات سلبية.كما أكدت أسفها لتجاهل خطاب رئيس مجلس الوزراء لمطالب تحقيق الانفراج السياسي في البلاد، والتي تتمثل بالعفو عن المحكومين في قضايا الرأي والتجمعات والقضايا السياسية، وإلغاء وتعديل القوانين المقيدة للحريات، كما أعربت عن امتعاضها من استمرار النظام الانتخابي “الصوت الواحد المجزوء” الفاسد.وارتأت الحركة أن الخطاب تعمد تجاهل مطالب شعبية اقتصادية واجتماعية جوهرية، منها إلزام القطاع الخاص بتمويل الميزانية عبر الضريبة على أرباح الشركات والضريبة التصاعدية على الدخول الكبيرة، ومشكلات المقترضين، أما في الجانب الاجتماعي فقد غاب عن الخطاب مشاكل الكويتيين “البدون” والكويتيات المتزوجات من غير كويتيين.ودعت الحركة النواب الإصلاحيين والمعارضين لتفعيل دور الرأي العام الشعبي والعمل على تعبئته والاستناد اليه والتعاون مع التيارات السياسية الإصلاحية والمعارضة خارج المجلس على مستوى الرقابة البرلمانية او العمل التشريعي لإقرار قوانين جديدة إصلاحية ديمقراطية او تعديلها. كما دعت الحركة الى الالتزام بالرسالة الشعبية الواضحة عبر نتائج الانتخابات بتطهير مؤسسات وأجهزة الدولة من العناصر الفاسدة، ووقف القرارات الجائرة بسحب الجنسية لأسباب سياسية، والتخلي عن الوجهة وحيدة الجانب في معالجة عجز الميزانية المسماة “وثيقة الإصلاح المالي، من خلال معالجات توقف الهدر والتنفيع والفساد، وتحد من المبالغة في تسعير المناقصات والعقود الحكومية، وتحافظ على مكتسبات الفئات الشعبية عند ترشيد الانفاق وألا تطال بنود الانفاق الاجتماعي الضرورية”.وطالبت الحركة بتنظيم الحياة السياسية عبر قانون ديمقراطي لإشهار الجماعات السياسية على أسس وطنية، ومعالجة الخلل في التركيبة السكانية المتمثلة في الانخفاض المريع لنسبة المواطنين الكويتيين الى اجمالي عدد السكان من خلال التشجيع على إحلال العمالة الوطنية بدل الوافدة في مختلف القطاعات، وإلغاء مظاهر التمييز ضد المرأة.
تعثر جديد للحوار السياسي في ليبيا
بعد اسابيع من المشاورات والاجتماعات المكثفة بين الفرقاء الليبيين والتي حققت توافقات وصفت بالخطوة المهمة والتاريخية في اتجاه انهاء الأزمة المستعصية في البلاد، عاد الجمود ليسيطر على المباحثات السياسية من جديد فيما تتصاعد وتيرة التوتر العسكري في ظل استمرار تركيا في تحركاتها لتأجيج الأوضاع واجهاض اتفاق وقف اطلاق النار الذي تأسست على اثره الجهود السياسية في البلاد.للأسف بعد 6 سنوات من حرب المصالح المستعرة في ليبيا، لم ينجح القائمون على ما يسمى “منتدى الحوار السياسيّ الليبيّ” الذي يتم برعاية الأمم المتحدة، في وضع حد لحالة الانقسام والصراعات السياسيّة الداخليّة والدوليّة وما يرتبط بها على الساحة العسكريّة، بسبب فشل المشاركين في اختيار النسبة المطلوبة لاتخاذ القرار بشأن آلية اختيار السلطة التنفيذيّة الجديدة، وأوضحت مواقع إخباريّة أنّ 50 عضواً شاركوا في التصويت فيما امتنع 21 عضو آخرين عنه، ما يعد فشلاً ذريعاً في الوصول لتوافق بين الأعضاء.باعترافه، فشل “منتدى الحوار السياسيّ الليبيّ” في تونس، بالتوصل لآلية التصويت على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة، رغم التوصل لتوافق على تشكيل لجنة استشاريّة من المجموعة من أجل تقريب وجهات النظر في اختيار السلطة التنفيذيّة والتوافق الذي يراعي التنوع في لجنة الصياغة، ما يفتح الباب مجدداً أمام احتماليّة الدخول في صراعات جديدة على التراب الليبيّ الذي يعاني في الأصل من التدخلات الخارجيّة الصارخة.وفي هذا الخصوص، تحدثت عضو منتدى الحوار السياسيّ الليبي، أم العز الفارس، أنه جري تشكيل لجنة قانونيّة ستعقد اجتماعها الأول يوم 21 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، بهدف إيجاد القاعدة الدستوريّة للانتخابات، والسعي عبر اللجنة الاستشاريّة لإيجاد حل لموضوع التصويت على اختيار آلية السلطة التنفيذيّة، لافتة إلى أنّ اللجنة الاستشاريّة ستحدد آلية التصويت على السلطة التنفيذيّة.وفي الوقت الذي يطالب فيه بعض الأعضاء داخل المنتدى الحواريّ بالقيام بترميم للسلطات القائمة وصولاً للانتخابات، لا تبدو منهجيّة عمل البعثة الأمميّة إلى ليبيا واضحة أبداً، وهذا لا يبشر بالتوصل لنتائج إيجابية على المدى القريب، حيث أرجع بعض أعضاء المنتدى الانسداد الحاليّ لعدم وضوح منهجية العمل من الأمم المتحدة فيما يرى آخرون أن الملتقى حقق نجاحاً بالوصول إلى تحديد موعد الانتخابات، وأنّه سينجح بتضافر جهود الأمن المحليّ كما حدث في الانتخابات البلديّة.يشار إلى أنّ ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، ستيفاني وليامز، الخميس المنصرم، عقدت اجتماعاً تشاورياً لملتقى الحوار عبر الفيديو، للاستماع لآراء المشاركين ومقترحاتهم حول الطريقة الملائمة والأكثر توافقية للمضي قدماً في عمليّة اختيار السلطة التنفيذيّة للفترة التحضيريّة للانتخابات، حسب ما ورد في خارطة الطريق التي توافق عليها الأعضاء في لقاء تونس في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.وعلاوة على ما تقدّم، دعت عضو الهيئة التأسيسيّة لكتابة الدستور الليبيّ، نادية عمران البعثة الأمميّة لإعلان فشل كافة المسارات الدستوريّة، على كل الأصعدة السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة المرتبطة بشكل وثيق، واتهمت الأمم المتحدة بعدم القيام بدراسة معمقة وواضحة لحل الأزمة الليبيّة ولم تدرك أنّ الحل يجب أن يستند للإرادة الشعبيّة.ومع ازدياد اللاعبين الدوليين بأرواح أبناء هذا البلد، يبدو أنّ حجم المأساة ستزداد بسبب عدم الرغبة الدوليّة أولاً والداخليّة المرتبطة بالخارج ثانياً للتوصل إلى حل ينقذ البلاد من وحل الحرب، ناهيك عن معركة “تكسير العظم” بين الأطراف كافة لفرض الشروط على الطرف الآخر، بالإضافة إلى تأثير التدخلات الخارجيّة على هذه الأرض العامرة بخيرات النفط، لتحقيق أطماعهم وغاياتهم القذرة.وبالنظر إلى الواقع العسكريّ المرير وتحولاته، لا يمكن التكهن إلى أين ستصل الأمور في ليبيا في حال لم يتم التوصل لاتفاق سياسيّ سريع، لكن الشيء الواضع كعين الشمس، هو أن الجهود الأمميّة لن تفلح في منع الطامعين بالنفوذ والثروات من تمزيق أحلام الليبيين في مستقبل أفضل، في ظل غياب الإرادة الدوليّة الجادة لإنقاذ ليبيا من الحرب الطاحنة التي بدأت منذ العام 2014.إضافة إلى ذلك، وجّه مجلس الأمن الدوليّ اليوم رسالة للمرتزقة الأجانب في ليبيا ودعاهم لمغادرة البلاد، فيما وافق على تعيين البلغاريّ، نيكولاي ملادينوف، مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة ليبيا، بعد المبعوث الأمميّ السابق الذي استقال من منصبه في مارس/آذار الماضي، لأسباب صحيّة بحسب ادعائه، وقال الأعضاء في بيان صدر بالإجماع، إنهم يدعون إلى انسحاب جميع المرتزقة الأجانب من ليبيا بما ينسجم واتفاق وقف إطلاق النار الذي توصّلت إليه الأطراف الليبية في 23 أكتوبر/ تشرين الأول، والتزامات المشاركين في مؤتمر برلين، وقرارات مجلس الأمن الدوليّ.وتشير مصادر قريبة من بعثة الأمم المتحدة الى أنّ حوالي 20 ألفاً من أفراد “قوات أجنبية /أو مرتزقة” لا يزالون في ليبيا، وأضافت “هناك اليوم 10 قواعد عسكريّة في ليبيا محتلّة كلّياً أو جزئياً من قبل قوات أجنبيّة.وعلى وقع هذا التعثر المخيب للآمال، سارعت المبعوثة الخاصة بالإنابة ستيفاني وليامز للاعلان إن “العملية السياسية مستمرة، وبخاصة في ما يتعلق بإيجاد سلطة تنفيذية موحدة، وما يخص التحضيرات اللازمة لإجراء الانتخابات خلال موعدها نهاية العام المقبل”. وأعلنت وليامز عزمها اتخاذ حزمة إجراءات لإنقاذ المسار، كاشفة عن “تشكيل لجنة استشارية من أجل تذليل العقبات أمام عملية اختيار السلطة التنفيذية”.وفي المقابل، رأى عضو مجلس النواب، زياد دغيم، أنه “بعد فشل أعضاء الحوار السياسي في الوصول إلى صيغة توافقية لاختيار السلطة الجديدة، فإن المسؤولية الوطنية والحفاظ على وقف إطلاق النار الهش وضرورة توحيد المؤسسات، تحتم على مجلس النواب تشكيل لجنة لوضع خطة بديلة لاعتمادها الأسبوع المقبل في مقره الدستوري بمدينة بنغازي”.ويشير كثيرون الى أن فشل الحوار السياسي الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، كان متوقعا في ظل محاولات لتمكين تيار الاسلام السياسي من السيطرة على المشهد السياسي في ليبيا والتحكم في مقاليد السلطة. وبالرغم من تفاؤل البعض بتعيين الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، مبعوثاً جديداً للأمم المتحدة في ليبيا، فان البعض الآخر يرى أن مصيره سيكون كأسلافه في ظل استمرار التدخلات الخارجية التي تجهض كل جهود السلام في البلاد.
تطبيع على وقْع الغطرسة الإسرائيلية
تتداخل السياستان الأمريكية والإسرائيلية حيال الصراع العربي والفلسطيني – الإسرائيلي وسائر صراعات المنطقة على نحو يصعب الفصل بينهما. ويعكس هذا التداخل مدى تشابك المصالح بين المؤسستين الحاكمتين في كل من واشنطن وتل أبيب، وأي تغيير يحدث في أي من العاصمتين أو في كليهما يجب مقاربته خارج دائرة هذا التشابك في المصالح وبعيداً عن توقع حدوث تبدل جوهري يمكن الرهان عليه انطلاقاً من عملية تداول السلطة الجارية حالياً في البيت الأبيض أو المتوقع حدوثها في الأشهر القليلة القادمة في مقر حكومات “إسرائيل”.وبالرغم من ذلك يصعب الاستبعاد المطلق لإمكانية حدوث تباين ولو طفيف يتعلق بالتكتيك الذي يمكن أن تتبعه هذه الإدارة الامريكية أو تلك في التعاطي مع المستجدات المتسارعة التي تحدث مع أن الجانبين متفقان منذ أمد بعيد على أن أي تباين أو اختلاف في قراءة هذه المستجدات أو في الموقف منها يجب أن يبقى داخل الغرف المغلقة وأن لا يتم التعبير عنه في العلن.لا يمكن فهم اللهاث المحموم للمسؤولين الأمريكيين ونظرائهم الإسرائيليين لإحداث مزيد من الاختراقات التطبيعية في دائرة الدول العربية والإسلامية واستمالة أكبر عدد ممكن من أنظمتها لتطبيع علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي العنصري، الاّ في إطار الخشية من الاّ تمارس إدارة بايدن نفس الضغوط على الأنظمة العربية والإسلامية الدائرة في فلكها لإنهاء اشكال المقاطعة حتى الشكلية منها لإسرائيل وحسم التردد الذي تبديه بعضها حيال إقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها.لذا نجد أن إدارة ترامب تمارس ابتزازاً مفضوحاً وضغوطاً متعددة الاشكال، مكشوفة ومستترة وتوظف نقاط الضعف ومظاهر الوهن في الأوضاع الداخلية لبعض الأنظمة العربية والإسلامية، او معاناتها من جراء العقوبات الاقتصادية أو بسبب وضعها على لوائح الإرهاب، او حاجة أنظمتها لضمانات تكفل بقاءها في سدّة الحكم، ومواجهة التهديدات الداخلية أو الخارجية.لقد تعمدت الإدارة الأمريكية عدم اتخاذ خطوة ملموسة للرد على القصف الذي طال شركة أرامكو في شهر أيلول من العام الماضي لتغذية المخاوف لدى الأنظمة الخليجية من أن الولايات المتحدة لن تهب لنجدتها في حال ما تعرضت لأي هجوم خارجي مباغت. والمقصود هنا بالتحديد إيران وليس أي دولة أخرى، والايحاء بأن – على حد ما تزعم أمريكا وأتباعها – الجهة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك القدرة ولها مصلحة في ردع أي هجوم إيراني محتمل على منطقة الخليج هي إسرائيل. وبالتالي فإن أمن هذه الدول ودرء الخطر الإيراني المزعوم بات مرهوناً بإنهاء حالة الصراع وتطبيع العلاقات معها.أما في حالة السودان، فقد استغلت الإدارة الأمريكية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها السودان، والتي تعمقت بتأثير وضع السودان على لوائح الدول الراعية للارهاب، وهو الذي كان مطلباً اسرائيلياً في حينه، لربط مسألة رفع السودان من لوائح الإرهاب بتطبيع علاقاته مع إسرائيل.وفيما يتعلق بالمغرب، فقد قايضت الإدارة الأمريكية اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية خلاقاً للقانون الدولي، بإعادة المغرب لعلاقاته الطبيعية مع إسرائيل. ولا نعلم، على وجه التحديد، ماهية المقايضات التي ستلجأ اليها إدارة ترامب في الفترة المتبقية لوجودها في البيت الأبيض لجر أنظمة عربية وإسلامية أخرى مرشحة لأن تنخرط في مسارات التطبيع ولكنها بالقطع لن تعدم الوسيلة التي تستطيع بواسطتها الوصول الى مبتغاها. هذا النوع من المقايضات ضروري لكي تتمكن الدول التي سلكت طريق التطبيع مع كيان الاحتلال من استمالة شعوبها لهذا المسار وكسب تأييدها له.وتنبري وسائل الاعلام الناطقة بلسان أنظمة التطبيع وتلك الدائرة في فلك الدوائر الصهيو- امبريالية لاختلاق مكاسب يمكن أن تجنيها الدول المطبّعة، ويتم تكريس ساعات بث طويلة لبرامج حوارية يجري انتقاء المشاركين فيها بعناية، يتولون مهمة إعادة صياغة وعي المشاهدين والمستمعين لهذه البرامج وتسويق الأوهام بأن الاعتراف بإسرائيل “دولة طبيعية” في المنطقة من شأنه أن يعود على المنطقة وعلى دولها بالرخاء والازدهار ويوقف إراقة دماء أبنائها وينهي حالة الصراع القائمة فيها منذ عدة عقود.هكذا يجري قلب الحقائق رأساً على عقب. فكيان الاحتلال الذي يتحمل المسؤولية عن استمرار بؤرة التوتر المتفجرة وتصاعدها بمواصلة احتلاله للأراضي الفلسطينية، والسعي لزرعها بالمستعمرات بعد انتزاعها بالقوة والاكراه من أصحابها، والتنكر المتواصل لحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة، ونزوعه المتواصل للتوسع والهيمنة على المنطقة العربية برمتها وابقائها تحت التهديد باستخدام القوة المسلحة الغاشمة، يصبح دولة طبيعية ومسالمة بحاجة الى اعتراف الدول العربية بـ “حقه” في الوجود الآمن، وهو الذي يتعرض للتهديد، وليس هو مصدر التهديد وعدم الاستقرار وغياب الاستقرار في المنطقة بأسرها.وأنه لأمر عصي على الاستيعاب أن يجري تسويق هذه الأكاذيب والمزاعم في ظل انتقال أنظمة عربية من مربع التواطؤ معها بالصمت، الى مربع التواطؤ المكشوف بالموافقة على التطبيع مع الكيان القائم بالاحتلال منذ أكثر من نصف قرن، والتخلي عن ربط ذلك بإبداء الاستعداد والتسليم والاذعان لقرارات الشرعية الدولية المتكررة.وكما أن معاهدات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو لم تضع القضية الفلسطينية على سكة الحل العادل الممكن وليس المطلق، ولم تؤدِ لأن تنعم المنطقة بالسلام والأمن والاستقرار، بل على العكس شجعت كيان الاحتلال والتوسع والعدوان على اقتراف المجازر والاعتداءات الدموية بحق الشعب الفلسطيني والشعبين اللبناني والسوري بصورة أكثر بشاعة ودموية وغطرسة، فان اتفاقية ابراهام لن تلجم إسرائيل عن مواصلة سياسات تكريس احتلالها وقضمها للأراضي الفلسطينية والقدس في مقدمتها بل تزيد من وتيرة تهويدها وزرعها بالمستعمرات، وتنفيذ مخططات ضمها وتطلق أيادي حكام تل أبيب المنتشين باستسلام أنظمة التطبيع العربية لتصفية الحقوق الوطنية المشروعة والثابتة للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس وحرمانه نهائياً من ممارستها على ترابه الوطني.اتخاذ مسار التطبيع العربي منحنى صاعداً يصاحبه أو سيصاحبه في الجهة المقابلة تصاعد لحركة الشعوب وقواها المناضلة باتجاه مقاومة التطبيع وشتى اشكال التغلغل الاقتصادي (التجاري والزراعي) أو العلمي – التقني الإسرائيلي في الدول المطبّعة، وستبقى “إسرائيل” في نظر الشعوب العربية كافة كياناً منبوذاً في المنطقة وغريباً عنها ودخيلاً عليها.
الولايات المتحدة تنكث تعهداتها للصين
تتعدد أشكال العداء الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد الصين، وما بين التدخل في الشؤون الداخلية لجمهورية الصين الشعبية والعمل على تجزئة اراضيها؛ الى محاولة احتواء الصين من خلال استقطاب الدول المحيطة بها ضمن أطر اقتصادية شكلية.وقد لعقت الولايات المتحدة كل تعهداتها التاريخية الموثقة مع الصين، والتي تضمنتها ثلاث معاهدات، وشكلت الأساس البنيوي للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وجوهرها الاعتراف بوحدة الأراضي الصينية وبتايوان جزء منها.وقد أعلنت الولايات اعترافها بوحدة اراضي جمهورية الصين، وتشمل تايوان، ضمن توافق للمجتمع الدولي على هذا المبدأ عام 1971.وفي بيان شانغهاي الصادر عام 1972، أكدت الولايات المتحدة أن “جميع الصينيين على جانب مضيق تايوان يؤكدون أنه لا يوجد سوى صين واحدة ولا تتحدى الولايات المتحدة هذا الوضع”.واعترفت الولايات المتحدة في بيان مشترك مع الجانب الصيني بشأن إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1978 بأن حكومة الصين الشعبية هي الحكومة الوحيدة للصين ولم تعلن اعترافها باستقلالية تايوان، بل أكدت انها جزء من الصين.كما كررت الولايات المتحدة في أغسطس عام 1982 اعترافها بوحدة الاراضي الصينية، وأن تايوان جزء منها.إلا أن الولايات المتحدة التي كانت تنكث تلك الاتفاقات بشكل سري على مدى ما يزيد على أربعين عاما، كشفت عن أنياب الذئب المولغة بالدم البشري، وانتقلت من الدعم السري لتايوان الى التفاعلات العسكرية معها بشكل اكثر تكرارا وعلانية، كما خفف من القيود الملزمة على التبادلات الرسمية مع تايوان.وتمادت في عدائها للصين ومحاولة احتوائها من خلال اقتراح قدمه الرئيس الأمريكي خلال زيارته لليابان في 23 من شهر أيار (مايو) الماضي، والذي ينص على إقامة ما يسمى “الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ”، ورغم غموض بنوده باستثناء بند واحد وهو “الانفصال” عن الصين في سلسلة التوريد دون اي تخفيض على التعريفات المفروضة على السلع المصدرة من هذه الدول الى السوق الامريكية.ويشكل هذه الإطار المصمم لعزل الصين أداة سياسية للدائرة الاقتصادية الصغيرة التابعة للولايات المتحدة، بما يضمن تفوق نوعي للولايات المتحدة في تلك الدائرة، ويؤدي الى مواجهات وانقسامات في المنطقة تحت أكذوبة الحرية والانفتاح والازدهار التي تدعي الولايات المتحدة حرصها عليها.الدول المدعوة لهذا الاطار تبدي قلقها وهواجسها من أهداف هذا الإطار، الذي لا يقدم تخفيضات أمريكية مشجعة لصادراتها أو يؤمن استقرارا في سلسلة التوريد والبنية التحتية للطاقة ومكافحة الفساد، في ظل ما تشهده الولايات المتحدة من أزمات اقتصادية حادة ومتلاحقة، كما أن هذه الدول لا تشعر بالثقة تجاه التعهدات الامريكية، وتخشى من تكرار انسحاباتها من المفاوضات حول أسس هذا الإطار، بعد تجربة السنوات الماضية، حين أكملت اتفاقية التجارة العابرة للمحيط الهادئ عدة جولات ولكن مزقتها الولايات المتحدة بسبب تغير ساكن البيت الابيض على خلفية الصراع بين الحزبين، في حين استطاعت الصين خلال الأعوام الماضية ان تتصدر موقع الشريك الاقتصادي للدول في آسيا والمحيط الهادئ، وفتحت أمامها سوقا كبيرا يبلغ عدد سكانه 1.4 مليار نسمة.الولايات المتحدة التي أخفقت في التمدد شرقا تجاه روسيا والصين، وانكسرت محاولاتها الدؤوبة لابقاء العالم خاضعا لها، ورفضها قيام عالم متعدد الأقطاب، باتت تشعر بخيبة أمل مع تنامي القوى الدولية والشعوب المناهضة لسياساتها، وفي مقدمة هذه الدول العملاق الصيني.