شكلت الحرب العدوانية التوسعية التي شنها الكيان الصهيوني في الخامس من حزيران 1967 ضد دول الطوق المحيطة بفلسطين (سورية، مصر، الاردن) محطة جديدة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، استهدف من خلالها ضرب أي توجه لبلورة مشروع عربي نهضوي، ودللت هذه الحرب العدوانية على طبيعة المشروع الصهيوني الذي يستهدف فلسطين والأمة العربية التي من خلالها وبدعم مباشر من الامبريالية الامريكية استطاع الحاق الهزيمة بالجيوش العربية واحتلال باقي الأرض الفلسطينية وأجزاء عزيزة من سورية ومصر. لقد شكلت هزيمة 5 حزيران ضربة موجعة للنظام الرسمي العربي، وأثبتت الأحداث لاحقاً أن نظرية التوازن العسكري مع الكيان نظرية فاشلة في ظل تغييب الإرادة الشعبية، لكنها لم تقتل روح الإرادة والتحدي لدي الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية بالاستمرار في المواجهة مع المشروع الصهيوني الاستعماري التوسعي الاحلالي من خلال تعزيز روح المقاومة. لقد حفرت هزيمة حزيران جرحاً عميقاً في الذاكرة العربية، وتركت تأثيرات عميقة على الواقع العربي، واسست لاحقاً لكل مشاريع التسوية وتوقيع المعاهدات والاتفاقيات مع الكيان الغاصب من قبل الحكومات العربية، وهرولة العديد من الحكومات العربية للتطبيع مع الكيان الغاصب. يا جماهير شعبنا العربي الاردني يا جماهير امتنا العربية تريد الادارة الامريكية ورئيسها تحقيق الحلم الصهيوني واهدافه منذ المؤتمر الصهيوني الاول بازل سويسرا 1897 – خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين وان حدود فلسطين من الفرات الى النيل – وكذالك تحقيق قول وشعار دافيد بن غوريون” لا معنى لاسرائيل بدون القدس… ولا معنى للقدس بدون الهيكل” في هذه المرحلة التاريخية الهامة من تاريخ أمتنا يحذر ائتلاف الاحزاب القومية واليسارية من ما يحصل في فلسطين اليوم وما يحصل من مؤامرات على وطننا وأمتنا العربية خطير جدا ويهدد وجودنا ومستقبلنا، وعلى هذه الأمة وقواها الحية توحيد جهودها لتجاوز هذه المرحلة واسقاط ما يعد لها من تآمر وشرذمة وصراعات طائفية ومذهبية وحروب داخلية لتفتيت الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي. تأتي الذكرى هذا العام في ظل أوضاع وتحديات تواجه الشعب الفلسطيني والأمة العربية تتمثل بمشروع ترامب “صفقة القرن” لتصفية الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني والحقوق العربية والقرار الصهيوني الأمريكي بعد اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة للكيان وضم الجولان السوري المحتل واستهداف حق العودة، لنصل الى الاعلان عن تفاصيل الصفقة التي تبدد الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وتكريس الاحتلال الصهيوني على الأرض العربية، والإعلان عن ضم أراضي جديدة من الضفة الغربية المحتلة تقام عليها المستعمرات وضم غور الأردن الذي يشكل تهديدا مباشرا للاردن وسيادته وعروبته الأمر الذي يتطلب العمل على تحصين الوضع الداخلي بما يستجيب مع هذه التحديات واستمرار نضالنا من أجل: 1_ الدفاع والحفاظ على استقلال بلدنا ووجودنا من خلال: أ – الغاء معاهدة وادي عربة مع الكيان الصهيوني وإغلاق سفارته وطرد السفير الصهيوني من الاردن ب – الغاء واسقاط كافة الاتفاقيات الموقعة معه وعلى راسها اتفاقية الغاز “أتفاقية العار” ج – اعادة النظر في السياسات الاقتصادية والمالية والاعتماد على الذات وتعزيز الانتاج الوطني الزراعي والصناعي وغيرها من عناصر الانتاج الوطني ووقف التعامل مع الصناديق والأندية الدولية المعروفة 2_اجراء إصلاحات سياسية حقيقية وتعزيز المشاركة الشعبية من خلال أ_ سن قانون انتخاب ديمقراطي يعتمد على نظام التمثيل النسبي الشامل والقائمة المغلقة ب_ إطلاق الحريات العامة التي كفلها الدستور واحترام حقوق الإنسان ج_ محاربة الفساد والمفسدين بشكل جذري والبدء بإصلاحات إدارية حقيقية د _ تعزيز وحدة المصير المشترك بين الشعبين الشقيقين الأردني والفلسطيني وإنتهاج سياسة عربية ودولية سليمة عاش الأردن حراً أبياً عاشت فلسطين حرة عربية من النهر إلى البحر عاشت المقاومة العربية المجد والخلود لشهداء الأمة الأبرار عمان 5/6/2020 اكرم الحمصي الناطق الرسمي باسم ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية
التمكن بالوعي العلمي او السقوط من قاطرة التاريخ كورونا ذكر بقيمة الوعي العلمي – الحلقة أخيرة
معالم تخلف المجتمع العربي وعوامله التمكين بالوعي العلمي أو السقوط من قاطرة التاريخ اليسار الفلسطيني يتحمل مسئولية استثنائية في هذه المرحلة العصيبة، أو مفترق الطرق، إذ بات يتراءى للنظر المجرد ما حذر منه الدكتور مصطفى حجازي، أستاذ علم النفس الاجتماعي، عام 2006، حيث أورد في كتابه “الإنسان المهدور”، أن الهدر متصل الحلقات منذ قرون أوصل “الإنسان العربي يقف أمام احتمالين: استمرار الضياع في المتاهة ليتحول إلى فضلات بشرية والانضمام إلى الفئات المستغنى عنها، أو التخلص من هوية الفشل وارتهاناتها وبناء هوية النجاح تتمثل في وجود مليء ذي معنى يتصف بالتمكن وحسن الحال”. الفراغ الوجودي، الذي رصده خبير علم النفس، يفشي أنيميا ثقافية. جماهير عريضة أربكتها الحيرة ولم تجد اليسار يجيب على تساؤلاتها ويخرجها من حيرتها، فأسلمت قيادتها للتيار السلفي. فمنذ صعود الحركات الأصولية خففت الأنظمة ملاحقاتها للشيوعيين، وقنع هؤلاء بنصف العلنية انتهزوها بياتا شتويا، أو استراحة محارب، غابوا خلالها عن الأعين وعن البال، وعن مستجدات الفكر العلمي. لحظة خواء معرفي وقيمي خدعها إغواء السلفية واستدرجها الى بيداء متاهة الضياع؛ حجزها خلف مصد مانع في محجر بعيدا عن أفكار التقدم، وأحالها احتياطي عزوة للنظام الأبوي. وقبل حجازي، في ثمانينات القرن الماضي، وجه بيير بوردو، عالم اجتماع، بل أعظم علماء عصره، وجه صرخة إنذار لليسار كي يستفيق على ثغرة خطيرة في نشاطه. لم يجد صوته الصدى المطلوب والجماهير ضحية لا تلام. لاحظ بيير بوردو في أواخر القرن الماضي إغفال التربية ثغرة خطيرة في نشاط اليسار. إعادة ذكر صرخة بوردو لسد ثغرة الثقافة باتت ضرورة لان “مثقفي اليسار استهانوا بالأبعاد الرمزية والتربوية للنضال، ولم يحسنوا دوما طرق الأسلحة الملائمة للكفاح في هذه الجبهة”، من الضروري للغاية الإقرار بأن “أهم نماذج الهيمنة ليست اقتصادية بل وثقافية – تربوية، وتكمن في جانب المعتقدات والقناعات”، ومن الخطورة ترك الجبهة لأعداء التقدم. هذا يعني ان على اليسار والآخرين ممن يفضلون التمكن وحسن الحال، أن يضعوا مسائل الثقافة والتربية في مركز أنشطتهم السياسية، وذلك من أجل مقاربة حاجات الناس ونضالاتهم. وعليهم المبادرة في الحال لأداء هذا الواجب بلغة مقبولة وعامية. ثغرة أو ثغرات عدة أسفرت عن أزمة مركبة للمقاومة الفلسطينية محورها ثقافي، مضت أنشطة المقاومة ردات فعل انفعالية ومبادرات نزقة ارتدت على أصحابها بالهزيمة. تعاقب الانكسارات وخيبات الأمل أغرق الجماهير في الاحباطات وورط القضية الفلسطينية في متاهة حفزت الغرائز الذئبية لدى التحالف المعادي، جمهورها حائر مضطرب، أشكلت عليه الأمور، نظر الى الحياة من نافذة لا تنفتح على الحراك الشعبي من أجل التحرر والديمقراطية والتنمية، تغلغلت الثقافة الأبوية في ثنايا الوعي الاجتماعي، ترك الهدر الاجتماعي أعطابا تحتاج الى جهد ثوري ينقي النفوس والأذهان من ترسباتها. ان كل ما يفكر فيه الناس ويشعرون به يكشف عن سيكولوجية الجماهير، ولا بد من دراستها، ودعا لينين الى وجوب “أن نتعلم كيف نقترب من الجماهير في أناة وصبر وحذر حتى نتمكن من فهم السمات المميزة لكل فئة وكل مهنة وطائفة… ألخ من هذه الجماهير”. ان وعي الجماهير لا يتكون من الأيديولوجيا وحدها، بل يدخل في تكوينه العنصر السيكولوجي (النفسي) أيضا؛ وإهمال هذا الجانب يؤدي الى فهم ساذج ومبسط سواء للبنية الأساسية أو الفوقية (الوعي الاجتماعي ومؤسساته). التكوين النفسي لأي مجتمع يتعرض لتأثير عناصر ثابتة نسبيا مثل التقاليد والسمات الطبقية الخاصة لفئة معينة او مهنة، او الشعب او الأمة او أي جماعة أخرى، كما تمتزج السمات الثابتة للتكوين النفسي بالعادات أو نمط الحياة الموروث عن الأجيال القديمة ومن البيئة. وغالبا ما يتم اكتساب هذه السمات دون اعتراض او تفكير، ويحدث أحيانا ان يكبح او يخنق اي اتجاه لمعارضة هذه السمات المتوارثة سواء تحت ضغط الأفكار السائدة او نتيجة للإكراه المباشر. ويمكننا ان نرد الثبات النسبي لهذه المجموعات الى كونها تندمج في ما يسمى الثقافة الروحية على وجه التحديد. تمثل النفسية الاجتماعية الوعي الحقيقي العملي للجماهير، الطريقة المحددة الملموسة لتفكير الذات الاجتماعية، والتي تنشأ على أساس من حياتهم الخاصة. الوضع الاقتصادي لجماهير البرجوازية الصغيرة هو الذي يجعلها ساذجة لدرجة مذهلة … إنها لا تزال نصف نائمة. وفي الوقت الحاضر لم تعد النفسية الاجتماعية انعكاسا للبيئة المباشرة فقط، عن طريق الحواس والإدراك ، نظرا لأن هذه النفسية تتشكل تحت تأثير عدد من العوامل الأخرى بما فيها الإعلام. وكلما ارتفع المستوى التعليمي والنظري للجماهير، كلما اختزن وعيها الاجتماعي عناصر علمية ونظرية. تترسب تقرحات الهدر وعقده في النفوس والأذهان والأبدان طبقات خمس أجملها حجازي، يلتقي من خلالها مع المقولة الغرامشية بصدد”الرؤية الشاملة والحكمة الشعبية المنتشرتين بين اكبر عدد من الناس”: طبقة اليافطات للتستر على الذات، وطبقة الدوران والألعاب للتواصل مع الذوات الأخرى، وطبقة المأزق دفاعات عصابية تتضمن الصراعات والقلق وهدر الطاقات النفسية؛ ثم تأتي رابعا طبقة الموت الوجودي او الانهيار الداخلي حين تفشل الدفاعات في عملها لدرء القلق.”عندها يجد الإنسان المهدور، كما العصابي، أنه أمام تلك النقاط المميتة او المولدة للذعر من عالمه الداخلي. والطبقة الخامسة وأعمقها طبقة الطاقات الحية الوثابة الطامحة للنماء والتوسع، تدفن تحت الطبقات الأربع السابقة. إنها تمثل الجانب الأصيل من أنفسنا، يؤذن بلوغها الدخول في اتصال حقيقي مع الذات في كل مشاعرها ووجداناتها العامرة بالفرح والرغبة والامتلاء، أو الغضب والثورة والتمرد. الوصول اليها يعني التحرر من كل الأقنعة وسقوطها، والاستجابة والتصرف بحرية ومسئولية ولقاء ذاتي مع الرغبات والميول، وتحرر الطاقات الحيوية. يسترد الإنسان طاقة التعبير عنها، ويدخل في وفاق ووئام كياني” [4/301]. هذه الحقيقة السيكولوجية تبرر الثقة بالجماهير واحترام قراراتها ومواقفها، ولو تضاربت مع الضرورة ومع طروحات الحزب الثوري. أحزاب البرجوازية الصغيرة تلوم الجماهير وتقسو عليها، وأحيانا تمارس الإكراه والقيادة الأوامرية بدل التثقيف وإجراء الحوارات. القيادات السياسية تتحمل مسئولية أخطاء الجماهير. من خلال التنقيب عن الطبقة الأعمق في النفسية المهدورة وتفعيلها يتعمق الحزب الثوري في سيكولوجية الجماهير ويكيفها وفق النهوض الوطني والاجتماعي ويكسب ثقتها. يرتفع مردود النشاط في أوساط الشعب وتتعمق جذور الحزب الثوري في التربة الاجتماعية بمقدار ما تغتني خبرة كوادر الحزب الثوري بعلم النفس، وتمرست في التفكير الإيجابي. علم النفس الاجتماعي وفرعه الأهم علم النفس الإيجابي مستشار زاخم بالخبرة لمن يتعامل مع الجماهير، كتابا وفنانين وعاملين في الخدمة الاجتماعية ومناضلين سياسيين. وعلى العكس من علم النفس المرضي يركز علم النفس الإيجابي على أوجه القوة لدى الإنسان بدلا من أوجه القصور، وعلى الفرص بدل الأخطار، وعلى تعزيز الإمكانات بدلا من التوقف عند الصعوبات. إنه يهدف الى تنشيط الفاعلية الوظيفية والكفاءة والصحة الكلية للإنسان. الجهد التطهري المساعد على التخلص من كدمات الهدر وتقرحاته وعقده يتم بمطالعة الأعمال الأدبية والتردد على معارض الفن والمسارح وعروض الفنون الأخرى. الثقافة علاج، مثلما هي ضوء ينير الدرب؛ الثقافة ليست اختصاصا للنخبة، إنما الفنون والآداب والثقافة السياسية ينبغي ان توضع بمتناول الجماهير. المواضيع السياسية تلهم وتنير الدرب، والفنون
التحرر الوطني والإنساني مشروط بالخلاص من النظام الأبوي كورونا ذكر بقيمة الوعي العلمي -9
الحلقات السابقة تطرح إشكاليات التغيير التقدمي للمجتمعات العربية. كان الظن القديم أن تستجيب الجماهير لنداء الحرية الوطنية وتطيح بالسيطرة الامبريالية المباشرة، لتتحقق تلقائيا الحرية والوحدة العربية، وتمضي الأمة العربية الموحدة باتجاه التنمية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي. لكن الوقائع المترتبة بعد زوال السيطرة المباشرة للامبريالية أسفرت عن نظام أبوي جعل الناس تحن الى الماضي؛ فقد ابتليت بأنظمة أبوية لم تعرف حدودا للقهر واستباحة الحريات العامة وهدرت الكرامة الإنسانية. “ومن استبيحت إنسانيته سوف يستبيح كل شيء حين تحين الفرص. وأحداث الاضطرابات خير شاهد، حيث التلذذ بالقدرة على الهدم والهدر. نزوة الموت الوجودي التي فتكت بكيان الميليشيات تعود فترتد على أيديهم تدميرا للعمران”[2/247].رد نتنياهو على طلب الرئيس الفرنسي بتحسين معاملة الفلسطينيين، وقال ان الفلسطيني تحت حكمه يعيش بأفضل من العرب تحت الأنظمة العربية . ولكن يتوجب على نتنياهو تمييز “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” عن الأنظمة المتخلفة التي يتباهى بصداقتها لنظامه العنصري.في حالة الإبقاء على آثار الهدر يستمر الضياع ، وتتكيف النفوس لتقبل القهر من جديد . وهذا ما حدث في البلدان الخارجة من السيطرة الامبريالية المباشرة؛ بقيت تابعة للامبريالية من خلال الأنظمة الأبوية. وبعد المتاهة الطويلة في دنيا الأبوبة المستحدثة فإن الإنسان العربي يقف امام احتمالين: استمرار الضياع في المتاهة ليتحول الى فضلات بشرية والانضمام الى الفئات المستغنى عنها ؛ او التخلص من هوية الفشل وارتهاناتها وبناء هوية النجاح تتمثل في وجود مليء ذي معنى يتصف بالتمكن وحسن الحال “[2/319].التوجه العقلاني للتغيير الديمقراطي يبدأ بمحاولة التعريف بالمسألة ثم يحدد الهدف المطلوب الوصول اليه، وتأتي بعد ذلك بحث المشكلات المتضمنة ، ثم يجري جمع المعلومات والمعطيات المتوفرة عن المسألة في مختلف جوانبها ومستوياتها وفرزها من حيث الأهمية ومدى واقعيتها . عند هذا الحد يغدو ممكنا طرح تصورات متعددة بالحلول الأنسب، أخيرا يتم رسم خطوات الحل ومراحل التنفيذ وأدواته وأساليبه، ليس في الغرف المغلقة ، وإنما في ميادين الحراك الجماهيري. وتكون الجماهير المنطلقة من الجمود والحيرة متطلعة للتحرر والانعتاق من العبودية، وقد اكتسبت الوعي بواقعها وسيطرت على محيطها، هي المرجِّح لأي خيار يمضي عبره ركبها المظفر.إشكاليات التحرر الاجتماعي بتحديث الحياة الاجتماعية وقائع معيقة للانطلاق الديمقراطي، يمكن إجمالها على النحو التالي :.أبوية “مستحدثة أو محدثة” دلالة على توفر عامل خارجي حفز التطور داخلي، دفعه الى التحول. فما ان تنطلق عملية التحديث حتى يختل التطور الذاتي الداخلي ويعتل المجتمع؛ البنية الأبوية تعطل نمو برجوازية ناضجة وطبقة عاملة حادة؛ فتستقر هجانة اجتماعية تستعصي على التقدم والتحديث وتلفظ العلم. سلطوية الأبوية منعت تجذر العقلية العلمية في الشخصية العربية، فملأت فراغ المعرفة العلمية بالخرافات وبالسحر والشعوذات بها تفسر الظواهر؛ لا عقلانية تنظم النشاطات الفردية الاجتماعية والسياسية، وترتد العواقب عجزا وقصورا. الدولة ذات النظام الأبوي المحدث كيان مفتت لا يستطيع النماء لأنه لا يتمتع بالمناعة والحيوية والدينامية ، وبغض النظر عن بناها التشريعية والسياسية وأشكالها، ليست سوى سلطنات قديمة محدثة، حدثت وفق أرقى مستويات العلوم والتكنولوجيا أجهزة القمع ومراقبة الجمهور. الابوية تهدر المؤسسات والثروات لإشباع نزواتها؛ و حين يتم هدر المؤسسات والثروات يتم الاستفراد بالإنسان وكيانه من خلال تجريده من كل مرجعيات القوة والمنعة والحقوق. السيد الأبوي يجحد إنسانية القاعدة الاجتماعية المقهورة؛ يفقد التعاطف مع المعذبين في الأرض والإحساس بمعاناتهم وآلامهم، ومخاوفهم وحاجاتهم. حيال هذه الحالة يصبح الكيان الوطني مجرد كيان شكلي هزيل مهدد بالانفجار في أي لحظة يتغير فيها نظام القوى . وإذا هدر الوطن فإن مؤسساته ستهدر بدورها، وكذلك طاقات أبنائه وفرصهم، ما عدا القلة المحظية منهم. مؤسسات الأبوية الاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية تفرز البعوض الثقافي والذباب الإليكتروني، تنشر الأوبئة الاجتماعية، لسعاتها شواحن خدر في طاقات التغيير. اما الفكر المستورد فيُمسَخ حلية ومصدر نفوذ ، إذ تحيله الثقافة الأبوية فكرا لا يخصب.الأنظمة الأبوية تحيل مشاكلها على أفراد المجتمع فتجير عجزها على السلوكيات “المرَضية” لأفراد تضحي بهم بين فينة وأخرى؛ فالقانون جهاز طبقي والعقوبات غايتها تحصين النظام السياسي. وتهب الحركات العصبية الطائفية لتجرم المجتمع بالابتعاد عن الدين، وترهن الخلاص بإقامة الخلافة! مستغلين هشيم خراب الأنظمة الأبوية، يسدرون في أبوية جديدة مقنعة بالدين، و يعوضون معاناة البحث العلمي المفقودة بمزاعم “الإعجاز العلمي في القرآن”. عمليا يعني هذا “أن ننتظر من الآخر الأوروبي -الضال ، المنحرف على مستوى العقيدة والسلوك- لكي ينتج المعرفة، فيساعد بذلك على اكتشاف إعجاز علمي ما بالنصوص الإسلامية” . الخلافة كانت قائمة حين احتلت جحافل المغول عاصمتها بغداد ودمرت معالمها الحضارية الفكرية والمادية. وكانت الخلافة قائمة بقوام “الرجل المريض” حين انهزمت جيوشها وتركت مقاطعاتها العربية نهبا لسايكس بيكو؛ وبزغت خلافة داعش وخليفتها المكنى أبي بكر،ارتد مدحورا مذموما، وعوقب بالإعدام على خيبته. قضي على الرجل عل زواله يطوى بموته ملابسات حركته وأسرار جرائمه السوداء. . مؤسسو حماس بيتوا خطف القضية الفلسطينية من أيدي المنظمة؛ لكن ملابسات الحركة التاريخية في ظل السيطرة الامبريالية – الصهيونية وجهت الأمور نحو شق المقاومة الفلسطينية ، ليغدو الانشقاق عاهة ملازمة تشوه وجه المقاومة الفلسطينية.قارب علم النفس الاجتماعي قضية التحرر الإنساني، من منطلق تصفية ترسبات الهدر وتعافي النفسية الاجتماعية لاكتساب الصحة النفسية. تجارب الماضي الأليمة تبين أن الإطاحة بنظام استبدادي يحل النصف الهين للمشكلة؛ وأصعب منه خوض صراع ضد تراكمات الهدر الدهري، والمتمثلة في” التواطؤ الذاتي مع الهدر الخارجي الذي لا يستتب إلا من خلال اجتياف احكامه (بمعنى ابتلاع احكام الهدر وتمثلها برسم التوازن النفسي) الامتثال لها، وبالتالي إعادة إنتاجها ذاتيا ، وهو الأخطر”[2/319]. “فقط المناعة التي توفرها المستويات العليا من الصحة النفسية هي القادرة على المرونة العالية واللياقة التكيفية، والفاعلية في مواجهة التحديات والشدائد. الكفاءة النفسية تتمثل في صحة الوظائف الحيوية وعملها بكامل طاقتها على مختلف الصعد؛ كما تتمثل الصحة النفسية النمائية في مشروع وجود متنام ومتجاوز لذاته على الدوام على مستوى الوظائف والأداء والانتماء”[2/315].لا بد من تغيير يطيح بالأنظمة الأبوية وبكل ما خلفته من اعطاب روحية وعقلية هي منبع الشذوذ والتخلف عن ركب الحضارة، يستبدل باستشراف الديمقراطية الثورية هدفا استراتيجيا. ذلك هو الهدف الاستراتيجي لا يختلف عليه عاقلان. ولا يختلف أنصار العقلانية في السياسة بصدد دور الحراك الجماهيري في إحداث التغيير، يحطم قيودها ويبدد حيرتها ويطهرها من عقد القهر. جُرِب نظام الوصاية على الجماهير ولا حاجة لإعادة المجرب، وبات مطروحا على جدول الأعمال توليد حراك شعبي يتنامى باضطراد، تشحنه بالطاقة الثورية حركةٌ ثوريةٌ تسترشد بنظرية ثورية . الضرورة تستدعي حزب التغيير مولد لطاقة شحن شعبية – دينامو- يستبدل الثقافة القولية بعناصر ثقافة عملية تنزل من القيادة السياسية الى الجماهير المتحركة بآمالها وطموحاتها، تتوالد بالتدريج مع تصاعد الحراك الشعبي واتساع مداه.في تلك الأثناء يفقد نسغ حياته ذلك التنظير المتخبط والاعتباطي المنتشرين بين فئات المتعلمين، ، حتى أولئك الحاصلون على الدرجات الجامعية ، يضبط القول او يقيّمه في الممارسة العملية ، وتنشأ علاقة تفاعلية
مرة ثانية تحت المجهر -هدر الثقافة …هدر الإنسان كورونا ذكر البشرية بقيمة الوعي العلمي -8
..ونصل المعْلم الثالث للثقافة الأبوية المستحدثة في تبعيتها للامبريالية، لكن في البداية نلقي الضوء على ما تنفر منه الثقافة الأبوية، ثم نقارب ما تهفو اليه من فكر مستورد . ترجمت الدكتورة سحر الهندي من خارج الثقافة الامبريالية كتابا نقض الرواية الصهيونية الامبريالية من أساسها وفضح مفهومي “وطن الآباء” و”أرض الميعاد” زيوفا استشراقية مهدت لتواطؤ الامبريالي الصهيوني مع الأبوية العربية على فلسطين وشعب فلسطين. صدرت ترجمة الكتاب الى العربية ضمن سلسلة ” عالم المعرفة” (عدد249 عام1999)، ولكن ضرب حوله سور النسيان ، أسوة بمؤلف شرابي “البنية الأبوية…”. أنه كتاب”اختلاق إسرائيل القديمة شطب التاريخ الفلسطيني”، يشع عنوانه بأضواء الحقيقة، وضعه عام 1996 الأكاديمي كيث وايتلام، عرض الكتاب منجزات الأبحاث الأثرية في فلسطين، نفت مزاعم قيام دولة يهودية بفلسطين في العصور القديمة. فعلى إثر اكتشافات الباحثة الأثرية كاثلين مينون في أريحا-حيث بينت بطلان الرواية التوراتية حول احتلال أريحا وإبادة سكانها وحرقها، والتي بني عليها بن غوريون حق تهجير الفلسطينيين ” بالإكراه الوحشي”، أي بالمجازر ، شرع آثاريون ملتزمون بالعلم ويعتكفون في محرابه، التنقيب عن الآثار بطريقة علمية. قدم كيث وايتلام عام 1996 عرضا لمنجزات الآثاريين في كتابه ، قيم عاليا إنجاز البروفيسور الفرنسي توماس تومسون أول من قدم رؤية متكاملة استحوذت على انتباه علماء الآثار؛ تميز بقدر من الشجاعة، فقد نتيجتها وظيفته الأكاديمية. نشر كتابه “التاريخ المبكر لشعب إسرائيل من المصادر الآركيولوجية المدونة) عام 1992 وفيه كشف تواطؤ علماء الآثار التوراتيين على التزييف. ظهر توماس تومسون في ميدان الآثار ليفسد الزفة المقامة بمناسبة توحيد القدس. عارض التوراتيين التقليديين، وأورد في كتابه ” إن مجموع التاريخ الغربي لإسرائيل والإسرائيليين يستند إلى قصص من العهد القديم تقوم على الخيال” . فُصِل هذا العالم المتميز من منصبه كأستاذ علم الآثار في جامعة ماركويث في ميلووكي. ولم يستطع نائب رئيس الجامعة إلا أن يشيد بالمكانة العلمية للبروفيسور، إذ برر قرار طرده، بأن “الجامعة تحصل على المساعدات المالية من الكنيسة الكاثوليكية”، و قال إنه ” من أبرز علماء الآثار وفي طليعة المختصين بالتاريخ القديم لمنطقة الشرق الأوسط” .كما أقر جوناثان تاب ، وهو يعد بين أعظم علماء تاريخ المنطقة العربية القديم في المتحف البريطاني ان “ثومسون دقيق جدا في بحثه العلمي الكبير وشجاع في التعبير عما كان كثير منا يفكر فيه حدسا منذ زمن طويل ، وكانوا قد فضلوا كتمانه”. البروفيسور كيث وايتلام، أستاذ الدراسات الدينية في جامعة “ستيرلينغ” في سكوتلاندا، كشف تلفيق تاريخ قديم مزعوم لإسرائيل، وسجل على الثقافة الأبوية المستحدثة التقصير في الاستفادة من بحوث ريادية ، مثل استشراق إدوارد سعيد والاهتمام بالتاريخ الفلسطيني القديم. فضح كيث وايتلام بجرأة كل زيوف الآثاريين التلموديين، مساعرضا تلك البحوث التي تمردت على حكايات التوراة منذ سبعينات القرن الماضي، وكشفت اختلالات التاريخ الفلسطيني وارتباكاتها، ليخلص الى أن ” من الواضح أن رؤيتنا للماضي هي شيء سياسي بالدرجة الأولى [ وايتلام : 36]. ادان وايتلام مرارا الزيوف المتعمدة المغرضة ، خدمة لأهداف كولنيالية . وبناء على تزييف التاريخ القديم جاء إعلان قيام دولة إسرائيل بصيغة “إعادة بناء الدولة اليهودية”. ترجع أصول علم الآثار الحديثة إلى فترة تدخل نابليون في مصر، وتواصلت مؤامرات دولية؛ من خلالها سخرت القوى الامبريالية “التاريخ التوراتي والكشف عن الكنوز الأثرية في المنطقة لمصالحها في صراعاتها للهيمنة وإضفاء الشرعية على طموحاتها الاستعمارية. استملاك الماضي هو جزء من سياسة الحاضر. ويمكن تطبيق هذا المبدأ على جميع دول المعمورة[ وايتلام : 39]. تجسيد الحكايات التوراتية تم على شكل تخمينات من نموذج ما طلع به أحد المؤرخين التوراتيين، ” لا يمكن للمرء إلا أن يعتقد أن قوما آخرين( غير الكنعانيين) هم الذين أقاموها ، قوما كان من المؤكد أنهم إسرائيليون ” [وايتلام : 163]. عمليا تماهى تصور إسرائيل القديمة مع الوقائع العيانية على ارض فلسطين في العقد الثالث من القرن الفائت ، حيث المجتمع الفلسطيني المكون من عشائر، لم يتوحد بعد في كيان متماسك فتصورت التخيلات التوراتية القبائل الكنعانية على هذه الشاكلة. وحيث أن المستوطنين القادمين من مجتمعات متقدمة وجدوا أنفسهم متفوقين على الفلاحين العرب آنذاك ، فلا بد للمتخيَل التوراتي إلا أن يضع الكنعانيين في موقع دوني. مضى اولبرايت، الآثاري التوراتي من المدرسة الآركيولوجية الأميركية شوطا بعيدا في مفارقة العقلانية والتفكير السليم؛ فقرر بناءً على قناعة لاهوتية بدون سند أثري، أن”المجتمع الغربي يعود إلى جذوره. ليس ذلك مصادفة عشوائية؛ لأن التاريخ يقع في مضمار الوحي الإلهي. التاريخ برمته ملك لعلم اللاهوت، وليس التاريخ الإسرائيلي فقط”. [ وايتلام : 126]. لتبرير جرائم إسرائيل المخطط لها زعم اولبرايت ان إسرائيل (القديمة المزعومة) كانت الواسطة الإلهية في تدمير حضارة فاسقة، إذ أنه ضمن النظام الأخلاقي للحضارات السماوية يجب تدمير مثل هذا الفجور الفظيع. ومن ناحية أخرى فإن هناك عناية إلهية من وراء اختيار إسرائيل للقيام بهذه المهمة وبإعطائها تلك الأرض. [ وايتلام : 139]. يمعن في تبرير العنف المعد لطرد الشعب الفلسطيني من دياره : لا يمكننا الارتقاء روحيا إلا من خلال الكوارث والمعاناة ، بعد التخلص من العقد النفسية ، وذلك عن طريق التطهر. وهذا التنفيس والتطهر العميق هما اللذان يرافقان التحولات الرئيسة. كل فترات المعاناة الذهنية والمادية هذه ، والتي يتم فيها إعادة القضاء على القديم قبل ولادة الجديد تثمر نماذج اجتماعية مختلفة عقيدة روحانية أعمق [ وايتلام : 131]. وتأييدا لمزاعمه، تباهى بماثرة إبادة السكان الأصليين في أميركا. ربط وايتلام طروحات أولبرايت بوثاق الفكر الاستشراقي السائد حينئذ: ” لا يمكن اعتبار هذه الأفكار نتيجة لأفكار شخص ما في فترة زمنية معينة . دراسته وكتاباته شكلت ولا تزال تشكل إدراك أجيال من دارسي التوراة والباحثين في هذا المجال ، خاصة الأميركيين والبريطانيين منهم”. ونفس الوثاق رصدها البروفيسور شلومو ساند، أستاذ التاريخ القديم بجامعة تل أبيب، “مركزية الخرافة التاريخية التوراتية كامنة في الهندسة الإيديولوجية الصهيونية، وفي اللاهوت المتمسك بصنمية النصوص، وكذلك في اعتبارات الاستراتيجية الامبريالية، وفي التعبئة الإيديولوجية المكثفة لأجيال من المسيحيين المخدوعين بسياسات الامبريالية والمتحمسين لحروبها العدوانية”. لدى استعراض كم كبير من معطيات قدمها من سبقوه أو جايلوه ، أكد وايتلام ” إذا تمكنا من تغيير المنظور الذي تنبع منه التصورات لنبين أن خطاب الدراسات التوراتية قد اختلق تاريخا كثيرا ما يعكس حاضرها في كثير من جوانبه ، عندئذ فقط يمكن أن نحرر التاريخ الفلسطيني[وايتلام : 321]. لم تدخل معطيات كتاب وايتلام، ومن ثم إنجازات التنقيب الأثري في فلسطين الثقافة الأبوية، ولم تفطن لها قوى التغيير؛ فبقيت مجهولة حتى الزمن الراهن. ظهر الكتاب عام 1996، وهو نفس العام الذي تلقى فيه نتنياهو تقرير المحافظين الجدد المتضمن توصية بعدم الانسحاب من الضفة الغربية. مضى مخطط المحافظين الجدد في التنفيذ العملي حتى بات واقعا على الأرض، مستعمرات يهودية تحاصر التجمعات العربية، بينما
تحت مجهر العلم هدر الإنسان ..هدر الثقافة كورونا ذكر بأهمية الوعي العلمي -7
بؤس الواقع العربي من جميع جوانبه، المتجسد في أعطاب التخلف وفشل محاولات التغيير وانتكاسات الحركات الوطنية وأزمة المقاومة الفلسطينية، كل ذلك وغيره من العلل الاجتماعية حصيلة النظام الأبوي المستحدث.المجتمعات العربية كافة موبوءة باللاعقلانية وكسيحة بالعجز. يدعي البعض ان كل شيء في الوطن العربي معطوب ولم يتبق سوى الثقافة متراس أخير. والحقيقة ” ان مأزق البرجوزايات العربية أنها تبنت ثقافة هجينة قامت على الاحتفاظ بتبعيتها للامبريالية الثقافية من جهة، والكثير من سمات الثقافة التقليدية السلفية السابقة على الرأسمالية من جهة ثانية، واستيراد بعض مظاهر العلوم والتكنولوجيا من الغرب الرأسمالي واستيرادا تبعيا دون محاولة نقدية إبداعية من جهة ثالثة”[1/.74] . ولمكافحةهذه الثقافة من الملح نشر ثقافة التحرر الإنساني، تتغذى بثمار بحث العقل في الواقع الاجتماعي، وتستأصل الأبوية وثقافتها.ثقافة تحرر الوعي الاجتماعي من الشعوذة والخرافة والجهل بالوقع المُعاش. يختصر مفهوم الثقافة بانها “ما نعيش به وما نعيش من أجله”، توصيف مختصر لكن مدلوله واسع سعة المحيط بلا ضفاف.إنكار هيمنة الثقافة المتخلفة او التستر عليها يديمها في الحياة الاجتماعية لصالح السيطرة الامبريالية الصهيونية. فهذا التحالف يزعم ان التخلف العربي سمة عرقية ويسقط من اعتباره الجوهر الاجتماعي التاريخي للظواهر الاجتماعية. الثقافة المتخلفة تحتضن التفكير المتخلف. هناك خاصيتان منهجيتان للتفكير المتخلف : اضطراب منهجية التفكير، باختصار مراحله في محاولات حل المعضلات او تنفيذ المهمات سعيا وراء النجاح السريع والسهل؛ ثم قصور الفكر الجدلي ” يخلق حالة من التصلب الذهني تجعل الإنسان المتخلف يفتقر الى المرونة، والى القدرة على بحث الأمور من جوانب متعددة ومنظورات ومستويات شمولية. كما أنها تعطل القدرة على استخدام وسائل مختلفة في حل تناقضات مختلفة ، فتظل أسيرة الجمود في النظرة والمواقف والحلول المطروحة [2/69) . وحيث تكره الطبيعة الفراغ يظل الطابع السائد في المجتمع المتخلف لمواجهة الأمور هو طابع تدبير الحال، والانفعالية والفهلوة واختصار المراحل. “من السمات البارزة للعقلية المتخلفة أيضا انعدام الدقة والضبط في التصدي للواقع وفي تقدير الأمور والاستهتار”[2/64].الواقع العربي المأزوم يفشي سر ثقافة مأزومة، هي الثقافة الأبوية المستحدثة، او ما يعرف بالثقافة القومية، قوامها الزيف. أبرز مظاهر الزيف في الثقافة القومية امتهانها لقضية الوحدة العربية، أو على الأقل لإقامة تضامن حقيقي بين أطرافه؛ الثقافة القومية تحصر الانتماء للقطر ،” يتوجب النظر الى الأبوية والامبريالية على أنهما موضوعيا حليفان متآزران يعيقان تقدم أي تغيير اجتماعي وسياسي طبيعي . الوحدة والاشتراكية عدوان لدودان للأبوية والامبريالية. أثر التشويه الذي أحدثته الامبريالية كان أكثر وضوحا في المجال الثقافي ، من الوجهة الاجتماعية – السياسية كان لاستعمار الوعي ( وكذلك اللاوعي) نفوذ أوسع من الاحتلال العسكري والهيمنة السياسية في دفع عملية تطور بنية الابوية المستحدثة. الثقافة الأبوية المحدثة فقدت توازنها وانسجامها ، واتصفت بالتملق في العلم والدين والسياسة؛ إضافة الى عجزها السياسي وتلكؤها الثقافي وابتعادها عن الحداثة الأصيلة ، أي فقدانها تحرير الذات”[1/35]. دعوة الوحدة القومية ومراعاة البعد القومي في الطروحات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية هي من مبادئ الثقافة الوطنية المتشكلة في الكفاح ضد الاستعمار المباشر. حققت الأبوية نصرا حاسما على القومية العلمانية . لم يؤدي الاستقلال الى وحدة قومية بل الى كيانات أبوية مستحدثة هزيلة لا تملك واحدتها مؤهلات البقاء والتطور، لم تصمد الأبوية فحسب في خمسينات وستينات القرن الماضي ، بل نجحت في إرساء نفسها عراب النظام القطري ومباركة سادته.المعْلَم الأبرز في ثقافة الامبريالية هو عنصريتها ، تنظر الى التخلف العربي(وجميع الشعوب الملونة) سمة عرقية متغلغلة في الجينات، وهي التي دعمته وامدته بنسغ البقاء، باعتبار عناصره عوامل ذاتية استقرت في الوعي الاجتماعي بتأثير القهر السلطوي، جعلته يستكين للقهر الأجنبي. مثلا، الأبوية مشتقة من سيطرة الأب في الخلية الاجتماعية الصغرى، وهي الأسرة. هو الحاكم بأمره وهو الوحيد المقدر العارف مصلحة الأبناء. والكثير من العقد النفسية لدى الكبار تعتبر ألغازا مجهولة الأسباب ، منشأها تعسف الأب. قارب هشام شرابي في مؤلفه “مقدمات لدراسة المجتمع العربي” ،الصادر عام 1973، من منطلق نفسي فلسفي عددا من خطايا تربية الطفل في البيت وفي المدرسة تنمي فيالأجيال الخصال السلبية. والحقيقة ان معظم الكتاب مكرس للتحذير من اضطهاد الطفولة والباقي يوضح مآخذ اضطهاد المرأة، ويشترط التحرر الاجتماعي بتحرير الطفل وتحرير المرأة . العقاب الجسدي والاستهزاء والتخجيل أساليب دارجة مع الأطفال.. حيث يعتقد الوالدان والمدرسين أنها لمصلحة الطفل. وهي أساليب ووسائل في التعامل مع الطفل تربي لديه الاتكالية والعجز والتهرب.يغلب ان يحبذ الوالدان الطفل المطيع “العاقل”، فينمو الطفل وتنمو معه عادة الإذعان للسلطة أو لمن هم اعلى مقاما ونفوذا؛ وأسوأ ما يواجهه الطفل هو الصفع على الوجه ، فذلك علاوة على الألم تعويد على الإذلال؛ يتربى الطفل على التكتم وازدواجية السلوك، فالعيب هو ما يراه الناس، بمعنى أن لا عيب في ما لا يراه الناس؛ والاستهزاء بالطفل دون دفاع عن نفسه يزرع في نفسه عدم المسئولية عن الأفعال. والتلقين كأسلوب تعليمي يعزز نزعة الامتثال وتضعف طاقة الإبداع والتجديد؛ كما أن حب المعاشرة ومسايرة الناس “تأدبا” قد تولد لدى الطفل التهرب من المجابهة والنقد وتنمي عادة النميمة، وقد تتطور الأمور الى عراك؛ والعبارة الدارجة في لغة المحادثة ‘انا ما بخصني , او “انا ما دخلني’ تختصر في الواقع موقف التهرب من المسئولية. تجد الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة بالنقد والتهجم الكلاميين، بينما الالتزام بالمجتمع هو في حده الأدنى؛ في نظر الباحث “التعليم الأولي ، أي الابتدائي يترك أعظم من التعليم الثانوي واللاحق على مستقبل الطفل؛ بينما معظم الآباء لا يهتمون بتعليم الابن إلا في المرحلة الجامعيةتلك القيم السلبية تنغرس في الطفل نتيجة لمعاملة الأم؛ فالأب لا يعني نفسه بشئون بيته الداخلية، ولا يتصرف إلا لإنوال العقوية بالطفل أو لإكراهه على ما لا يريد. وكثير من الأطفال تبدو في الصغر عليهم امارات الذكاء ينطفئون نتيجة التعرض للإكراه او العنف. والأم تتصرف مع الأبناء انطلاقا من القهر الممارس ضدها ؛ ولذلك يخلص شرابي الى أن تحرير المرأة شرط أساس لتحرير المجتمع.يجمل الباحث الاجتماعي النتيجة العامة للتربية في العالم العربي: ان “المجتمع يقضي أن تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام وروح المكر محل روح الشجاعة وروح التراجع محل روح المبادرة,”وفي تحليل أجراه عالم النفس اللبناني ، علي زيعور، توصل الى ان العائلة الأبوية في المجتمع العربي شديدة الوطأة والوسائل التربوية لا تعد الطفل لأن يناقش ويقارع، بقدر ما تنمي فيه الالتواء والازدواجية والاعتماد على الكبير. الأب أداة قمع أساسية قوته ونفوذه يقومان على العقاب. الحالة الأبوية هي في الحقيقة ناحية بنيوية في المجتمع القائم.أما جان بياجيه ، عالم نفس سويسري فيسمي الانصياع القائم على الاحترام الذي يجمع بين العاطفة والخوف احتراما أحاديا، إذ أنه “علاقة بين قاصر وولي امره؛ اما الاحترام المتبادل فيولد في الطفل أخلاقية حرية ومساواة وعدالة. الاحترام المتبادل يغلّب العدالة على الطاعة (سن ثماني سنوات) باعتبار العدالة قاعدة سلوك اجتماعية.الاستقلال الذاتي