تتفرد الانتخابات للمجلس النيابي التاسع عشر عن سواها من الانتخابات التي جرت للمجالس النيابية السابقة بتعقيدات تفرضها جائحة كورونا تضفي على المشهد الانتخابي أجواء غير مألوفة لا أحد يملك على وجه اليقين تقديراً حقيقياً لمدى التأثير الذي ستتركه على سير العملية الانتخابية، وخاصة على تمكين المرشحين الجادين، وبصفة خاصة مرشحي الأحزاب السياسية من التواصل مع ناخبيهم، ومن عرض برامجهم الانتخابية على أوسع قاعدة شعبية مع مراعاة البروتوكولات الصحية، ومنها التباعد الجسدي ومحدودية العدد الذي يسمح بتواجده في اللقاءات الانتخابية.وحتى لو تمكنت الأحزاب من إعداد تطبيقات على مواقع التواصل الاجتماعي لعرض برامجها الانتخابية، فان هذ التطبيقات لن تغني عن التواصل والحوار المباشرين مع الناخبين، وخاصة أن هناك قطاعاً من هؤلاء الناخبين لا يتعاطى مع مواقع التواصل الاجتماعي وليس لديه أدنى فكرة عن كيفية استخدامها والتعامل معها.كما أن أحداً لا يستطيع التكهن منذ الآن الى أي مدى ستكون الإجراءات التي سيتم العمل بها في يوم الاقتراع سلسة، ولا يحتاج الناخب الى الانتظار فترة طويلة للإدلاء بصوته. وإذا ما تبين ان الإجراءات معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً، فان هذا الوضع سيؤدي الى عزوف المترددين أصلاً عن التوجه الى مراكز الاقتراع، وسيضعف من حجم المشاركة في عملية الاقتراع.هذه المخاوف تثار ليس من قبيل التشكيك في دقة ومصداقية الاستعدادات التي تتحدث عنها الهيئة المستقلة للانتخابات، بل انطلاقاً من غياب سابقة، تم خلالها امتحان مدى نجاعة الإجراءات التي سيتم تطبيقها، ومن الخشية في أن الإصرار على اجراء الانتخابات، رغم الظروف الوبائية، يدفع الهيئة المستقلة للمبالغة في قدراتها على تطبيق السيناريوهات الموضوعة، والتي قد لا تلحظ تطور الحالة الوبائية، ومدى ما ستتركه من تأثيرات سلبية على النفسية الاجتماعية وعلى استعدادات الناس لحضور اللقاءات الانتخابية ولممارسة حقهم وواجبهم في الاقتراع بعد الاطلاع على برامج المرشحين، لا سيما مرشحي الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية المستقلة، الذين يخوضون الانتخابات انطلاقاً من خلفية سياسية بعيدة عن أي اعتبارات عشائرية أو فئوية أو جهوية. وبالتالي فان رهان هؤلاء المرشحين هو على استنهاض حالة شعبية تدعم البرنامج الذي يخوضون الانتخابات على أساسه، والذي سيتم الالتزام به في حال فوزهم ووصولهم الى البرلمان بفضل الدعم الواسع من مختلف الفئات الاجتماعية الشعبية التي تراجعت ثقتها في قدرة المجلس النيابي على تجسيد مصالحها والدفاع عن حقوقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.ندرك أن الطريق المفضي لاستنهاض حالة شعبية قادرة على إيصال مرشحين ملتزمين جدياً بمصالح شعبنا الأردني، لا سيما طبقاته وشرائحه وفئاته الاجتماعية الكادحة والفقيرة والمهمشة، لا زال غير معبد وتعترضه العديد من العوائق التي يحتاج اجتيازها لجهود جماعية كبيرة قد لا تمتلكها الأحزاب اليسارية والقومية التي أعلنت مجتمعة عن نيتها في خوض الانتخابات.وهذه العوائق لا تتعلق فقط بقانون الانتخابات ولا بالأجواء السياسية غير المواتية المتولدة عن نهج السلطة واجراءاتها، وخاصة مواصلة سياسة التضييق على الحريات الديمقراطية والعامة، والتوسع في تطبيق أوامر الدفاع وفي استخدام قانون الجرائم الالكترونية لخنق حرية التعبير عن الرأي، وتعطيل حق أساسي للناس في انتقاد السياسات العامة بقصد الكشف عن مواطن القصور والاخطاء ومطالبة المسؤولين وحثهم على تصويبها، بل تتعلق هذه العوائق أيضاً، وبالإضافة الى ما ذكر، بقيام قوى وشخصيات سياسية ومثقفين ينتمون الى التيار اليساري – القومي العريض بشن حملة إعلامية لمقاطعة الانتخابات وتوجيه اتهامات ظالمة للأحزاب اليسارية والقومية من دون الأخذ بالاعتبار أن هذه الحملة لا تخدم سوى القوى والدوائر التي تعمل على اقصاء أحزاب وقوى وشخصيات المعارضة الوطنية عن البرلمان، وتسّهل على مرشحيها – هذه القوى والدوائر – خوض الانتخابات دون منافسة حقيقية وجدية، مع مرشحين ملتزمين بالبرنامج البديل.ويغيب عن بال الداعين للمقاطعة أن عزوفهم عن المشاركة في الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً والاكتفاء بالمتابعة والمراقبة وبالنأي عن المشاركة الفاعلة والمؤثرة في ظل غياب آلية كفاحية بديلة عن خوض النضال لتعميق الوعي بالبرنامج البديل، وزيادة الالتفاف الشعبي حوله، والعمل بصيغة عملية على تعديل موازين القوى بين التحالف الطبقي الحاكم والتحالف الشعبي قيد التشكيل، مثل هذا الموقف لا يعدو كونه ضرباً من ضروب العدمية السياسية التي لم تكن يوماً واردة في قاموس التيارات اليسارية المنخرطة قولاً وفعلاً في عملية التغيير الجذري والشامل.لقد شارك حزبنا الشيوعي في انتخابات جرت في مطلع الخمسينات في ظروف سياسية أكثر قساوة، وخاضها رغم كل التوقعات بأن الحكومة ستلجأ الى التزوير. وعندما زُورت الانتخابات لم يتوان عن النزول الى الشارع وفضح عملية التزوير والدعوة الى حل البرلمان المزور والمطالبة بانتخابات جديدة…ونجح.ليس لدينا أي مبالغة في تقدير امكاناتنا وقدراتنا. وفي تقديرنا أنه حتى لو تم تحقيق أوسع التفات سياسي حول مرشحي الأحزاب والقوى والشخصيات اليسارية والقومية، فانها بالكاد تستطيع استنهاض قطاع من الجماهير الشعبية التي تعاني اقسام ليست قليلة منها الإحباط واليأس من إمكانية التغيير عبر الانتخابات، وتزعزت قناعتها بالديمقراطية وباتت أكثر ميلاً لتقبل الشعارات الشعبوية.فما بالك إذا انحازت شريحة من المثقفين والسياسيين اليساريين والقوميين الى فئة الداعين والمروجين والمسوقين لمقاطعة الانتخابات. والأخطر من كل ذلك، أنه في حين تستطيع القوى القريبة من السلطة، والتيار الإسلامي والقوى العشائرية والفئوية والجهوية من حشد جل قواها وامكاناتها ورجالاتها خلف مرشحيها، وايصالهم الى البرلمان بشتى الطرق، يبدو التيار اليساري – القومي منقسماً على ذاته، غارقاً في خلافاته، وسجالاته، بما يسهل مهمة خصومه في اقصاء قاعدة شعبية عن المشاركة في الانتخابات. وبعد صدور النتائج يشرع هؤلاء الخصوم في توجيه الاتهامات للتيار اليساري القومي ومرشحيه بالعجز وغياب التأييد الشعبي، دون أن يلتفت أحد منهم أو يأخذ بالحسبان الدور الذي اضطلع به اهل اليسار أنفسهم في بلوغ هذه النتيجة التي تعكس بصورة مضللة مدى شعبية اليسار والتفاف الناس حول برامجه وشعاراته ومواقفه.لا زال هناك وقت، لأن يعيد المقاطعون من أهل اليسار النظر في موقفهم من الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، وان يسارعوا الى التلاقي والحوار مع رفاقهم المشاركين في الانتخابات للتباحث في تشكيل قوائم “اليسارية – القومية” وفي صياغة برنامجها الانتخابي، والاعداد جيداً لحملة الدعاية الانتخابية عبر التواصل المباشر مع الجماهير او عبر مواقع التواصل الاجتماعي، علنا ننجح سوّية في احداث ثغرة في جدار الصد الذي تقف خلفه قوى محافظة متنفذة في الدولة والمجتمع.
انتخابات في زمن الكورونا
لا تترك الهيئة المستقلة للانتخابات ومن يقف الى جانبها وخلفها فرصة الاّ وتؤكد أن انتخابات المجلس النيابي التاسع عشر ستجري في موعدها. وفي ظنها أن ما من شيء سيؤثر على تنفيذ هذا الاستحقاق الدستوري الهام في موعده. وهي على ثقة أيضاً، أنها قد تحوطت لكل الاحتمالات ولم تترك شاردة ولا واردة الاّ وحسبت حسابها.ومع ذلك لتسمح لنا الهيئة الموقرة بإبداء بعض الملاحظات الأساسية والتي لا يجوز التغافل عنها أو الاستخفاف بها. فمن الواضح أن المنحنى الوبائي آخذ في التصاعد حتى في ظل درجات الحرارة المرتفعة بشكل غير مسبوق.وتؤكد تنبؤات الاخصائيين أن الفترة القادمة ستشهد انتشاراً غير مسبوق للوباء، وهو ما يتطلب تشديد الإجراءات الوقائية والتشدد في تطبيق البروتوكولات الصحية التي تتضمن منع شتى أشكال التجمعات التي تزيد عن عشرين شخصاً. وإزاء هذا الوضع يستحيل تنفيذ حملات دعاية انتخابية، والتواصل مباشرة مع جمهور الناخبين، وشرح مضامين البرامج الانتخابية وحث الناس على ممارسة حقهم بالاقتراع على أساس هذه البرامج، وليس على أساس إنعاش أشكال العصبية العشائرية أو الجهوية أو المناطقية.وهذا الواقع يعوق الأحزاب ومن يخوض الانتخابات على أساس سياسي وبرامجي من تسييس العملية الانتخابية، الأمر الذي يعبد الطريق أمام وصول مرشحين رصيدهم الأساس يتشكل على قاعدة الاهتمام بتحسين مستوى الخدمات في مناطق سكناهم، وستنتعش فرص استخدام المال السياسي ونشاط السماسرة وما يسمى بمرشحي “الحشوات”. وهكذا سيشكل مجلس نيابي لا يختلف عن المجلس القائم / المنحل. وستعود من جديد بواعث الشكوى من “نواب الخدمات” ومن أدائهم الذي لا يكترث بماهية السياسات العامة المطبقة بقدر ما يهتم بالمطالب ذات الطابع المحلي والمناطقي الضيق.كما إن التفشي المحتمل للوباء يجعل الاهتمامات الأساسية للمواطنين منصبة على مكافحة الوباء، وتأمين سبل الوقاية منه، أكثر من أي أمر آخر.ومن ناحية أخرى وفي ذات السياق لا زالت أجواء الاحتقان السياسي هي المخيّمة، ولم تتخذ الحكومة لغاية الآن أي خطوة جدية لتبديد هذه الأجواء، واحداث الانعطافة المطلوبة باتجاه مناخات إيجابية تحفز المواطنين على الاهتمام بالعملية الانتخابية والمشاركة بجدية في مناقشة برامج وتوجهات مرشحي الأحزاب والقوى والشخصيات التي لها رؤية ومواقف مغايرة لما هو مطروح ومطبق من قبل السلطة.وأمام هذا الواقع الشائك وغير المواتي، ومن موقع المشاركة وليس البحث عن ذرائع للمقاطعة، يدعو حزبنا الشيوعي الهيئة المستقلة للانتخابات أن تتدارس مع المعنيين جميع هذه الظروف السياسية والوبائية والصحية واتخاذ قرار لا يستبعد تأجيل الانتخابات بضعة أشهر، علّ الظروف والأجواء المحيطة بالانتخابات تغدو أكثر ملاءمة لإجرائها، ويتم خلالها تعديل قانون الانتخابات، هذا المطلب الذي ما زال مطروحاً بقوة في صدارة جدول اعمال العديد من الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية، ومنها حزبنا.
الجماهير عدد 561
العدد الجديد من جريدة الجماهير اضغط للقراءة
تجاهلت اقتراحاتهم حول قانون الانتخاب الحكومة تفرض معايير عرفية لدعم الأحزاب مالياً
ليس بغريب أن تفتح الحكومة وأية حكومة في بلادنا باباً للحوار حول قضية ما، وهذا ما قامت به في حواراتها مع الأحزاب السياسية حول نظام الدعم المالي للأحزاب. وسمعت الحكومة العديد من الملاحظات على هذا المشروع قبل اقراره وطرحت الأحزاب البدائل للعديد من بنوده. وسمعنا كلاماً منطقياً من ديوان التشريع الذي أكد لنا موقفه الرافض للعديد من بنود هذا المشروع.ولكن على طريقة أنتم تقولون ما تريدون ونحن نفعل ما نريد، وهذا ما حدث فعلاً حين ضربت الحكومة بعرض الحائط كل الملاحظات والمقترحات من قبل الأحزاب السياسية في البلاد. وكان الأجدر بالحكومة أن تسمي هذا النظام بنظام تشجيع المشاركة بالانتخابات النيابية والبلدية واللامركزية لأنه ربط اكثر من 85% من مواد النظام بالمشاركة الانتخابية، مع العلم بأن هذا الربط غير دستوري وتعدٍ على حرية الحزب السياسي في اتخاذ قراره السياسي السيادي بالمشاركة او عدمها، حيث ان هذا الامر في القرار الحزبي مرتبط بالأوضاع السياسية آنذاك وعلى ضوئها يأخذ الحزب قرار المشاركة أو المقاطعة وكلاهما موقف سياسي يجب أن يحترم.ومما زاد الطيب بلة، أن معالي وزير الشؤون السياسية والبرلمانية أكد أكثر من مرة وبأكثر من مناسبة بأن قانون الانتخاب الحالي لا مساس فيه وباقٍ كما هو، علماً بأن أحزابنا لديها العديد من الملاحظات وطالما طالبت بقانون انتخابي ديمقراطي يعتمد النسبية والقوائم المغلقة على مستوى الوطن.وبالتالي فان رؤية الحكومة في إقرار هذا النظام كما هو لن يؤدي الى دفع الأحزاب السياسية للمشاركة بالانتخابات البرلمانية وغيرها، بل على العكس سيزيد الإصرار على عدم المشاركة على اعتبارها قراراً سياسياً مفروضاً عليها، خاصة وأن أهم القوانين الناظمة للحياة السياسية وهو قانون الانتخاب لم يجر إعادة النظر فيه كمطلب جماهيري وشعبي ولعل العديد من الأبحاث وما قامت به مراكز الدراسات أكد على ضرورة هذا المطلب. وفي حال ما شاركت الأحزاب او بعضها في الانتخابات ووصلت الى قمة البرلمان! فان أولى المهمات المطروحة أمامها هو إعادة النظر بجدية بالقوانين الناظمة للحياة السياسية وفي مقدمتها قانون الانتخاب وكذلك النظام المالي لدعم الأحزاب.النظام المالي الذي أصرت الحكومة على إقراره دون الأخذ بأي من المقترحات التي تقدمت بها الأحزاب السياسية، ومنها حزبنا الذي تقدم لوزارة الشؤون السياسية والبرلمانية بورقة مفصلة حول احتياجات الأحزاب التي لا غنى عنها وضمن الحدود الدنيا، لم يراع الواقع المعاش الذي تمارس في ظِله الأحزاب السياسية نشاطها، واستندت فلسفته الى معطيات وتصورات تم استيرادها، كسائر السلع الاستهلاكية من الخارج، قد تصح في بلدان المنشأ التي ترسخت فيها تقاليد برلمانية وحزبية على امتداد عشرات السنين، وامتحنت تجربة ربط الدعم المالي للأحزاب السياسية بمشاركتها في الانتخابات على مرات عديدة بحيث جرى تأمين وإنضاج ظروف سياسية مواتية وبنية تشريعية مناسبة وبيئة حاضنة للأحزاب تمكنها من التوسّع واكتساح مواقع النفوذ والتأييد الشعبي قبل التفكير في تخصيص دعم مالي يُمكن الأحزاب من تغطية مصاريف الحملات الانتخابية.ولا شك أن إقرار هذا النظام وبدء العمل به اعتباراً من 1/7/2020يعتبر ضربة موجعة للحياة الحزبية في البلاد فهو يهدف الى تقويض الحياة الحزبية ودفع الأحزاب الى تقليص نشاطاتها الوطنية والمطلبية والسياسية التي ترتكز على محاور عدة لا شك ان الانتخابات أحدها، وليس جلها.إن الأحزاب بمختلف أطيافها السياسية معنية بالوقوف بجدية أمام هذا النظام الذي هو بحق نظام تقويض للحياة الحزبية ودفن لها.
الماركسية, الكينزية, و أزمة الرأسمالية في ظل وباء #كورونا
ادم بوث – موقع النداء الاشتراكيترجمة عمر الزعبيأشعل وباء الكورونا شرارة ما يبدو على انه اعمق ازمة بتاريخ الرأسمالية. تظهر المقارنات مع كساد الثلاثينات العظيم في كل مكان, بينما ينهار الاقتصاد العالمي و تقفز البطالة في كافة الدول. في المملكة المتحدة, من المتوقع ان يهبط الناتج القومي المحلي ب 15% على الاقل في الربع القادم. في الولايات المتحدة, تتوقع شركة مورغان ستانلي هبوطا سنويا بمقدار 30% حيث فقد 10 ملايين تقريبا وظائفهم حتى الان ( تحديث: وصل الرقم الى 17 مليون). في المملكة المتحدة, قدم مليون شخص (تحديث: وصل الرقم الى 2 مليون) على المعونة الاجتماعية خلال بضعة اسابيع.الاوقات اليائسة تدعو الى تدابير يائسة. ترمي الطبقات الحاكمة كل ما لديها في هذا الظرف, لكن المشكلة ان ترسانتهم خاوية جراء محاولاتهم محاربة الانكماش الاخير. وصلت السياسة النقدية لأقصى حدودها بالمعدلات الصفرية للفائدة, حيث ادت سنوات التسهيلات الكمية لانعدام الفوائد, بينما وصلت ديون الدول لارقام مهولة نتيجة انقاذها للبنوك خلال الازمة المالية الاخيرة. بالمختصر, نفذوا من الذخيرة لمحاربة الازمة الحالية.بالنتيجة, لم يعد للحكومات حول العالم خيار سوى ضخ النقد في الاقتصاد في محاولة لدعم المنظومة المالية. وعدت الدول الرأسمالية المتقدمة وحدها بترليونات الدولارات, منها حوالي 2 ترليون كسياسات بنوك مركزية و و حوالي 4 ترليون كانفاق للدولة. من المرجح ان هذه المبالغ تشكل فقط قمة جبل الجليد من حيث المساعدات المطلوبة لتجنب انهيار تام للاسواق في الاسابيع و الاشهر القادمة.الكل اصبح اشتراكيا الان ؟لا يصدق المراقبون اعينهم. في بريطانيا,انعطفت حكومة المحافظين (صاحبة الحرية الاقتصادية) فجأة باتجاه تدخل غير مسبوق للدولة في الاقتصاد, بوعود ب 330 بليون جنيه استرليني (15% من الناتج القومي المحلي) لمساعدة المصالح الصغيرة و اصحاب البيوت, بالاضافة لدعم مفتوح لتغطية اجور العمال. في الولايات المتحدة, يبدوا انه تم اقناع دونالد ترمب بان “يُسقِطَ بالباراشوت” النقود على بيوت الامريكيين, حيث من المفترض اني يحصل كل مواطن على شيك بقيمة الف دولار في البريد.في وقت ازمة مشابه في بداية السبعينات, قال الرئيس الامريكي الجمهوري ريتشارد نيكسون مقولته ” كلنا كينزيون الان” بينما توسعت ادارته باتجاه السياسات الاقتصادية التوسعية. بشكل مشابه, يبدو انه “كلنا اشتراكيون الان” هي الغالبة اليوم, بينما ترمي حكومات المصالح منهجها في الاقتصاد الحر من الشباك في محاولة لانقاذ الاقتصاد.” على بوريس يعتنق الاشتراكية الان لانقاذ السوق الليبرالي الحر” علق احدهم في صحيفة التيليغراف الناطقة باسم المحافظين, بينما اوضح اخر بان ازمة فيروس كورونا ” تحول المحافظين الى اشتراكيين”.يعتقد اليساريون اللذين امضوا حياتهم يناضلون ضد التقشف و يطالبون بحد ادنى للمعيشة بان وقتهم قد حان. اعلن زعيم حزب العمال الاخير جيريمي كوربين ان اجراءات المحافظين الطارئة ما هي الا نسخة عن برنامجه الاقتصادي. يا للعجب, ظهرت “شجرة النقود السحرية” اللتي كانوا يدعون انها غير موجودة ! ايضا, يشعر انصار السياسات الكينزية ( انفاق الدولة, التحفيز الحكومي, الادارة الاقتصادية من الاعلى الى الاسفل ) بانه تم اثبات افكارهم اخيرا. يبدو ان الاحداث الاخيرة توفر جوا مثاليا لدحض انتقادات اليمينيين اللذين يتساألون عن كيفية تمويل السياسات الراديكالية:تريد صحة و تعليم مجاني؟ لا مشكلة, سنطبع النقوداستثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة؟ لا تقلق, سنفتح حنفية الحكومةاعطي الجميع دخلا اساسيا مضمونا؟ بسيطة, اضفه على الفاتورةالمشكلة ان هذه الفواتير يتوجب دفعها بالنهاية لكن السؤال يبقى: من سيدفعها؟ما هي الكينزية؟في الحقيقة ان تسمية النظرية النقدية الحديثة مضللة, ففي الحقيقة هي ليست نظرية و لا هي حديثة. هي في الواقع اعادة صياغة افكار “جون ماينارد كينز” اللذي امن بان الحكومات تستطيع ادارة و تنظيم النظام الرأسمالي عن طريق “تحفيز “الطلب. كينز اقتصادي انجليزي اكتسب اهمية بسبب كتاباته في المرحلة المضطربة بين الحربين العالميتين.و على الرغم من اعتناق بعض منظمات العمال و اليساريين لافكاره الا انه كان ليبراليا معاديا للاشتراكية والبلشفية و الثورة الروسية, معلنا بفخر: ” ستجدونني الى جانب البرجوازية المتعلمة في الصراع بين الطبقات”. بالتأكيد, لم تكن افكاره لمساعدة الطبقة العاملة, بل كانت محاولة لتقديم استراتيجية للحكومات الرأسمالية عن كيفية الخروج من الأزمات. كان اشهراعماله ” النظرية العامة ” بالتحديد ردا مباشرا على الكساد العظيم و البطالة الضخمة في الولايات المتحدة و بريطانيا و اوروبا في حينه, بينما لم يكن معجبا بالاشتراكية, كان كينز منتقدا لما يدعى بال ” اقتصاد الحر” . ادرك – كما فعل ماركس قبله بعقود – بان ” اليد الخفية” للسوق لم تكن مسيطرة, و أن العرض والطلب لن يتوازنوا بتناغم مثالي. بدلا من ذلك, وجدت الرأسمالية نفسها كل فترة ( مثل الثلاثينيات ) عالقة في دائرة مريرة: ارتفاع في البطالة يؤدي الى انخفاض الطلب, انخفاض في الطلب يؤدي الى انهيار في الاستثمارات التجارية, انهيار الاستثمار يؤدي الى ارتفاع البطالة, و هكذا دواليك.اكد كينز ان الحل هو ان تتدخل الدولة لتغطية انخفاض الطلب. بكلمات اخرى, على الدولة ان تنفق حينما يتخلف القطاع الخاص عن ذلك, لتضمن ان يتوفر للعمال نقود في جيوبهم لينفقوا. لم يكن حريصا على ان يأكل العمال بقدر ما كان حريصا على ان يشتروا و يستهلكوا لكي يوفروا السوق ( الطلب الفعال ) اللذي يحتاجه الرأسماليون ليبيعوا منتوجهم و يحققوا الارباح. بالمختصر, لم يكن برنامج كينز يهدف لتحسين معيشة الطبقة العاملة بل لانقاذ الرأسمالية من تناقضاتها. في نفس السياق نرى اليوم اصداء افكار كينز في السياسات اللتي يتم تطبيقها ردا على الازمة اللتي ولدها فيروس كورونا. ليس النظام الرأسمالي قلقا من موت الناس على المدى القصير بقدر ما هو قلق على الكساد اللذي سيأتي اذا لم يحصل العمال على الوظائف و الاموال ليتمكنوا من شراء البضائع اللتي ينتجها الرأسماليون في المستقبل.اذا لم يمكن انقاذ حياة الناس العاديين في الكساد العظيم ما يقلق الطبقة الحاكمة و معاونيها الاقتصاديين, بل حيوية النظام – نظام الربح.الصفقة الجديدةمن الجدير بالذكر أن أفكار كينز كانت مؤثرة بشكل واضح في تشكيل الصفقة الجديدة: برنامج الرئيس روزفلت للأشغال العامة التي كان يهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي الأمريكي خلال فترة الكساد الكبير. في نظريته العامة ، اقترح الاقتصادي الإنجليزي أن الحكومة يمكن أن تعزز الطلب من خلال دفن الأموال في الأرض و جعل العمال يحفرونها مرة أخرى. قال كينز: “لا حاجة لمزيد من البطالة”. وتابع: “سيكون من المنطقي بالفعل بناء منازل وما شابه ذلك، ولكن إذا كانت هناك صعوبات سياسية وعملية في طريق ذلك ، فإن ما سبق سيكون أفضل من لا شيء”. اليوم يتم طرح هذه الأفكار نفسها فيما يتعلق بمقترحات صفقة جديدة خضراء يروج لها بعض اليساريين في الولايات المتحدة و بريطانيا.المشكلة الوحيدة التي فشل دعاة الصفقة الجديدة في ذكرها هي أن الصفقة الأصلية لم تنجح. استمر الركود بعد فترة طويلة من تنفيذه (في الواقع ، أصبح أسوأ مع صعود الحماية الاقتصادية (الميركانتلية)) حتى