نددت الحركة التقدمية الكويتية بصمت الحكومة عن الانتخابات الفرعية القبلية، وتواطئها مع اعلان نتائجها، وأكدت الحركة التقدمية أن تلك الانتخابات الفرعية التمهيدية هي نتيجة أوضاع سياسية مختلة ناجمة عن نهج سلطوي متعمد ونظام انتخابي فاسد ومعبوث به، واعتبرته شرخاً يجعل الانتخابات العامة على مرحلتين.وأوضحت الحركة في بيان سياسي صدر عنها أن تعطيل السلطة التنفيذية لمشروع بناء الدولة الحديثة القائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص أدى الى بروز الهويات الصغرى (القبلية، والطائفية) على حساب الهوية الوطنية الشاملة، وقد ساهم تشجيع السلطة وحلفها الطبقي الرأسمالي للانقسامات والاستقطابات والنعرات الفئوية والمناطقية داخل المجتمع الكويتي في بث الصراعات الوهمية داخل المجتمع، بهدف طمس الانقسام الطبقي وتشتيت اهتمام المواطنين بعيداً عن الصراعات الحقيقية المتصلة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بين القلة التي تستأثر بمقدرات البلاد وخيراتها والغالبية الساحقة من الناس التي يلقى اليها بـ “فتات المائدة”.كما نددت الحركة في بيانها بالنظام الانتخابي “الفاسد والمعبوث به” منذ العام 1980 لنظام الدوائر الخمس والعشرين، ثم النظام الحالي للصوت الواحد المجزوء، الذي خلق ورسخ بيئة حاضنة للانتخابات الفرعية.ودعت الحركة الى إعادة الاعتبار مجدداً لمشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة والى المواطئة المتساوية القائمة على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص واحترام سيادة القانون، وأكدت أن لا بديل عن تحرر الجماهير من سطوة الأفكار المضللة حول جوهر الانقسامات وحقيقة الصراع داخل المجتمع.واختتمت الحركة التقدمية بيانها السياسي بإلقاء الضوء على ضرورة تحقيق اصلاح سياسي ديمقراطي يساعد على تطوير الحياة السياسية وتنظيمها عبر قانون ديمقراطي لاشهار الأحزاب السياسية على أسس وطنية، وترسيخ نظام انتخابي ديمقراطي عادل، بما يحقق تمثيلاً انتخابياً نيابياً يتسم بالعدالة.وتشكل الانتخابات التمهيدية التي تجري في الكويت وفي دول أخرى، منها الأردن، تبديداً لأسس الديمقراطية، وتحضيراً للانقضاض على الانتخابات العامة الشاملة على مستوى البلاد. وهي ترسخ انقسامات اجتماعية عشائرية وفئوية تشوه صورة الديمقراطية الحقيقية.
كيف سيغادر ترامب البيت الأبيض على اثر هزيمته في انتخابات نوفمبر 2020 القادمة؟
بقلم: عدنان خليلبعد أن أنجز الحزب الديمقراطي مؤتمره الذي عقد افتراضيا، وقبل فيه جو بايدن ترشيحه لمنصب الرئيس هو وكامله هرس كنائبة للرئيس، بدأت في مدينة شارلوت بولاية نورث كارولينا مساء يوم الاثنين الموافق 24 اوغست/ آب أعمال المؤتمر العام للحزب الجمهوري. وقد عقد افتراضيا بسبب رفض حاكم الولاية الديمقراطي روي كوبر السماح لترامب او الحزب الجمهوري عقد هذا المؤتمر الا بقيود التباعد الاجتماعي. وكانت قد فشلت عملية نقل المؤتمر الى ولاية فلوريدا، والتي يحكمها أحد تابعي ترامب، كون مدينة جاكسونفيل البديلة في فلوريدا قد تفشى فيها الفايروس. وعليه أفقد الفايروس متعة ترامب بالتهريج امام عشرات الاف المؤيدين من جمهوره. وتحدث من ساحة البيت الأبيض أمام بضع مئات من مساعديه ومؤيديه، مخالفا التعليمات بعدم استغلال المراكز الحكومية لأغراض الحزب او الحملة الاعلامية.في مؤتمري الحزبين، حرم المندوبون من فرص الحوار، حيث كان كل شيء معدا من إدارة الحزبين، وبدلا من ذلك شكل المؤتمر عرضا انتخابيا لكل منهما وفرصة للدعاية امام الاعلام. يأتي هذا السباق الانتخابي، أثناء المصاعب الصحية والاقتصادية التي تمر فيها أمريكا والعالم، والاستقطاب الحاد في الولايات المتحدة بين التيار المحافظ ممثلا في الحزب الجمهوري والافنجيليكن المتصهينين وكتلة ترامب من البيض العنصرين، مقابل التيار الليبرالي الذي يقوده الحزب الديمقراطي، والذي يحمل في احشائه حركة اليسار البرجوازي الذي يمثله بيرني ساندرز.الكل يتطلع الى هذه الانتخابات، متسالين “هل سيفوز دونالد ترامب ليحكم أمريكا لمدة 4 سنوات قادمة؟وللاجابة على ذلك سأجتهد محاولا البعد عن الضرب بالودع:“مابعد جائحة الكورونا ليس كما قبلها”. لقد فعل الوبأ او أظهر او ساهم في أحداث جسام ذات أثر هائل على الولايات المتحدة والتي تنعكس على الواقع السياسي فيها، ومن ذلك الانتخابات في 3 نوفمبر 2020:-– في الجانب الشخصي لدونالد ترامب، أفقد الفايروس ترامب توازنه، وأظهر ضحالته وسخفه على مدار الأشهر الماضية. لقد اردت الجائحة 180 ألف امريكي، حتى اللحظة، وأبكت 180 ألف عائلة معظمهم من السود والفقراء اللاتنيين، ولم يعد الامريكيون، او غالبيتهم، تنطلي عليهم مقولة الفايروس الصيني أو إلقاء اللوم على الاخرين وأدركوا انهم امام إدارة فاشلة، ليس لديها القدرة على إدارة الازمات.واظهرت دونالد ترامب فاقدا لكريزما القيادة. لقد بهت خطابه الشعبوي الذي حمله للفوز في انتخابات 2016. في المؤتمر الافتراضي وان لم يتمكن دونالد ترامب من إطلاق طاقاته في عرض العابه البهلوانية امام مؤيديه من البيض العنصريين، الا انه وقف يطلق الأكاذيب كالعادة فهو يتحدث الان عن المطاعيم التي ستحل مشكلة الوباء وكانه هو من سيكتشفها ويجري التجارب عليه، تماما كما كان يتحدث عن دواء الهيدروكسي كلوركوين وكانه هو مخترعه وصاحب العلامة التجارية له وانه اوكسير الحياة السحري، وكل ذلك ليخدر اتباعه بشحنة من قناعاته التي لا تصمد امام العلم. كذلك أسهب في تحميل مسؤولية الفشل، كالعادة، في مواجهة الازمة الصحية او الازمات الأخرى الى ادارة أوباما وبايدن التي انتهت قبل 4 سنوات. – في الاقتصاد، نسب ترامب لنفسه الانتعاش الاقتصادي قبل الجائحة، علما ان المؤشرات الاقتصادية الايجابية كانت امتدادا طبيعيا لمرحلة إدارة أوباما، التي عالجت ركود 2008 الموروث من إدارة الجمهوريين. اما العام الحالي الذي حلت فيه الجائحة كوفيد 19، وخلال فترة قصيرة من الأداء الفاشل اصبح هناك 30 مليون عاطل عن العمل، وفقدت امريكا 33% من الدخل القومي خلال الربع الثاني من السنة فقط، أي في 3 شهور فقدت 1.6 ترليون دولار تقريبا، اما الحديث عن انتعاش حالي في قطاع العقارات والسيارات، فان هذا عائد لتطبيق وصفة وقرارات مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، بضخ ترليونات الدولارات في شرايين المجتمع والاقتصاد الأمريكي، مما وفر سيولة حولها الجمهور الى موجودات ادخارية مثل العقارات والذهب، وليس نتيجة لسياسات ادارة ترامب أو منهج الحزب الجمهوري، وهي “جمعة مشمشية” ليست طويلة الاجل، سرعان ما ستشعر بعدها البطون بالجوع.– لقد هيّج دونالد ترامب المشاعر العنصرية في مجتمع متعدد الأعراق والاثنيات، وغذى مشاعر العداء لدى القوميين البيض. ومن سوء طالع دونالد ترامب ان أحد مؤيديه من الشرطه جثم على رقبة الافريقي الأمريكي جورج فلويد فازهق روحه مما سعر الاحتجاجات المتواصلة ضد العنصرية وزاد من الاستقطاب في المجتمع الأمريكي، وأظهر دونالد ترامب مرة أخرى عجزا في مواجهة الازمة، لا بل زاد الطين بلة بارساله الامن الفيدرالي الى الولايات التي يحكمها الديمقراطيون ليقمع حركة الجماهير السلمية. لقد وفرت سياسات ترامب العنصرية بيئة خصبة لتنمية المليشيات المسلحة. – في داخل الحزب الجمهوري اعلن تجمع لـ 73 شخصا مهما من قيادات الحزب الجمهوري خطورة سياسات ترامب على أمريكا، وانهم لن ينتخبوه، وبعضهم اعلن وقوفه مع منافسه جو بايدن، ومنهم المرشح للانتخابات الرئاسية السابق جون كيسك ووزير الدفاع السابق كولن بأول.– في الصراع الاقتصادي والتجاري، إذا كانت الولايات المتحدة تخشى النمو الهائل للتنين الصيني، ووضعت في أولويات استراتيجياتها عمليات تحجيم الصين منذ اكثر من عشر سنوات، الا انه حصل العكس. لقد جاء ترامب قارعا طبول الحرب مع الصين ووضع العقوبات التجارية والاقتصادية والسياسية، الا انه من الواضح ان الصين كسبت الجولة. لقد خرجت الصين من الازمة الصحية بفترة قصيرة، وعادت الى الإنتاج بسرعة وفاعلية، بينما أمريكا لا زالت ترزح تحت عبئ الجائحة وتداعياتها.– عندما استلم ترامب السلطة قبل ما يقرب من 4 سنوات كان الكونغرس بغرفتيه بيد الحزب الجمهوري وكذلك غالبية حكام الولايات، لكن خلال سنتين من انتخاب ترامب، وفي ظل سياساته وادارته، أصبحت الأغلبية في مجلس النواب من الديمقراط وتحول العديد من الولايات الى حكام من الحزب الديمقراطي، ونجحت مجموعة من التقدميين في الوصول الى الكونجرس، كما سقط عدد كبير من كانوا في دائرته، اما نتيجة الكذب امام الكونجرس او التعامل مع الروس او الفساد ممن يتبنون نظريات القوميين المميزين، وأخطرهم ستيف بانون.– على صعيد السياسة الخارجية فشلت هذه الإدارة في معظم ملفاتها، ان كان في كوريا الشمالية او فنزويلا او ايران او في الصراع الفلسطيني الصهيوني. أما نجاح كوشنر مع دولة الامارات العربية المتحدة بالتطبيع مع إسرائيل فليس له وزن حقيقي في العملية الانتخابية في أمريكا، من الممكن ان يكون له وزنا لصالح نتنياهو، اما ترامب فلا.– اذا كان هناك امرا يحسب لترامب في فترته، انه لم يغرق أمريكا في حروب عسكرية مدمرة كسلفه من الجمهوريين، وفي الحقيقة، هذا يضره انتخابيا امام المجمع الصناعي العسكري. لا نعرف اذا كان سيستمر في هذا النهج خلال الأيام القادمة وقبل الانتخابات، ام انه سيضع في صدره قلب الاسد ويشتبك مع الصين عسكريا ليضمن تأييد الصقور والمجمع الصناعي العسكري الذي يجلس على قمة الهرم الأمريكي، ليبقى اربع سنوات أخرى باعتباره بطل الحرب.وعليه، صراخ جماعة ترامب الانتخابي وتابعيه واستعراضاته الخطابية التي شاهدناها في المؤتمر لن تساعده في هذه الانتخابات، وما خوفه من عملية التصويت من خلال البريد، واعتبارها وسيلة للتزوير، الا مؤشرا على قناعته الداخلية بالهزيمة. وسيستخدمها
عقيدة المحافظين الجدد تغزو فرنسا
عرفت فرنسا في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق، ساركوزي، انتقال أفكار المحافظين الجدد من الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرنسا. وقد تميزت سياسات ساركوزي بالتشدد مع المهاجرين، والاعتماد على المقاربات الأمنية في معالجة مشكلاتهم، فدعا الفرنسيين إلى التساؤل عما آلت إليه هويتهم الوطنية مع ظهور أجيال جديدة من المهاجرين، فشجّع تنظيم لقاءات أخذت تسمية “النقاش الكبير حول الهوية الوطنية”، ما فتح الأبواب على مصراعيها لكل الانحرافات العنصرية، وأذكى مشاعر الحقد والإسلاموفوبيا. ويعرف عن ساركوزي انحرافه العنصري الخطير في العاصمة السنغالية “دكار” عام 2009، حينما وصف الرجل الإفريقي بأنه “لم يدخل التاريخ بما فيه الكفاية، ولم يسهم في بناء الحضارة الإنسانية بما فيه الكفاية”.وقد استلهم مفكرو المحافظين الجدد في فرنسا نظريات نظرائهم الأمريكيين، وأبرزهم صامويل هنتنجتون صاحب نظرية “صراع الحضارات”. فهذا وزير الداخلية في عهد ساركوزي كلود غيون يطل علينا بترهات تزعم أن “الحضارات ليست متساوية”. وهو في ذلك يتكيء على مؤلف أحد منظري اليمين الجديد المقربين من ساركوزي “ايف روكو” بعنوان “المحافظون الجدد.. تيار للإنسانية” الذي تضمن تصنيفاً عنصرياً للثقافات والحضارات الإنسانية بحيث اعتبرت الحضارة الإسلامية “بربرية ودموية” في مقابل رقي وإنسانية الثقافة الغربية – هكذا دون أي تمييز أو فرز بين عناصر تقدمية وأخرى رجعية وحتى ذات صبغة عنصرية وفاشية.بطبيعة الحال يستند منظرو اليمين المحافظ الفرنسي الى أفعال مدانة ومرفوضة ارتكبها عناصر من التيار الإسلامي المتشدد في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، لتبرير وصم الثقافة والحضارة الإسلاميتين “بالعنف والهمجية” وتكئة لانتقاد الديانة الاسلاموية المقترن دائماً – ويا للغرابة بالدفاع عن الكيان الصهيوني.وبالقفز مباشرة الى الزيارتين اللتين قام بهما الرئيس الفرنسي ابمانويل ماكرون الى بيروت وما تخللهما من تصريحات تناقضت مع توجهات أمريكية وغربية دأبت في الآونة الأخيرة على تصنيف “حزب الله” منظمة إرهابية لا يجوز التعاطي معه بأي شكل من الاشكال وشن انصار اليمين المحافظ الفرنسي الجديد حملة تحريض ضد الحرب عكست نفسها في الصحافة الفرنسية باتهامات تصور الحزب “دولة داخل دولة”، والمطالبة بتصنيفه منظمة “إرهابية”.وقد اعتبر ماكرون نفسه أن هذه الحملة تندرج في اطار حملة منسقة من قبل جماعة المحافظين الجدد الفرنسيين، وهي تسمية استخدمها ماكرون بنفسه للإشارة الى أوساط فاعلة في وزارة الخارجية، واللوبي الصهيوني، هادفة إلى الضغط على الرئيس الفرنسي لعرقلة ما يعتبر انفتاحاً من قبله على الحزب. وبطبيعة الحال، فإن إسرائيل والولايات المتحدة تشجّعان مثل هذه الحملة.أول حديث رسمي عن وجود محافظين جدد في دوائر الدولة الفرنسية صدر عن إيمانويل ماكرون بعد شهر ونيف على وصوله الى الرئاسة، في تموز 2017. قبل هذا التاريخ، لفت عدة باحثين الى النفوذ المتعاظم لهذه «الزمرة»، في وزارة الخارجية وبين الخبراء الاستراتيجيين العاملين لحساب وزارة الدفاع. لكن استخدام رئيس الدولة لهذا المصطلح – في مقابلة مع مجموعة من الصحف الأوروبية، لا الفرنسية وحدها، مخصصة للسياسة الخارجية التي ينوي اعتمادها، وعند تناوله التعامل الفرنسي مع الأزمة السورية وضرورة مراجعته – أعطى مصداقية أكبر لما كان يعتبر فرضية باحثين. عاود ماكرون الكرّة في مداخلته أمام مؤتمر السفراء في أيلول 2019، عندما أدان ما سمّاه “دولة عميقة” في وزارة الخارجية: «أنا أعرف أن لدينا نحن أيضاً دولة عميقة وأن رئيس الجمهورية قد يعلن عن مواقف لكن الاتجاه الرئيسي لديها سيرى أنه رغماً عن هذه المواقف فإن المفروض بالنسبة اليه، بما أنه يفترض أنه يمتلك الحقيقة، هو الاستمرار في السياسات السابقة». كان ماكرون يركز هذه المرة على السلبية التي يلمسها داخل المؤسسات تجاه جهوده للتقارب مع روسيا، ومحاولات عرقلتها من قبل هؤلاء، وكذلك في منع أي تعديل جدي للمقاربة الفرنسية للأزمة السورية.صلات وطيدة تجمع المحافظين الجدد في فرنسا باللوبيات المرتبطة بإسرائيل والإماراتشهرية “لوموند ديبلوماتيك”، في عددها الصادر في أيلول الحالي، نشرت مقالاً مهما للصحافي مارك أنديفيلد بعنوان “ايمانويل ماكرون والدولة العميقة” عرض فيه قصة صعود تيار المحافظين الجدد داخل مؤسسات الدولة الفرنسية وتعاظم نفوذهم خلال رئاستي نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند الأطلسيَّي الهوى والمؤيّدَين لإسرائيل. باختصار، إن أنصار هذا التيار مقتنعون بأن إصرار فرنسا على الاستقلالية والتمايز عن الولايات المتحدة على المستوى الدولي بات يتناقض مع تراجع قدراتها ومع تغيرات في موازين القوى الدولية تفرض على أيّ حريص على مصالحها السعي لوحدة المعسكر الغربي في مواجهة صعود القوى غير الغربية كالصين وروسيا وتلك الاقليمية كإيران وتركيا. ما لم يتطرق إليه المقال بشكل واف هو الصلات الوطيدة التي تجمع أقطاب المحافظين الجدد باللوبيات المرتبطة بإسرائيل والدول الخليجية، وبالإمارات تحديداً، النشيطة جداً والتي تمتلك واجهات «بحثية» وإعلامية وظيفتها تنسيق الجهود مع هذا التيار وإطلاق الحملات الإعلامية – السياسية المناسبة لمصالحها وتوجهاتها. وليس سراً أن بعض الصحافيين الفرنسيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط يعملون لحساب هذه اللوبيات، التي تغدق عليهم بسخاء، وينسقون معهم تنظيم حملات إعلامية مناهضة للانفتاح الفرنسي على “حزب الله” تتقاطع مع حملات موازية تشنها شخصيات وأطراف لبنانية تتطلع لتحقيق ذات الأهداف وتربطهم علاقات “ودية” بمسؤولين في دول خليجية أشرفوا مؤخراً على إنشاء مؤسسة إعلامية.
“الشيوعي” السوداني يتحفظ على اتفاق جوبا ويوقع اعلانا سياسياً مع الحركة الشعبية
أبدت قوى سياسية وكيانات مهمة تحمل السلاح في البلاد تحفظات جوهرية على اتفاق السلام الذي وقعته الحكومة السودانية وبعض فصائل الجبهة الثورية، ووصفته بعدم الشمول ومخاطبة القضايا الجوهرية التي قادت إلى الحرب. ولم تستبعد تلك الجهات تجدد القتال مرة أخرى في ظل المحاصصات والإقصاء والاستبعاد الذي انطوى عليه الاتفاق الذي لم يستوعب أصحاب المصلحة من متضررين ونازحين إلى جانب قوى أخرى مهمة لم تشارك في التوقيع من أمثال الحركة الشعبية شمال بقيادة آدم الحلو وفصيل عبد الواحد نور و13 فصيل مسلح غيرهم، وكذلك تم تجاهل كيانات مدنية وازنة مثل تجمع المهنيين وتجمع الاجسام المطلبية وقوى السودان الجديد واضعين في الاعتبار رمزية وجود الحزب الشيوعي في تحالف قوى الحرية والتغيير الذي أصدر بياناً حول الاتفاق لافتاً النظر الى خطورة اطلاق صفة النهائي عليه على الرغم من ضعف المعالجات التي تمت لقضايا مصيرية.ولفت البيان النظر الى أن الاتفاق المعلن أبدل الحاضنة السياسية للنظام القائم في البلاد بحاضنة جديدة قوامها أطراف الاتفاق وابعاد للقوى التي قادت ومثلت الشارع في حراك ديسمبر أو الحديث عن أي دور لها بعد التوقيع على الاتفاق، وذهب الى ابعد من ذلك بتجريد الوثيقة الدستورية في مضمونها.وقد وضع البيان عدة مطالب منها:– تأييدنا لأي خطوة جادة لإنهاء الحرب وتساعد على استقرار المواطنين في مناطقهم الاصلية بعد ردها إليهم بشكل فوري بقرار سياسي يلتزم بتأهيلها وتنميتها، دونما حاجة للتقاضي حولها.– سنظل نناضل من اجل عقد مؤتمر السلام الشامل وتنظيم المؤتمر الدستوري، لوجود قوى منظمة ومنتظمة في حركات للكفاح المسلح لم يتم تمثيلها في منبر جوبا– سنظل نناضل الى جانب شعبنا من اجل الديمقراطية وتعزيز الحريات، باعتبار غياب النص عليها في اتفاق السلام واغفال تحديد آليات الدفاع عنها مما يثير الشك أن حكم العسكر ينوي إطالة حكم العسكر لفترة أطول مما كان مقرراً بموجب الوثيقة الدستورية.– نشدد على رفضنا للمحاصصة التي مثلت عماد الاتفاق المعلن، ونؤكد بان استحقاقات الحكم والموارد تعود لأصحاب المصلحة من سكان المناطق المتأثرة بالحرب وان حركات الكفاح المسلح معنية فقط بوضع قواتها بالترتيبات الأمنية، وعليها الاعتراف بعدم تمثيلها وحدها لمواطني تلك الاقاليم ونشدد على ان أساس الحل هو تناول القضايا التي شكلت جوهر الازمة وليس الاشخاص.– نرفض بحزم الالتفاف على مطلوب العدالة الانتقالية، ونرفض تسميتها بغير اسمها.على صعيد ذي صلة وقع الحزب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان “اعلاناً سياسياً” تضمن التزام الدستور السوداني بالحقوق والحريات الواردة في الجهود والمواثيق الدولية، وضمان المساواة الكاملة بين المواطنين واعتراف الدولة وإقرارها لتعدد الأديان والمعتقدات ورفض اقحام واستغلال الدين في السياسة والالتزام بكرامة المرأة السودانية ومساواتها مع الرجل، واحترام استقلال القضاء والعمل بين الحزب والحركة لحماية حق الشعب في التغيير والحرية واستكمال مهام الثورة.
حكومة المشّيشي: استمرارية القهر والاستغلال والفساد والعمالة
حازت الحكومة الجديدة التي شكلها هشام المشيّشي على ثقة المجلس دون عرض برنامج ولا ضبط أولويات وإجراءات ملموسة ومسقّفة لمعالجة مشاكل الوطن والشعب المتراكمة والمتفاقمة. وقد انقاد التصويت لها بمنطق الحفاظ على المواقع والمصالح وتسجيل النقاط للخصوم لا غير. وأضاف حزب العمال التونسي في البيان الذي أصدره حول التشكيلة الحكومية التونسية الجديدة، ولئن خضع المشيشي في البداية لتوجيهات قصر قرطاج، فإن ضغط الأحزاب والكتل النيابية حوّل وجهته نحو أكثرها رجعية وفسادا، خاضعا لابتزازها وضغوطها مما زاد مسار تشكيل الحكومة تعفّنا وهو ما انعكس في خطاب جلسة منح الثقة الذي خلا، على سبيل الذكر وليس الحصر، من كل إشارة ولو شكلية إلى مقاومة الفساد التي حضرت في خطب كل سابقيه. كما خلا من كل إشارة إلى السياسة الخارجية وخاصة الموقف من التطبيع مع الكيان الصهيوني في هذا الوقت بالذات. أما نقاشات البرلمان فقد عبّرت عن درجة كبيرة من الإسفاف والانحطاط السياسي والسقوط الأخلاقي. وأردف البيان بالقول إن المصادقة على حكومة المشيشي عوض أن تفتح على فترة، ولو ظرفية من الهدوء كما جرت العادة، أججت الأزمة السياسية وأطلقت العنان لحرب مفتوحة بين مراكز السلطة وخاصة بين قصري قرطاج وباردو. وهو ما عكسه خطاب قيس سعيد في حفل أداء اليمين وهو خطاب استعمل فيه كل ألفاظ الحرب. كما عكسه الخطاب التوديعي لإلياس الفخفاخ الذي اعترف مرة أخرى أن البلاد تتلاعب بها المافيات والقوى الخارجية. وهو ما يؤكد مجددا أن المنظومة السائدة التي أتت بها انتخابات 2019 هي منظومة مأزومة وفاشلة وعاجزة ولن تنتج إلا مزيدا من تعفن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، ورهنا للبلاد للدوائر الأجنبية. وشدد حزب العمال في بيانه على المطالب التالية:أولا: أنّ أوضاع البلاد بلغت مع منظومة الحكم السائدة درجة غير مسبوقة من التدهور والسوء، وهي نتيجة حتمية لتواصل الاحتكام لنفس الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية التي تخدم مصالح لوبيات السماسرة والعملاء والمهربين ومصاصي دماء العمال والكادحين والفقراء.ثانيا: أنّ حكومة المشيشي ومهما كانت أغلفتها كـ”الاستقلالية والكفاءة والتكنوقراط” إنما هي مواصلة لنفس سياسات التبعية والتفقير والقمع والفساد، وهي حكومة عاجزة عن معالجة مشاكل تونس وشعبها بل ستزيدها سوء وبؤسا خاصة مع أوضاع اقتصادية ومالية واجتماعية تشارف على الانهيار ومناخ إقليمي ودولي متفجر وحامل لأخطار وتهديدات كبيرة.ثالثاً: أنّ الصراع السياسي الدائر اليوم بين مكونات منظومة الحكم هو صراع رجعي لا مصلحة للشعب فيه، وهو صراع من أجل التموقع والغنائم ومزيد من رهن تونس للقوى الخارجية وقهر شعبها من قبل قوى ظلامية وشعبوية وليبرالية مفلسة لم تنجح إلا في الغدر.. غدر بثورة الشعب التونسي والالتفاف على استحقاقاتها.رابعا: أنّ مصلحة الشعب التونسي ليست في الاستسلام أو الإحباط أو البحث عن حلول وهمية من داخل المنظومة القائمة، بل في أخذ مصيره بيده من خلال النضال ولا شيء غير النضال الواعي والمنظم والمحتكم لبرنامج ثوري يصحح الأوضاع ويستهدف منظومة الحكم من أجل نظام يحقق مصالح الشعب واستقلال الوطن من خلال خيارات جديدة وطنية ديمقراطية وشعبية.